Menu

في الذكرى الـ(55) لرحيل جمال عبد الناصر: فلسطين والأمة العربية بأمسّ الحاجة إلى نهجك لمواجهة تحديات التصفية والتطبيع

عليان عليان

جمال عبد الناصر

في ذكرى رحيله الـ(55) يزدحم العقل بالذكريات حول مرحلة وتجربة خالد الذكر جمال عبد الناصر، تلك المرحلة الغنية بالنجاحات رغم بعض الثغرات. نتذكر مبادئ الثورة الستة المتمثلة في: القضاء على الإقطاع، القضاء على الاستعمار، القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، إقامة جيش وطني قوي، إقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة. ونتذكر اتفاقية الجلاء في يونيو/حزيران 1956، وتأميم قناة السويس في العام نفسه، والوحدة المصرية السورية 1958، والإصلاح الزراعي وقوانين يوليو الاشتراكية 1961، والحزب الطليعي، والنكسة والرد عليها عام 1967 ببيان 30 مارس، وإعادة بناء القوات المسلحة ووضع خطة التحرير بدعم من الاتحاد السوفياتي.

وكل موضوع من هذه المواضيع يحتاج إلى بحث مطوّل، لكن ما لفت انتباه العالم أجمع لحظة رحيله وغداته ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: الجنازة غير المسبوقة في تاريخ العالم، عندما زحفت جماهير الشعب المصري التي قُدّرت بـ(5–7) ملايين مواطن، وقيادات الدول العربية وقيادات دول العالم الثالث، لتودّع قائد الأمة وقائد حركة التحرر العربية وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث. كما انشغل الأعداء بجنازته لأنهم اعتقدوا أن رحيله سيضعف مصر وحركة التحرر العربية، فيما انشغلت جماهير العالم الثالث بجنازته وهي تذرف الدموع أمام شاشات التلفزيون التي نقلت مشاهد الجنازة، حيث قُدّر عدد متابعيها عبر التلفاز بحوالي 350 مليون شخص حول العالم.

المسألة الثانية: عايشتها بنفسي، وتتعلق بموقف الشعب الأردني والفصائل الفلسطينية وردود فعلهم على رحيل القائد. إذ إنه في ذلك اليوم الخريفي الحزين، إبان أحداث أيلول 1970، نسي الناس في الأردن قتلاهم، وبدلاً من أن ينشغلوا بدفن أبنائهم وأقاربهم ومداواة جرحاهم، انشغلوا بالحدث الجلل: رحيل قائد الأمة. أتذكر أنني شاهدت في ذلك اليوم قيادات وكوادر من بعض فصائل المقاومة التي انتقدت عبد الناصر على خلفية موقفه من مشروع روجرز، رأيتهم ينتحبون بمرارة ولا يتمالكون أنفسهم. فسألتهم: علامَ تبكون وأنتم من هاجمتموه بقسوة؟ فكان ردهم، والندم يملأ وجوههم: "لقد أخطأنا بحق قائد الأمة، واكتشفنا أن موافقته على المبادرة كانت موافقة تكتيكية من أجل استكمال بناء حائط الصواريخ". ثم استرسلوا في البكاء الذي وصل إلى حد النحيب والتشنج. كما أتذكر الأهل في فلسطين من نهرها إلى بحرها، وهم يحملون في ذلك اليوم في كل القرى والمدن والمخيمات نعوشاً رمزية للقائد الرمز، لأب الأمة – بالمعنى القومي لا البطريركي – لأن فلسطين كانت هاجس مشروعه القومي الوحدوي الذي سخّر عمره من أجلها، ومن أجل إعادة الاعتبار لقضيتها كقضية تحرير وتحرر وطني، لا كقضية لاجئين.

المسألة الثالثة: أن الرئيس الأمريكي نيكسون، الذي سبق أن أرسل بوارج حربية وحاملة الطائرات ساراتوجا لإجراء مناورات مقابل شواطئ الإسكندرية كنوع من التهديد لمصر التي أعدّت العدّة لحرب التحرير وحددت موعدها، عندما سمع بوفاة عبد الناصر اتخذ قراراً بإلغاء المناورات وإعادة البوارج إلى أماكنها السابقة. وقد احتمل هذا الموقف تفسيرين: الأول ما ذكره بنفسه وهو "أن القائد الذي أتينا لتهديده قد رحل"، والثاني أنه حمل نوعاً من الاحترام الكبير لعبد الناصر – بالرغم من عدائه له – لما مثّله من مواقف قومية وأممية جريئة.

رحل عبد الناصر، لكن مشروعه الوحدوي التحرري باقٍ في الأمة، يعشعش في خلايا روحها ووجدانها وفي ضميرها الجمعي. فمشروع عبد الناصر ليس مشروعاً ماضوياً، بل مشروع للحاضر والمستقبل. وما شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي رفعتها وترفعها الجماهير في مختلف المحطات والمؤتمرات والمناسبات القومية إلا دليل على أن جذوة عبد الناصر لا تزال مشتعلة في أبناء الأمة حتى تحقق كامل أهداف مشروعها النهضوي التحرري الوحدوي.

