Menu

لقاء مجلة الهدف الثقافي

محمد المواسي وموسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (75)(1549)

 

كاتب ومخرج سينمائي ومسرحي من مواليد البصرة 1940، هو خريج معهد الفنون الجميلة في بغداد قسم التمثيل والإخراج، يسجل في أرشيفه أكثر من 20 عملاً سينمائياً. كتب كثيراً من المسرحيات، وله كثير من الدراسات النقدية والنظرية في السينما والمسرح.

صعد المسرح في صباه واكتسب خبرة وشهرة كبيرتين، وأنشأ بعد إنهاء دراسته الأكاديمية فرقة (مسرح اليوم)، وأصدر مجلة (السينما اليوم).

أنتج أول وأهم فيلم عراقي في تاريخ السينما العراقية وهو فيلم الحارس وأخرج فيلماً عن الأهوار.

من أشهر أفلامه الروائية: بيوت في ذلك الزقاق – المغني – بغداد خارج بغداد – البحث عن ليلى العامرية – عائد إلى حيفا.

غادر العراق في بداية السبعينات واستقر في العاصمة اللبنانية، وأسس قسماً للسينما في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأخرج عدة أفلام من أولها (نهر البارد) ...واتبعها بالأفلام (لماذا نزرع الورد. لماذا نحمل السلاح) – ( غسان كنفاني .. الكلمة والبندقية) – (بيوتنا الصغيرة) – (لن تسكت البنادق) – (لبنان تل الزعتر) - (الهوية الثقافية).

بعد عام 1982 غادر بيروت وجال في عدد من الدول الأوروبية، ويستقر الآن في هولندا حيث يعكف على تسجيل تجربته الفنية في مجال السينما والمسرح، إضافة لانشغاله بالتأليف النظري والدراسات والنقد في مجالات الفنون بشكل عام.

وللمخرج والكاتب قاسم حول عدة إصدارات منها (عودة السنونو، الكراج الخامس). مسرحيتان (زائرو الليلة الأخيرة). قصص، (3 أفلام عن القضية الفلسطينية) و (السينما الفلسطينية) دراسات وبحوث نظرية.

يكتب للعديد من المواقع والمراكز الإعلامية، ويشرف على الكثير من المواقع الإلكترونية المهتمة بأمور المسرح والسينما.

  • يوما مع آخر تأكد لي أن الشعب الفلسطيني أعظم شعوب الأرض
  • من لا يعشق غسان كنفاني لا يعشق الحياة.. من لا يعشق فلسطين.. لا يعشق الحياة
  • مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة وهو يلقي كلمته خصني بالاسم في كلمته واعتبر مقالاتي ومجلة الهدف تهديداً لأمن إسرائيل
  • ومنذ العام 1982 وحتى الآن يعرض فيلم "عائد الى حيفا" في مناسبات كثيرة وقد عرض في فرنسا ووقف الجمهور يصفق لعشر دقائق
  • المشاهد لأفلامي ينظر إلى شخوص الفيلم كشخوص حقيقية وليس كنجوم على شاشات عربية بائسة
  • قبل دراستك الأكاديمية كانت لك تجارب فنية مختلفة.. حدثنا عن بداياتك الفنية بالعراق؟

صعدت المسرح في صباي وكسبت خبرة وشهرة كبيرتين قبل الدراسة الأكاديمية في معهد الفنون الجميلة وحين تخرجت من المعهد بعد خمس سنوات من الدراسة الأكاديمية أنشأت فرقة مسرح اليوم وأصدرت مجلة السينما اليوم وأنشأت مؤسسة سينمائية هي مؤسسة السينما اليوم. أنتجت أول وأهم فيلم عراقي في تاريخ السينما العراقية هو فيلم "الحارس" وحاز على الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج عام 1968.. كتبت قصة الفيلم وساهمت في إنتاجه ومثلت أحد أدواره الرئيسية. كما أخرجت فيلم "الأهوار" الذي أحرقته السلطة الدكتاتورية في العراق ولكني حصلت على نسخة تالفة بطريق الصدفة كان قد أخفاها أحد المواطنين وكانت مرمية في أحد أروقة دائرة السينما فاشتريتها منه بعد سقوط النظام الدكتاتوري.

