Menu

في ذكرى رحيله الأولى رشاد أبو شاور لم يسكت عن الخطأ.. وانتقد كل المشاريع المشبوهة

أمينة عباس

نشر في مجلة الهدف العدد (75) (1549)

رحل رشاد أبو شاور الأديب والمقاتل والكاتب والسياسي والمثقف الثوري في مثل هذه الأيام - 28 أيلول- وظل القلم يلازمه حتى رحيله يكتب عن فقده ل فلسطين تاركاً وراءه سجلاً إبداعياً من المواقف والنضال والقصص والمقالات والمسرحيات والروايات التي نهلت من محور المقاومة والهموم الفلسطينية منذ النكبة عام 1948 التي وإن أجبرته على الابتعاد عن فلسطين إلا أنها بقيت في روحه، يستعين بالكتابة عنها ليعود إليها مسطراً ما حدث من اغتصاب لوطنه وتشريد لأهله واحتلال لأرضه، مستعيداً في روايته الأخيرة "وداعاً يا زكرين" التي أصدرتها وزارة الثقافة السورية العام الماضي حكاية قريته زكرين التي أُجبر على تركها تحت تهديد العصابات الصهيونية وارتكابها مجزرة فيها أدت إلى استشهاد نحو 13 من أفرادها بعد معركة ضارية مع العدو الصهيوني.. يقول الروائي د. حسن حميد: "كان رشاد أبو شاور في هذه الرواية لسان حال أهالي قرية زكرين وصوتهم مثلما هو صوت الفلسطينيين عامة.. صوَّر أفعال الصهاينة وكان الراوي لتاريخ الفلسطينيين البطولي والجغرافي الذي يعرف حدود القرية وأسيجتها، والسوسيولوجي الذي يتحدث عن ثقافة الناس وروزنامة الحياة الزراعية التي يعملون وفق تواريخها، فهو الطفل الذي عاش سنواته الست الأولى فيها، فحفظ الأمكنة والدروب والحقول والينابيع والأشجار".

رواية واحدة طويلة

أصدر رشاد أبو شاور قبل روايته الأخيرة "وداعاً زكرين" عدة روايات : "أيام بين الحب والموت-البكاء على صدر الحبيب-العشّاق-الربّ لم يسترح في اليوم السابع-ترويض النسر" وكانت رواياته الأربع الأولى حسب النقاد "رواية واحدة طويلة، تحكي رحلة النضال والتغريب الفلسطيني، فقد تناول في رواية "العشاق" الإرهاصات الأولى للمقاومة مذ كانت عملاً عفوياً إلى أن أصبحت عملاً منظماً، وأكملت الدرب رواية "البكاء على صدر الحبيب" التي صوَّرت حالة الاغتراب التي عاناها المقاتلون بعد طردهم من الأردن عام 1970 في حين رافقت رواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع" رحلة النفي الثالثة للمقاومين في خروجهم من بيروت إلى تونس عام 1982 وأرَّخت "شبابيك زينب" لانتفاضة الحجارة التي انطلقت في 8 كانون أوّل 1987 في حين سلّط الكاتب الضوء عام 1987 من خلال "ترويض النسر" على قضايا وهموم اجتماعية في دول العالم الثالث والوطن العربي وينحاز رشاد أبو شاور إلى روايته "العشاق" التي تم اختيارها كواحدة من ضمن أفضل مئة رواية عربية وقد قدم فيها صورة التشرد الفلسطيني منذ العام 1948 حتى مطلع السبعينيات، مبيناً فيها ما حلَّ بفلسطينيي المخيمات من مصائب وكوارث دون أن ينسى في صفحات كثيرة التأكيد على التاريخ العريق والقديم للفلسطينيين في أرض آبائهم وأجدادهم.

المرأة المقاتلة

يجمع النقاد على أن أكثر ما يـميّز أعمال أبو شاور الروائية إلى جانب كشفه عن معاناة المقاتلين وإحباطاتهم بعد الهزائم المتكررة "إبرازه لدور المرأة المقاتلة وغربتها في مجتمع ذكوري، وتركيزه على عروبة الثورة الفلسطينية، ففي كل مراحل النضال وعند كل مفاصل الخيبات كان هناك دائماً لبنانيون وسوريون وأردنيون وعراقيون ومصريون ويمنيون وغيرهم يشاركون ويدعمون ويؤازرون، كما ظلّت روايته حتى في أحلك الظروف متمسكة بأمل التحرير والعودة".

ذكرى الأيام الماضية

من خلال مجلة "الآداب" اللبنانية حضر أبو شاور في القصة الفلسطينية، فعلى صفحاتها نشر قصصه التي كان العمل الفدائي الموضوع الأساس فيها، وفي العام 1970 صدرت مجموعته القصصية الأولى "ذكرى الأيام الماضية" في بيروت وضمّت قصصاً كان قد نُشر أغلبها على صفحات المجلة.. يقول: "أطلقتني المجلة من خلال كتاباتي التي وُلدت مع بدايات زمن المقاومة، ومن معايشتي المباشرة بتحدّ للهزيمة والانكسار وبوعود الانتصار والتحرير، فعلى صفحاتها نشرتُ أولى قصصي واستمريت على فعل ذلك حتى رأت مجموعتي النور".. كما كتب أبو شاور جملة مقالات حول عملية الغزو الصهيوني لمدينة بيروت عام 1982 ضمّها في كتابه التوثيقي "آه يا بيروت" حيث وثّق فيه معارك الدفاع البطولي الذي خاضه المناضلون الفلسطينيون ومعهم القوى الوطنية اللبنانية عندما تعرضوا لتلك الحرب التي شنتها قوى التحالف اللبناني الرجعي مع جيش الاستيطان الصهيوني.

