في الكثير من الأفلام والمسلسلات البوليسية الهوليوودية يظهر الدور المتبادل للمحقق بين شخصيتين، تلعب كل منهما دوراً في إدارة التحقيق وإخضاع المتهم عبر عملية ضغط نفسي وجسدي في غرفة التحقيق، حيث تُستخدم جميع الظروف من إضاءة ووتيرة الصوت إلى الصمت الذي يُراد منه فتح نافذة لإعادة التفكير تُعجِّل من الانهيار والخضوع.
كل هذا تم استخدامه ضد الشعب الفلسطيني منذ ثورة 1936، عندما ظهر "الشرطي الجيد" الذي أبدى دفاعه عن الشعب الفلسطيني من خلال تمرير وعود بأن هناك ضمانات من "الشرطي السيئ" المتمثل بالاحتلال البريطاني، بأن طلبات الفلسطينيين بوقف الاستيطان وسرقة الأراضي وإنهاء الاحتلال البريطاني سوف تُنفَّذ.
هذه الضمانات التي قدمها "الشرطي العربي" الذي لعب دور الشرطي الجيد ما زالت قائمة، وتعيد إنتاج الظروف ذاتها لإنهاء الثورة الفلسطينية المعاصرة.
خطة ترامب التي قدمها بحضور مجرم الحرب نتنياهو تحمل المضمون ذاته الذي قدمته الحكومة البريطانية وضَمِنَه الملوك العرب لإنهاء ثورة 1936، وهي تتكرر اليوم.
جوهر الخطة "الترامبية" يتعارض مع ما تطرحه المنظومة الرسمية العربية حول حل الدولتين، لأنها وبشكل واضح تعلن: لا دولة فلسطينية، ولا وحدة بين الضفة وغزة، وأن أي دولة فلسطينية تُعد خطراً على إسرائيل.
هذا يفرض سؤالاً: ما الذي يدفع الأنظمة العربية إلى قبول هذه الخطة؟
الخطة الترامبية تظهر بشكل وقح ومعلن كطلب للاستسلام العربي والفلسطيني الكامل والشامل، ليس فقط من حماس، بل من جميع الفصائل، بما فيها السلطة الفلسطينية التي يتعامل معها ترامب ونتنياهو بعدائية معلنة رغم كل ما قدمته من تنازلات في السياسة والدور.
ولإظهار سبب الموافقة العربية والإسلامية (السنية)، دعونا ندقق في تصريحات المندوب الأمريكي إلى لبنان توماس البراك، الذي أوضح بشكل معلن أن تقسيم سايكس–بيكو لم يعد قائماً، وأن الحدود الحالية قابلة للتغيير، وأن المنطقة وشعوبها لا يمكنها إيجاد أرضية مشتركة لبناء الدولة لأنها محكومة بعقلية الفرد والعائلة والقبيلة والقرية، ومغلفة بمنظومة دينية متعارضة، وتضم مجموعة من القوميات والأعراق والأديان المتناقضة. وأضاف أن سايكس–بيكو أنشأ نُظماً وقسّم الجغرافيا على أساسها.
هذا التصريح لخّصه ترامب بعدة كلمات: إن النظم الملكية والعائلية والفردية القائمة سلمية، لا تتصادم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بل تخدمها وتلعب دور الشرطي الجيد في تمرير البلطجة الأمريكية–الإسرائيلية.
التفسير يحمل أيضاً تهديداً لهذه الأنظمة التي لا تملك أية إمكانيات للاستمرار إذا رُفع الغطاء الأمريكي العسكري عن بعضها، أو المالي عن بعضها الآخر.
الخطة الترامبية لا تشمل غزة والضفة فقط، بل هي شاملة للمنطقة، وتحمل شروط الاستسلام التام للمصالح الإسرائيلية–الأمريكية. وتتضمن شروطها في "صفقة القرن"، واللجنة المقترحة لتنفيذها تشمل خماسياً صهيونياً من ترامب، وتوني بلير، وكوشنير، وويتكوف، وتوماس البراك. هذه اللجنة ستشرف على الاستسلام التام للأنظمة والحكومات، وتهرّب إسرائيل وجيشها من المحاسبة على جرائم الحرب، وتُحضّر للحرب على إيران لإنهاء النظام الإيراني والمقاومة في لبنان و العراق واليمن.
وفي الوقت ذاته، تفتح الباب لإسرائيل وحكومتها وجيشها للهروب من المحاسبة والعقاب، وتحميل مسؤولية الجرائم وإعادة الإعمار كما جرت العادة منذ 77 عاماً، حيث كانت إسرائيل تدمر وتقتل، وتقوم الأنظمة العربية بالتغطية ودفع تكلفة الإعمار.
الشرطي السيئ أعلن خطته ودوره، وعلى الشرطي الجيد تمريرها.
المجرم الحقيقي فُتحت له أبواب الهروب من البوابة الخلفية، واستُبدلت العدالة الإنسانية بعدالة إجرامية تُسوَّق عبر الغلاف اللاهوتي التوراتي، المسوَّق بدوره بغلاف إسلامي داعشي يتلاقى معه في الجوهر والدور والممارسة.
هذه العدالة الإجرامية واجهها الرئيس اليساري الكولومبي في الجمعية العامة، وفي التظاهر في قلب مدينة نيويورك ضد السياسات الإجرامية للإدارة الأمريكية التي تدعم وتغطي الجرائم الإسرائيلية–الصهيونية. كان صوته يصل إلى القادة العرب والمسلمين الذين كانوا يوقعون على مرسوم الاستسلام لترامب ونتنياهو.
هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة كانت دورة استثنائية تاريخية، وضّحت فيها الخطوط الفاصلة بين التناقض الرئيسي: بين الإجرام الأمريكي–الصهيوني وحليفه الرسمي العربي والإسلامي، وبين اليسار العابر للحدود الذي عبّر عنه الرئيس الكولومبي من أجل تشكيل حركة عالمية لتحرير فلسطين. هذا اليسار بكل ألوانه خرج إلى الشوارع في كل الميادين العالمية باستثناء العربية منها، ليُظهر أن فلسطين هي الخط الفاصل بين العدالة الإنسانية ونقيضها.
هذه الدورة أوضحت معالم ودور "الشرطي السيئ" الأمريكي–الصهيوني، و"الشرطي الجيد" الرسمي العربي والإسلامي والغربي الذي يغطي ويمرر سياسات الشرطي السيئ.
كما أظهرت أن التناقض قائم بين الرأسمالية الصهيونية وشرورها، وبين العدالة الإنسانية وحامليها الحقيقيين المدافعين عنها عبر العالم بمختلف ألوانهم وأجناسهم وأديانهم، وأن عنوان المواجهة هو تحقيق العدالة للإنسانية وحريتها ومشاركتها.