 

  • ما هي الظروف التي دعتك لمغادرة العراق؟ وأين كانت وجهتك؟

كانت بيروت هي الوجهة.. وصلتها متعباً، لم أكن قد غادرت العراق، لكنني غادرت أحد بيوت الأشباح التي كانت الدكتاتورية تقيم فيها حفلات الموت.. كان أستاذي الذي درسني المحاسبة والتجارة هو فلسطيني واسمه "إبراهيم أبو الندى" وهو شخصية اقتصادية مرموقة. حين شاهدني آخر مرة وفي حالة متعبة بعد أن غادرت أحد بيوت الأشباح، قال لي: غادر العراق ولكنك بحاجة إلى تأشيرة سفر وأنا سوف أتحدث مع أبو ظبي حيث أنا أدقق ميزانياتهم وحساباتهم ولي عندهم مكانة ولا يردون لي طلباً، لكن تأشيرة الدخول تؤخذ من السفارة البريطانية في بغداد، فأقترح عليك السفر إلى بيروت ومن هناك نرسل لك تأشيرة السفر وسوف أعطيهم عنوانك حيث تقيم.. لم يكن معي مبلغ من المال يكفي للإقامة حتى أسبوعاً واحداً.. وصرت أنام على ساحل البحر وفي الصباح أذهب إلى أصدقاء عراقيين يقيمون في منزل واحد وكانوا يعملون في مجلة (إلى الأمام) التي تصدرها الجبهة الشعبية القيادة العامة، فأتسلم منهم المفتاح قبل أن يذهبوا للعمل في المجلة وآخذ استراحة نوم.. بقيت هكذا لمدة شهر تقريباً.

 

  • حدثنا عن ظروف اللقاء الأول مع الشهيد غسان كنفاني؟

يوماً أحد الأصدقاء قال لي لنذهب لتناول الطعام الشهي في مطعم صغير تابع لمجلة الهدف التي يرأس تحريرها غسان كنفاني وهي المجلة الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

كانت حالتي الصحية ليست على ما يرام وكان وجهي وجهين من قسوة النظام.. وصلنا المطعم الصغير تحت بناية مجلة الهدف وجاء غسان كنفاني لتناول الغذاء والتقينا عند طاولة واحدة.. أحس من خلال الحديث حول الثقافة بأهمية ما أتمتع به، فطلب مني أن أذهب لمشاهدة مسرحية "أوكازيون" التي كتبها عصام محفوظ وأعطاني بطاقة الدعوة لحضور المسرحية وطلب مني الكتابة عن المسرحية لمجلة الهدف نصاً وأداء.. قرأت المسرحية ثم ذهبت لمشاهدتها وكتبت دراسة نقدية تقييمية عنها، فذهل من طبيعة النقد وسألني عن وجهتي القادمة قلت له: أنتظر تأشيرة سفر لمحاولة العمل في أبو ظبي قال لي: "اسمع قاسم نحن بحاجة إليك.. لا تذهب.. ابقَ في بيروت أشبع معنا وجُع معنا.. نحن بحاجة إلى طاقات عربية مثل طاقتك". وخبرته عن أحلامي السينمائية والمسرحية.. ولكني أرى كدمات موجعة في وجهك.. قلت له: ".. وأيضاً أطفؤوا سكائرهم في أذني اليسرى وأعاني من آلام. أخذني إلى جورج حبش وكان اول لقاء مع الشخصية الوطنية الأنيقة حقاً. وأرسلني إلى صديقه الدكتور شهاب أحمد لكي يجد لي علاجاً في مستشفى الجامعة الأمريكية.. وتمت معالجتي مما لحق بي من الأذى.