ملهمة الشعراء والأدباء

تنقّل رشاد أبو شاور بين أقطار عربية عديدة، ثم استقر في عمّان عام 1994 وكانت سورية إحدى المحطات الهامة في مسيرته.. يقول: "في العام 1957 كنت قد لحقتُ بوالدي الذي لجأ سياسياً إلى سورية بعدما غادر أريحا في فلسطين وأقمتُ معه في دمشق، وكنتُ في الخامسة عشرة، وقد أُتيح لي فيها أن أقرأ الكثير من الكتب وأتابع النشاطات الثقافية، ومنذ تلك الأيام تحددت وجهة حياتي حيث أصبحت الكتابة خياري، وحين غادرتُها لم تنقطع زياراتي لسورية، وأنا مؤمن أنها في مقدمة من يدافع عن العرب وحقوقهم في كل المجالات، لذلك تدفع الثمن غالياً، وهي رمز للعروبة والمقاومة والنضال، الأمر الذي عرَّضها للكثير من الاستهدافات من أصحاب الأطماع والأهداف الرامية إلى طمس الهوية العربية وتهشيم شخصيتها، وهي أيضاً بلد الأدب والثقافة بمختلف أجناسها وأشكالها الأدبية التي تميزت أغلبها بالنضال والمقاومة، وهي ملهمة الشعراء والأدباء، فكما أنا كاتب فلسطيني يكتب للأمة العربية يوجد كتّاب في سورية يكتبون في ذات الاتجاه، ونحن نسعى من خلال كتاباتنا وسلوكنا إلى المساهمة في نهوض هذه الأمة لتكون قادرة على المواجهة وإثبات الذات".. ويذكر من كان بقربه قبل رحيله أنه كان يقول وهو على فراش المرض: "سأنتصر على المرض وسآتي إلى دمشق لأوسع رئتي برائحة ياسمينها وأتسكع في الأحياء القديمة."

جيل الكبار

يقول الكاتب والناقد د. يوسف حطيني عن رشاد أبو شاور: عاش أيام الحب والموت، مغمضاً عينيه مثل كل العشاق وهو يحلم بأرض العسل، بينما راحت قريته زكرين تردد: وداعاً يا رشاد، وينتمي أبو شاور إلى جيل الكبار الذين عاصروا انتصارات الإنسان العربي وانكساراته، وهو واحد من الأدباء المحاربين الذين أقاموا علاقة وثيقة بين الكلمة والبندقية، إذ اختار طريق الكفاح المعمّد بالخطر على طريق عبد الرحيم محمود و غسان كنفاني وناجي العلي وخالد أبو خالد، فسار على النهج ليكون نهجاً لمن بعده من خلال التزامه الوطني والقومي والإنساني الذي لا يخفى على أحد من قرّائه، وكان أبو شاور روائياً وقاصاً وصحفياً جرّب النزوح والنفي والقهر، لكنه لم يحنِ هامته ولم يسكت عن الخطأ، حيث انتقد كل المشاريع المشبوهة صحفياً وإبداعياً، ولم ينجُ من قلمه الجريء حتى الذين عمل معهم في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ويستطيع كل قارئ لكتاباته أن يلمس ميله للبسطاء والمهمّشين والتزامه بقضاياهم، كما يستطيع أن يلتقط مشروعاً إبداعياً وتسجيلياً يغطّي تاريخ النضال الوطني الفلسطيني منذ وعد بلفور، مروراً بكل المراحل التي مرّ بها هذا النضال.. لقد قدم أديبنا الكبير لغة تنتمي إلى الكفاح وتدعو إلى الثورة وتحيي الأمل في النفوس من خلال إصراره في سردياته المختلفة على إعادة إحياء التراث الشعبي في الذاكرة لأنه كان واعياً ومدركاً أن الغاصب المحتلّ يخاف من الذاكرة أكثر مما يخاف من الجنود".

يُذكر أن رشاد أبو شاور من مواليد العام 1942 في قرية زكرين التابعة لمحافظة الخليل، وانتقل مع أسرته بعد نكبة الفلسطينيين في العام 1948 إلى مخيمات الشتات، وانخرط في صفوف المقاومة الفلسطينيّة، وتسلم عدّة مناصب في مؤسّسات منظّمة التحرير الفلسطينيّة أبرزها رئاسة اتّحاد الكتّاب والصحفيّين الفلسطينيين، وعمل نائباً لرئيس تحرير مجلّة "الكاتب الفلسطينيّ" الصادرة عن الاتّحاد، وارتحل إلى عواصم عربية عديدة، فعاش فترة في بغداد وبيروت ودمشق ليستقر بعدها في عمّان، وكتب للكبار والصغار، وفي رصيده عدة مجموعات قصصية وأعمال روائية ومسرحية ونقدية.