في الدورة الحاليه للجمعية العامة للأمم المتحدة، انضمت فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا إلى أكثر من 150 دولة اعترفت رسميًا بدولة فلسطين. على الورق، يبدو هذا الحدث تاريخيًا، إذ إن عدد الدول التي تعترف ب فلسطين يفوق بكثير تلك التي تعترف بدولة الكيان. لكن الاعتراف، ما لم يُترجم إلى خطوات عملية على الأرض، سيبقى مجرد حبر على ورق، و يترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة الاحتلال البغيض.
ردًا على هذه الموجة الجديدة من الاعترافات، هددت دولة الكيان بضم الضفة الغربية. فلعقود مضت، تحولت الضفة إلى شبكة من المستوطنات اليهودية المقامة على أراضٍ فلسطينية مسلوبة، وذلك بدعم وتمويل من الحكومات الغربية، في ظل احتلال عسكري ونظام فصل عنصري. إن أي ضم جديد لن يكون سوى نتيجة مباشرة لسياسات الغرب المتواطئة والتطبيع العربي مع الصهاينه، في نفس الوقت الذي يواصل المجتمع الدولي غضّ الطرف عن انتهاكات دولة الكيان للقانون الدولي دون رادع.
في الولايات المتحدة، أحاط ترامب نفسه بموظفين أكثر ولاءً لتل أبيب من ولائهم لبلادهم، ليصبح البيت الأبيض أسيرًا لإملاءات نتنياهو. وتبنّت إدارته الرواية الدعائية الصهيونية التي تُحمّل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية فشل وقف إطلاق النار، بينما تُمنح دولة الكيان مزيدًا من الوقت لمواصلة تجويع غزة، وتنفيذ إبادة جماعية، وفرض تغيير ديمغرافي في الضفة الغربية.
أما لقاء ترامب ونتنياهو المرتقب يوم الاثنين فلن بكون إلا فصل جديد من مسرحية مكررة لوقف إطلاق النار، ان هذه الخطة المكوّنة من 21 نقطة المطروحة من قبل ترامب أقرب إلى تبني وجه النظر الصهيونيه منه إلى خطه توفيقية. ورغم ذلك، فمن المتوقع ان يحمل نتنياهو لائحة طويلة من الملاحظات والشروط التعجيزية بعد ان حصل ترامب على قبول إيجابي من قبل العديد من القاده العرب والمسلمين. عندها لن يكون هناك شك بان ترامب سيتبنى شروط النتن ياهو، و يوجّه من جديد أصابع الاتهام إلى الفلسطينيين ، كما فعل سابقا بعد ان خرق الطرف الصهيوني وقف إطلاق النار في 2 مارس الماضي.
وعلى مدى عقود، ورغم انقساماتهم العميقة في السياسة الداخلية، ظل المشرّعون والإدارات الأمريكية موحدين، فقط، في خضوعهم لدولة الكيان ولوبياتها. ففي الوقت الذي يتصارعون فيه،اليوم، على الميزانية العامه، يتفقون بالإجماع في نفس الميزانية، على اقتراض المليارات لتسليح دولة الكيان التي توفر التعليم والصحة المجانية لمواطنيها، بينما يعجز المشرعون الأميركيون على الاتفاق لاقتراض الأموال لضمان الحقوق نفسها للمواطن الأمريكي.
عوده إلى الدول التي اعترفت بفلسطين، على هذه الدول أن تقف بشكل عملي في وجه أي محاولة من دولة الكيان لضم أراض فلسطينية باعتبارها اعتداءً على سيادة دولة اعترفت بها هذه الدول نفسها. وإلا فإن الاعتراف لن يتجاوز كونه لفتة رمزية أو حمله علاقات عامه لإرضاء ضمير ميت. الاعتراف الحقيقي يقتضي مواجهة جرائم المستوطنين المسلحين، الذين، بدعم الجيش وبتشجيع من وزراء عنصريين، يروّعون القرى الفلسطينية، ويحرقون البيوت وحقول الزيتون في الضفه الغربية.
الجزء المكمل
رغم ان هذا الاعتراف قد يعكس أيضًا حالة من الإحباط لدى بعض من هذه الدول لاستخدام دولة الكيان التجويع كسلاح ضد 2.3 مليون فلسطيني في غزة. لكن هذا الاعتراف، بغض النظر عن دوافعه، يجب ألا يغفر للغرب عقود من التواطؤ: فقد سلّحت أوروبا دولة الكيان، ودعمت احتلالها، وعلى دوام العامين الأخيرين تسترت هذه الدول على مجازر الاباده تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، وتغاضت عن تفشي المجاعة بين أطفال غزة حتى فوات الأوان.
سياسيا، منحت هذه الحكومات سابقا الحركه الصهيونيه أداة إضافية للرقابة على المواقف السياسية في الغرب عبر تبني هذه الدول تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية، الذي يخلط عمدًا بين اليهودية والدولة العبرية. بعيدًا عن حماية اليهود في دولهم، تحوّل هذا التعريف إلى سلاح سياسي في الغرب لإسكات المثقفين المنتقدين لدولة الكيان، وكذلك إلى تشجيع الغطرسة الصهيونيه وتماديها بارتكاب جرائم حرب بمنأى عن المساءلة الأممية.
لقد وُعد الفلسطينيون بمسار لدولة عند توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، وخاضوا مفاوضات امتدت لثلاثة عقود بلا نتيجة، فيما واصلت دولة الكيان تغيير البنية الديمغرافية وسرقة الأرض في محاولة لمحو فلسطين من الخريطة.
وعليه، فإن الدول التي اعترفت بفلسطين أمام امتحانيين لإثبات مصداقيتها:
1. اتخاذ خطوات ملموسة لفرض قيام الدولة الفلسطينية، من خلال:
• تعليق العلاقات التجارية والثقافية والعسكرية والدبلوماسية مع دولة الكيان حتى تلتزم بالقانون الدولي.
• حظر دخول منتجات المستوطنات غير الشرعية إلى أسواقها.
• فرض عقوبات على المستوطنين، تشمل تجميد الأصول وحظر السفر والمساءلة الجنائية.
• تنسيق عقوبات فورية إذا أقدمت دولة الكيان على ضم أي ارض فلسطينية.
• دعم ملاحقة دولة الكيان سياسيًا وقانونيًا أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية بجرائم الفصل العنصري والإبادة
والتطهير العرقي.
2. أو التخلي عن وهم “حل الدولتين”، والمطالبة بدولة ديمقراطية واحدة يعيش فيها الفلسطينيون واليهود كمواطنين متساوين، تحت قانون موحد، وبحقوق وضمانات مساوية كتلك التي يتمتع بها اليهود في اوروبا والولايات المتحدة.
إن الاعتراف بفلسطين ليس منّة ولا صدقة، بل حق أصيل غير قابل للتصرف. أما الاحتفال بالاعتراف دون خطوات عملية لإنهاء الاحتلال، فيكشف زيف شعارات الغرب ونفاقه السياسي.
فعلى مدى 77 عامًا، عانى الفلسطينيون النفي والمجازر وخيبات الوعود. غزة أُبيدت، اللاجئون يتوارثون المعاناة في المخيمات، والضفة تنزف تحت إرهاب المستوطنين. الضم لم يعد مجرد تهديد، بل أصبح واقعًا قائمًا. واليوم، على الدول التي اعترفت بدوله فلسطين أن تحسم قرارها: هل سيكون اعترافها بفلسطين شهادة ميلاد لدولة ذات سيادة، أم شهادة وفاة للمصداقية الدولية؟

