يعكس مصطلح العِرقبادة الجرائم الكارثية في قطاع غزة ولذلك فهو للاستعمال العام كرأس حربة يجب أن يُعادل ويتفوق على مصطلحات أخرى استعملها الصهاينة للدفاع عن وضعهم في الحرب العالمية الثانية.
لن تكون الأيديولوجيا واضحة إلا بوضوح المصطلحات. فالمصطلحات والأيديولوجيا مفهومان مترابطان يظهران بشكل كبير في الفكر السياسي والاجتماعي-الاقتصادي. ولأن الأيديولوجيا هي مجموعة من الأفكار والقيم و\أو المعتقدات التي تشكل وتعبر عن رؤية فرد أو جماعة للعالم وتوجه سلوكهم أو قراراتهم فيجب توظيف المفردات الدقيقة للتعبير عن هذه الأيديولوجيا. أحياناً تكون المصطلحات واضحة بشكل يدل على هوية الأيديولوجيا دون الولوج بالتفاصيل. الا ان استعمال مصطلحات عشوائية غير دقيقة قد تُضعف من الأيديولوجيا والموقف السياسي لأصحابه، رغم أنه من الممكن أن نفهم ما بين السطور ما يقصده الكاتب. إلا أن الصراعات الإعلامية لا تتحمل الخطأ كما أن كتابة التاريخ لا ترحم ولا تتسامح مع المصطلحات المغلوطة في الصراعات المصيرية كقضية فلسطين.
حتّم علينا واجبنا الفكري-المهني والأخلاقي القومي القيام بنحت مُصطلح (العِرقبادة (أو "الـ CleansOcide وهو مزيج لمصطلحي/جريمتي "التطهير العرقي" Ethnic Cleansing و"الإبادة الجماعية"Genocide) عن الجرائم المُقترفة في غزة-قطاع_غزة ليس لاستعمالنا الشخصي فحسب وإنما مساهمة منّا للاستعمال العام.
فمثلما روج الصهاينة للهولوكوست (اليوناني الأصل: المحرقة) واخترع الأكاديمي اليهودي الصهيوني رفائيل لمكين الإبادة الجماعية / جينوسايد وروّج له لنحو عقدين من الزمان حتى تمت مأسسته، هكذا نطمح أن يكون الحال بالنسبة لمصطلح العِرقبادة في إطار جرائم قطاع غزة الفلسطيني!
فالمصطلح اللغوي هو مساهمة الأكاديمي المهتم حقاً والمشتبك وليس سلعة بالمعنى التقليدي، لأنه ليس منتجًا ماديًا يُباع أو يُشترى في السوق. ومع ذلك، يمكن اعتباره "سلعة" بشكل مجازي في سياقات مثل الصراعات اليومية ومُعترك نيل الحقوق القومية.
وبما أن سياقنا هو سياق واسع يشمل صراعاً في حقول السياسة والاقتصاد والعسكرة والثقافة (أكاديمياً وثقافة تشمل الإعلام) فإنه أيضاً وبالأساس يشمل حقل الصراع الثقافي والتعليمي.
فالمصطلحات اللغوية (مثل المفردات المتخصصة أو المصطلحات الفنية أو السياسية) تكون ذات قيمة في مجالات مثل التعليم، الترجمة، أو التخصصات الأكاديمية، حيث يتم "تداولها" كجزء من المعرفة.
وما يساهم بالمعرفة هي تلك المصطلحات الفارقة التي تساهم في فهم التاريخ وصراعاته المصيرية على وجه التحديد، كهذا الذي نشهده في فلسطين عموماً. وقطاع غزة على وجه التحديد.
وقد ارتكزت الحركة الصهيونية على أسلوب صقل السردية للاستعمال الذاتي والاستحواذ على العقول والسيطرة على الرأي العام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية فقد قرروا:
١. إحياء ذكرى الكارثة
٢. الاحتفال بالبطولة في نَفَسٍ واحد ودقيقة واحدة.
