كيف لنا أن نلتقط ذاكرة ذلك المتعدد، صاحب الرحلة والحكايات الملونة، أن نقف في دروبها الشاقة وأن نحتفظ ولوقت بعيد بما قاله فدائي الثقافة، ولعل هذا التركيب ما ينفك على أن يكون تورية دالة على الروائي والمناضل والشهيد نضال عبد العال، باستحقاق كل الأسماء المثقف المشتبك جسداً ووعياً وكلمة، وهو من أدرك أن الكلمة هي مكون في بنيان معماري عماده الوعي أولاً، ولتتدفق السرديات مجدولة الحكايات، وليصب مجراها في أذن التاريخ، إذن ثمة علاقة جدلية بين الفدائي والكلمة، ذلك إرث مديد تلقفناه في رصدنا لسيرورة التاريخ الفلسطيني، وتعبيرات الهوية الفلسطينية، لكن نضالاً بجدارة الأسماء والأفعال، جهر بسردياته الأربع منذ (ازدحام، مسلة آدم المفقودة، سرد آخر، والسلك النحاسي)، ليضعنا أمام مدونة جمع أجزاءها بصبر وأناة، مدونة ترسم ظلال التراجيديا الفلسطينية، بل الملحمة الفلسطينية الكبرى، بحيوات شخوص من لحم ودم ومدن ومخيمات ومحكيات عن الإنسان وجدلية علاقته بالوطن، وكيف يصبح الإنسان ذاته هو الوطن، سنجد معادلاً لذلك -على الأقل- في روايته (السلك النحاسي)، ببحثه الدؤوب عن ما يتصادى في كينونة المرأة نظير الوطن، ورؤية في الحوامل الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني، ناسه وحكاياته الآسرة وذاكرته الممتدة أقصى اللغة وبوح المتاح منها، ذلك أن دلالة السلك النحاسي سنجدها في تعبير الروائي (بوصفه الأضعف والأرفع في الدارة الكهربائية والذي سيتلقى الصعقة فينقطع، لتنفصل الدارة ولا تؤدي إلى احتراق الشبكة كلها)، ولعله يضيف سؤالاً شاقاً في سياق روايته عن إحدى بطلاته (نادرة): (لماذا ترضى أن تكون في هذه الوضعية إنها دائماً بانتظار صعقة كي تحترق وتتفحم... هل هو دور بطولة، تحترقين لكي تمنعي انفجاراً).
ولعل الروائي هنا في توريته الذكية يشي بمحمولات فكره، عن الحرية والتعدد ونجاة الأوطان، وعن البطولة في الأزمنة الرجيمة، ذلك المشغول بقضيته حدَّ التماهي، ليذهب في إثر تدوينها على النحو الذي يجهر فيه في غير رواية، عن التنقيب في ذاكرة الأجداد، (في طين أرضنا) بحثاً عن مسلة كنعانية مفقودة، وذلك ما يتصل بنزوعه الطليق لأن يكثف سرده أكثر، وليذهب في إثر الأساطير والمرويات والحكايات الشعبية، راوياً طليقاً عما يشكل الهوية ومم تتكون هذه الهوية التي تضارع الغزاة لتنجو كما ينجو متخيل نضال عبد العال، المجازي/ الواقعي، في سردياته المشتهاة ليعيد سردية القضية إلى أبجديتها الأولى، منذ التحم الفدائي بأرضه ومنذ أن التحم المثقف بحبره، وما بين مرايا الحبر/ الدم، يكتب نضال تلك الحكايات الشهية، واضعاً التاريخ والوعي بوصفهما مرايا لتأمل أبعاد تلك الرحلة السردية التي لونها بثراء المحكي الروائي وتعدد متونه، وليشعل أسئلة الما بعد في ذاكرة التلقي، حكايات مترعة بالدهشة والاكتشاف، وتعدد مرايا التأويل لذلك الزمن الفلسطيني، حينما يسرده الروائي بفطنة روحه سطراً كثيفاً ينضاف إلى السردية الفلسطينية الكبرى، التي تتعاضد فيها حقيقتان هما الوعي والاستشراف.
