يُعتبر ترشيح دونالد ترامب للرئاسة بمثابة اختزال للسياسة الأميركية يحوّلها عبثاً. فقد أصبح المشهد بمثابة عرض سخيف يبدو فيه المحتوى غير مهم بقدر الحدث والانفعالات الساذجة التي يثيرها. ومنذ الأيام الأولى لترشحه، أخفق المراقبون في فهم حقيقة ترامب. فجاذبيته لا تعتمد على قضية، لأنه، مثلما لاحظ منتقدوه بشكل صحيح، اتخذ مواقف متناقضة على نحو واسع النطاق بشأن قضايا تهم «الجمهوريين»، من الإجهاض إلى الهجرة و «أوباماكير»، على سبيل المثال لا الحصر.
وقد أخطأ المراقبون الذين قارنوا جاذبية ترامب بين «الجمهوريين» بجاذبية بيرني ساندرز بين «الديموقراطيين». ذلك أن الناخبين الشباب وجدوا أن ساندرز جدير بالثقة والتصديق. في المقابل، ينجذب محبو ترامب بدرجة كبيرة إلى تهديداته المتهورة، وسلوكياته الهوجاء. فهو يكذب بشأن حياته الشخصية وصفقاته التجارية، ومواقفه التي اتخذها، والأشياء التي فعلها، ويدرك مؤيّدوه ذلك، لكنهم لا يكترثون.
ما يكترثون له حقاً هو أداؤه وتمثيله. وهذا هو ما أخطأ المراقبون بشأنه، الأمر الذي دفعهم إلى التقليل من فاعلية دعوته، والتكهن مراراً وتكراراً على نحو خاطئ بفشله.
وأثناء مسار حملته الانتخابية، هاجم ترامب سلسلة من «الرموز»، التي يُعتبر كثير منها «مقدّساً» بالنسبة للمحافظين، مثل «فوكس نيوز» والسيناتور جون ماكين وبابا الفاتيكان. وفي كل مرة كان يهاجم أياً من هؤلاء، يتم الإعلان عن إصابة حملته «في مقتل»، إلى أن تأتي استطلاعات الرأي التالية التي تُظهر عدم تأثّر قوة ترامب.
والحقيقة أن جاذبية ترامب لا تكمن في التزامه بالتعصب، أو اتساقه، أو وضوحه، إنما بأدائه وتمثيله الفجّ. ذلك أن مشاهدة ترامب في أحد السباقات «الضخمة» أو متابعته في إحدى المناظرات، تبدو مثل مشاهدة «مواجهة ساخنة في مباراة مصارعة حرة».
يذكرني ذلك بالعبارة التي استهلت بها مجلة «فوربس» العام 2014 مقالة عن فينس ماكموهان، الملياردير، وحامل لقب بطولة المصارعة العالمية:
«ليس للدقة مكان في عالم مصارعة المحترفين، فهذه الدقة للخاسرين. إما أن تلعب بقوة لجذب انتباه أصغر مشجّع في آخر صف من الساحة، والملايين الذين يتابعون عبر التلفزيون كل أسبوع، أو أن تذهب إلى منزلك».
وهذا العرض مُصطَنع، حيث يكون الأشخاص «السيئون» ممثلين كـ «الجيدين»، وتكون الضربات التي يسدّدونها زائفة. لكنّ الجماهير تحبّها، ويرتفع صراخهم وصياحهم بينما تستمرّ الدراما الشنيعة.
ومثل ماكموهان، يعرف ترامب أيضاً كيف يجذب الحشود، ويعرف ما تريد، ويقدّمه لها بطريقة استعراضية. وفي مقالة «فوربس»، يصف ماكموهان طريقته لجمهوره بالقول: «إنني أنظر إلى الأمر كما لو أنه وحش لطيف. عندما تسمّنه، يكون سعيداً!». لكن المشكلة في ذلك هي أن الوحش ينمو، وطالما أن الطعام يُقدّم له، تظل الأمور جيدة. لكن حين يتوقف ذلك، تبدأ الأمور السيئة بالحدوث.
وحال ماكموهان يعطي وصفاً دقيقاً لعلاقة مؤسسة الحزب «الجمهوري» بجموع «حزب الشاي». فهم أوجدوا الوحش، وغذّوه وسمّنوه، لكن في نهاية المطاف عجزوا عن ترويضه.
ولفترة ما عجزت «المؤسسة» الحزبية عن السيطرة على ذلك «الوحش»، وإعادة توجيهه، على سبيل المثال، لتأييد المرشح «الجمهوري» ميت رومني في انتخابات العام 2012. لكن بحلول 2016، لم تعد القيادة ذاتها راضية عن نهم وحشها. وعندما توقف الوحش عن قبول ما تقدّمه «المؤسسة»، انقلب عليها، وبدأ البحث عن غيرها لإرضاء شغبه!
المصدر: السفير