 

  • كيف تطورت العلاقة مع غسان كنفاني؟ وما هي المهام التي أوكلها إليك؟

تسلمت مسؤولية رئاسة تحرير الصفحة الثقافية لمجلة الهدف، وتوطدت علاقتي مع غسان كنفاني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقد أخرجت مسرحية في مخيم "نهر البارد" عنوانها "طفل بلا عنوان" وكان للمسرحية صدى ممتاز وكتب عنها الكثير وعرضت في أكثر من مخيم. وفي مخيم النهر البارد شاهدت قناة مائية أشبه بنهر تمر المياه بين صخوره وشاهدت نساء المخيم يأتين كل يوم لغسل الصحون والشراشف والملابس.. كنت أعيش في المخيم وشعرت بأن الشعب الفلسطيني شعب نظيف في وجدانهم وفي حياتهم مع حالة التشرد.. يوماً مع آخر تأكد لي أن الشعب الفلسطيني أعظم شعوب الأرض.. وقررت أن أعمل فيلماً وثائقياً قصيراً، عنوانه "نهر البارد" وخلال عملي في دراسة موقع التصوير كنت أنام على البحر في مقر الجبهة الشعبية.. ويوما داهمتنا زوارق حربية إسرائيلية.. وهذه أول مواجهة لي مع الكيان المدجج بالسلاح وجهاً لوجه.. نهضنا من النوم وأعطوني رشاش كلاشنكوف. وسألني هشام.. وكان شبلاً في المقاومة: "تعرف تطخ".. أحرجت.. وقال لي: وجه بندقيتك نحو الزوارق ونحن سوف نمطرهم بالرصاص.. ونجحوا في هزيمة الزوارق.. كانت هذه أول تجربة مسلحة لي، ولكن لم أطلق ولا طلقة واحدة. عندما قررت تصوير الفيلم عدت إلى بيروت وطلبت ميزانية من غسان كنفاني، قلت له أريد أن أعمل فيلماً وثائقياً بسيطاً. سألني كم يكلف تصوير ومونتاج الفيلم؟ قلت له: بحدود أربعة آلاف ليرة لبنانية إذ نحن بحاجة تأجير كاميرا مع المصور من ستوديو بعلبك. تمت الموافقة على صرف المبلغ وعدت إلى نهر البارد وصورت الفيلم وأخذته للمشاركة في مهرجان لايبزغ في ألمانيا الديمقراطية وهو أهم مهرجان للسينما الوثائقية.. بالصدفة تأخر صرف رواتب أبناء المخيم من عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بسبب أزمة مالية مؤقتة عاشتها الجبهة.. فسرت إشاعة أن مخرجا سينمائيا جاء من العراق واستعمل ميزانية الجبهة للسينما.. نحن بحاجة إلى الخبز وليس إلى أفلام ... وصرت محرجاً بالذهاب إلى المخيمات.. حلت الأزمة المالية بطريقة أو بأخرى وجلبت الجبهة أموالاً لتغطية نفقات النضال العسكري، السياسي، الاقتصادي، الثقافي، والاجتماعي.

 

  • حدثنا عن أصداء مشاركتك في مهرجان لايبزغ السينمائي في ألمانيا؟

كانت مشاركتي في المهرجان السينمائي في ألمانيا، وإصراري على رفع العلم الفلسطيني مع أعلام الدول المشاركة نصراً كبيراً للجبهة الشعبية ولفلسطين. وقد عقدت علاقة مع الوفد الفيتنامي والوفد الكوبي وحصلت منهم على هدايا من مراحل النضال ضد الإمبريالية وضد الاستعمار الأمريكي، ومن الهدايا التي حصلت عليها مزهرية بارتفاع أكثر من نصف متر مصنوعة من حطام طائرة أمريكية أسقطوها، مدون عليها بالحروف الفيتنامية تاريخ النضال الفيتنامي والمعارك التي خاضوها ضد القوات الأمريكية. أهديت المزهرية إلى جورج حبش واستحوذ عليها "عشقاً" غسان كنفاني. أما الأفلام النضالية التي أهديت لنا فلقد أقمت أمسية سينمائية عرضت فيها فيلم النهر البارد وأفلام فيتنامية وكوبية وصار التصفيق عالياً مع مشاهد صورتها عن مقاتلين فلسطينيين، وكلما ظهر مقاتل فلسطيني أو فيتنامي أو كوبي ترتفع الهتافات مع التصفيق.. وكانت تلك الليلة هي ليلة الصلح مع المخيمات وزال من أذهانهم أنني استحوذت على ميزانية الجبهة وفهموا قصة السينما وصارت بيني وبين أبناء المخيمات ومقاتلي الثورة علاقة حب حميمة لدرجة أنني إذا لم أزرهم في فترات متقاربة وأصور حياتهم يوجهون رسائل نقد للجبهة الشعبية.. شعب لا يملك الإنسان سوى أن يصلي من أجله ويدعو السماء أن تمطر عليهم حناناً مع رذاذ المطر.