ذلك أن دالة هذه الحقائق التي يعيد الروائي بثها، هو وعي الروائي ذاته بالمصير وبالخلاص، وهذا ما يشكل معنى المعنى في روايات ليست عابرة، بل تتواتر ظلال دلالاتها في غير أزمنة من أجل أن يصبح التجاوز سمة تحيلنا إليها أكوانه الروائية، بكل ما انطوت عليه من فطنة الروائي الذي يولم للحكاية، لكنه يشتق منها ما يعني متلقيه بدءاً من عمارة الوجدان، وليس انتهاءً بالقدرة على تأسيس ما يتراكم من أفعال قادمة، إذن هي سردية مثقف يتخطى بوعي ناجز كل المتعاليات التي طاولت إنسانه وقضيته، وبهذا المعنى فإن ما يتبقى هو خطاب المعرفة المكينة، والذي يفتح في الآفاق متسعاً لحضورات كثيفة، للتاريخ الفلسطيني المعاصر وتأسيساً على ما سبقه من تواريخ مؤسسة، يصبح فيها الوطن أكثر من نشيد خلاص، ويصبح فيها للإنسان ذلك الدور الباعث على الأمل، ولعلنا في خريطة السردية الفلسطينية وبالمعنى التاريخي، سنتأمل ما أنجزه الروائي نضال عبد العال في تعضيده لتلك السياقات المتلاحمة في نسيج ثنائية الوطني/ الجمالي، إذ هما معاً من يتآزران في وحدة عضوية ليميزا صنيع الروائي الأقرب إلى مشروع تنكبه ومضى فيه ليرسم أفقاً مغايراً في الاستلهام والنزوع إلى مفهوم البطل، ليس المجرد وليس صاحب الفكرة الفلسفية، بقدر ما هو الضمير الجمعي لشعب مكافح محارب، وذلك لا يشكل ابتعاداً عما خطته السردية الفلسطينية الكبرى بل تأليفاً آخر لأجزاء مكوناتها البنيوية والتاريخية المشبعة بأسئلة الذات والوطن وجدلية العلاقة بينهما، وأكثر من ذلك لعلنا نعثر أيضاً في مضاء محكيه الروائي، على سؤال كينونة الروح الإنسانية، بل أسئلتها الخالدة المشبعة بزمنها الفلسطيني والعربي ما يحيلنا مجدداً إلى رؤية تراجيديا الصراع بمستوياته وطبقاته، إذ يقف نضال عبد العال روائياً على أرض المعرفة بوصفها (سيرورة لا بداية لها ولا نهاية)، تماماً كشأن روايته الأخيرة (السلك النحاسي)، التي شاء أن يؤولها قارئ افتراضي أو مثالي أو عام، وقوفاً على خصوصيتها وفرادتها الأسلوبية، وهذا ما يحيلنا أكثر إلى هويته الثقافية الواسعة المشتبكة مع التزامه الوطني، لينتج جسارة الكلمات ونبل المعنى، وليعيد تشكيل -هذا الوعي- تشكيلاً معرفياً حامله الرؤيا، كما جهر بها في روايته (مسلة آدم المفقودة)، في تجاوز صراع الهويات والصدام الذي يهشم ومعادله التمسك بالهوية الفلسطينية.
وما بين السؤال الوطني كما السؤال الجمالي، تتواتر محكيات رواياته لتشكل في منظور القراءة الفاحصة كوناً دلالياً، سيعني علاقة المثقف بمنتجه، وبمعنى آخر كيف تكون الكتابة شاهدة لشهيد محتمل، سيظل في ذاكرة الرواية الفلسطينية الراهنة، مشروعاً اكتمل بالشهادة، فهو الرواية السارد والمسرود عنه أبعد من متخيل وأقرب إلى حقيقة مكتفية في زمن استثنائي جدد مقولة المثقف المشتبك حدَّ التماهي، لتكتمل في أفق التاريخ صيرورة ناجزة لأولئك المثقفين المشتبكين المتوزعين على غير زمن مفتوح بالدلالة والإنجاز.