لماذا نفتقد عبد الناصر ونهجه؟

في هذه الذكرى نفتقد خالد الذكر لعدة اعتبارات أبرزها:

  1. أنه لو بقي على قيد الحياة، أو بقي نهجه قائماً في مصر، لما حدثت الردّة الساداتية عن نهج الوحدة والحرية والاشتراكية، وعن نظرية الدوائر الثلاث، وعن نهج الإصلاح الزراعي والتأميم. ولما تغيّرت تحالفات مصر لتصبح حليفاً تابعاً للإمبريالية الأمريكية، ولما انتهت حرب تشرين 1973 إلى مأساة تحويل النصر العسكري إلى هزيمة سياسية، ولما جرى توقيع اتفاقيات كامب ديفيد 1978 التي أخرجت مصر من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني، لتصبح الحلقة الأضعف في النظام العربي وتعاني من الأزمات الاقتصادية والمديونية.
  2. تفتقده فلسطين التي كانت قضيته المركزية، إذ لو بقي نهجه قائماً في مصر، لما دخلت الساحة الفلسطينية في مربعات الانقسام بعد برنامج النقاط العشر، وبعد أحداث طرابلس 1983، وبعد الدورة 17 للمجلس الوطني الفلسطيني التي نجم عنها "مبدأ الأرض مقابل السلام" في الاتفاق الموقع مع الملك حسين. ولما تم قبر انتفاضة الحجارة باتفاقيات أوسلو، ولما أُلغي جوهر الميثاق الوطني الفلسطيني.
  3. نفتقدك عبد الناصر في هذه المرحلة، إذ لو بقي نهجك قائماً وحاكماً في مصر، لتمكنت المقاومة من تثمير السابع من أكتوبر 2023 ليكون محطة على طريق تحرير فلسطين، ولما تقاعست مصر العروبة عن الوقوف مع قطاع غزة الذي يواجه حرباً صهيو–أمريكية أطلسية، حرب إبادة وتجويع. ولما وقف الجيش المصري موقف المتفرج، ولما ظل معبر رفح مغلقاً أمام دخول المساعدات رغم أنف الاحتلال الصهيوني، ولما تجرأت إدارة ترامب على طرح خطة لتصفية القضية الفلسطينية.
  4. نفتقدك، لو ظل نهجك قائماً وحاكماً في مصر، لما وُقّعت اتفاقيات أوسلو، ولا معاهدة وادي عربة، ولما حصل العدوان الأمريكي والأطلسي على العراق، ولما وُقّعت اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية من قبل الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، التي بات حكامها يتخندقون في خندق العدو الصهيوني في مواجهة طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والتحرير.

راهنية ثورة 23 يوليو

وفي الختام، نجزم أن ثورة يوليو التي قادها خالد الذكر جمال عبد الناصر لا تزال راهنة بمبادئها الستة، وبنظرية الدوائر الثلاث (العربية والإسلامية والإفريقية)، وبمنطلقاتها في الحرية والوحدة والاشتراكية. ولا تزال راهنة في المبادئ العامة في علاقة الخاص الوطني بالعام القومي والأممي التي أشار إليها بعض الكتّاب والمنظّرين، من حيث: تكامل الوطنية المصرية مع القومية العربية، التلازم بين العروبة والإسلام والبعد الأممي، مركزية القضية الفلسطينية في النضال الوطني لمصر والكفاح القومي للعرب والتحرر الإنساني في العالم، التوازن الدقيق بين الصلابة المبدئية والمرونة السياسية، البعد الطبقي من زاوية الانشغال الدائم بهموم الفقراء والكادحين في مصر خصوصاً والأمة العربية عموماً، والتأكيد على أن الديمقراطية الاجتماعية هي المدخل الحقيقي للديمقراطية السياسية، وعالمية ثورة 23 يوليو.

البناء على تجربة عبد الناصر

هذه المبادئ يمكن البناء عليها لتشكّل خارطة طريق لإنقاذ مصر من واقع الردّة التي حدثت فيها، حتى تتحول مجدداً إلى إقليم قاعدة لحركة التحرر العربية والعالمية، وذلك من خلال ما يلي:

1. أن تلعب القوى الناصرية دوراً هاماً في البناء على تجربة ومبادئ ثورة 23 يوليو 1952، وأن تتجاوز حالة الانقسام السائدة الآن.

2. إعادة الاعتبار لحركة التحرر العربية وتجاوز أزمتها، من خلال تشكيل جبهة قومية عربية تقدمية ببرنامج وآليات قابلة للتنفيذ.

3. مراعاة المتغيرات التي حدثت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسيادة القطبية الواحدة في إدارة الصراع، دون الإخلال بالثوابت القومية والاقتصادية والاجتماعية.

4. التصدّي لمشاريع التطبيع مع العدو الصهيوني والعمل على إسقاطها.

5. تأكيد القوى القومية والتقدمية على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى حق الشعب الفلسطيني في استخدام كافة أشكال المقاومة، وفي مقدمتها الكفاح المسلح.

6. التأكيد على خارطة التحالفات مع أطراف محور المقاومة ومع كافة قوى التحرر في العالم، وفي مقدمتها دول أمريكا اللاتينية التي هزمت النهج النيوليبرالي واشتقت خطاً تقدمياً مناهضاً للإمبريالية الغربية والصهيونية.

وأخيراً، التأكيد على أن التغيير يبدأ أولاً من مصر، فإذا عادت مصر إلى موقعها الطبيعي، فإن ارتدادات كبيرة ستحصل في الوطن العربي لصالح التخلص من نهج التبعية والتطبيع، ووضع القضية الفلسطينية في موقعها الصحيح كقضية مركزية للأمة العربية.