الأولى لنيل عطف الرأي العام العالمي والثانية للنهوض بمجتمعهم/شعبهم بخطوة استعراضية تُبرز للعالم قدرتهم على النهوض والتقدم رغم المُعاناة.
وهكذا وفي محاولة مدروسة من الحركة الصهيونية ومنذ 1948 وما قبل تم اختيار وتسمية محرقة أوروبا المُقترفة من جهات أوروبية متعددة وبالأساس ألمانيا بقيادة هتلر بالهولوكوست وهي كلمة يونانية Holokauston وتعني حرق الأضاحي وتقديمها للآلهة) وقيام أكاديمي يهودي آخر وذلك بعد أن درس قضية إبادة الأرمن من قبل العثمانيين حيث تمت إبادة نحو ربع مليون أرمني، وهو الأكاديمي والمحامي اليهودي البولندي رفائيل ليمكين (1900-1959) بنحت مصطلح الجينوسايد (الإبادة).
ففي صناعات ما يسمى بـ Creative Industries
الصناعات الإبداعية مثل نحت المصطلحات لتوضيح الأفكار والمفاهيم وكتابة المحتوى لشرح مفهوم صراع القوة، يمكن أن تُعتبر المصطلحات اللغوية جزءًا من رأس المال الفكري الذي يُستخدم لتوليد القيمة السياسية في مُعترك التاريخ وجزءاً من صناعة وكتابة التاريخ التي هي ليست أمراً يتعلق بالماضي وإنما بصراع مستمر تارة وبنحت الحق لتعرفه الأجيال القادمة على مدار العصور.
وهنا نرى من واجبنا التذكير بجملة كارل ماركس: "إن الرجال يصنعون تاريخهم بأنفسهم…" وجزء من هذه الصناعة هي صناعة المصطلحات. لأن المصطلح اللغوي في حد ذاته هو أداة تواصل ذهنية ملموسة عند استعمالها وتكرارها والتركيز عليها.
فإن التداول بالمصطلحات واختيارها ليس ترفاً أو هواية. إنها جزء من فرض المفاهيم من وجهة نظرنا عن مصير الشعب الفلسطيني وحياته ومستقبله. المصطلحات غالبًا تعكس المفاهيم، لأنها تُستخدم كأدوات لغوية للتعبير عن الأفكار والمعاني المرتبطة بهذه المفاهيم. ولذلك فإننا عندما نقترح التوقف عن تسمية الإجرام في قطاع غزة بالحرب إنما نعتمد على أيديولوجيتنا التي ترفض الاستعلاء الاستشراقي الصهيوني الإبادي وبالتالي تبني مصطلحاته.
في محاولة بائسة ولكن عنيدة و "واقعية" يحاول الاحتلال الإسرائيلي خطف السردية عبر التحول من كون الحركة الصهيونية هي المجرم الُمبيد للشعب الفلسطيني(والجوار) - إلى المُباد من قِبل العرب والمسلمين ولذلك تبرر عدوانها على العالم العربي المقاوم والعِرقبادة في فلسطين .
نكرر أنه وللتخلص من مأزقها القانوني المتنامي عالمياً والإعلامي الكارثي، تسعى الحركة الصهيونية العالمية (كما نتنياهو بشكل خاص والذي يسعى جاهداً) لتعريف ما يقترفه هو وعصابات الاحتلال في قطاع غزة بالـ "حرب” وهذا ما نرفضه!
فالمعركة العسكرية بين المقاومة (في #فلسطين على وجه التحديد) والاحتلال الصهيوني هي معركة غير متكافئة. أما على الصعيد الإعلامي (سوشيال ميديا وإلخ) فقد حقق الفلسطيني وأنصاره إنجازات كبيرة يجب أن تُشكل مدماكاً لفرض السردية وكتابة التاريخ.
إنها مسؤولية أخلاقية ومهنية يجب أن نعي أهميتها ونصر على المواظبة على الاهتمام بها. فها نحن ما زلنا نصارع حتى بعد مرور 8 عقود على الكارثة الفلسطينية لنعرّفها بـ "النكبة".