 

 

  • أصبحت مصدر ثقة عند غسان كنفاني، أين انعكست هذه الثقة؟

صار غسان كنفاني يعتمد على قدراتي السينمائية والكتابية وليتأكد القارئ أن جورج حبش وكثير من عناصر الجبهة صاروا يقرؤون مجلة الهدف من الصفحات الأخيرة وهي الصفحات الثقافية قبل أن يقرؤوا افتتاحية الهدف لكثر ما كانت صفحات الثقافة مشوقة ومتنوعة! وكنت أمثل الجبهة الشعبية وغسان كنفاني في المؤتمرات ومنها مؤتمر اتحاد الصحفيين في اليمن الديمقراطية لانشغالاته السياسية وتوطدت علاقتي مع رئيس جمهورية اليمن "سالمين" ومع الأمين العام للحزب اليمني الحاكم "عبد الفتاح إسماعيل" ومع رئيس الوزراء "علي ناصر محمد" ومع وزير الدفاع وقمت بزيارات كثيرة كتبت لهم قوانين وزارة الثقافة وكتبت لهم خطة العمل، وانقذت أرشيفهم المصور الذي تركه البريطانيون وطبعاً ساهمت بشكل كامل الجبهة الشعبية في ترميم الأرشيف السينمائي في ستوديو بعلبك في لبنان، ونسخنا منه نسخاً سالبة "نيكتيف" وأعدناه إليهم، كما عملت دورات سينمائية للشباب اليمني، وساعدتهم في الحصول على بعثات من ألمانيا الديمقراطية.

 

  • كان حضور الشهيد غسان كنفاني صباحاً إلى مقر الهدف له طقوس معينة، حدثنا عنها؟

من لا يعشق غسان كنفاني لا يعشق الحياة.. من لا يعشق فلسطين.. لا يعشق الحياة.. من لا يعشق الشعب الفلسطيني لا يعشق الحياة.. كان غسان كنفاني يأتي للعمل في الجريدة كل يوم في تمام الساعة التاسعة صباحاً.. يجدنا نحن المحررين عند طاولتنا نتناول فطور الصباح.. الزيت والزعتر والنعنع واللبنة والفول والزيتون.. يأتي غسان وكان تناول فطوره في المنزل ولكنه يحب أن يأخذ من صحن هذا زيتونة خضراء يانعة ومن ذاك قطعة صغيرة من الخبز ويغمسها بصحن الفول وبضع وريقات من النعنع ويمتزج الحديث بضحكات تنعش القلب وفرح مستديم ويمزج الجد بتحليل جاد عما يجري في لبنان وفلسطين والعالم.. ونحن في حماية الله وبندقية الكلاشنكوف .

  • تم إنتاج فيلمي "السكين" و"المخدوعون" المأخوذين عن روايتين للشهيد غسان كنفاني، ما هي ظروف إنتاج الفيلمين، ورأي غسان كنفاني بهما؟ ورأيك شخصياً بالفيلمين؟

ذات يوم قررت مؤسسة السينما السورية إنتاج فيلم عن رواية (ما تبقى لكم) لغسان كنفاني وأسند إخراج الفيلم للمخرج السوري خالد حمادة.. انتهى تصوير وإخراج الفيلم وصار جاهزاً للعرض ولكن لم يتمكن غسان من مشاهدته حيث كانت ثمة مشكلة سياسية مع عموم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. كانت فترة جفاء مع النظام السوري، فكلفني غسان أن أذهب لمشاهدة الفيلم وإعطاء رأيي بالفيلم.. عدت وحدثته عن الفيلم وكتبت عنه في مجلة الهدف.. كان فيلماً متواضعا لا يرقى لمستوى الرواية.. بعد فترة اتخذت مؤسسة السينما السورية قرارا بإنتاج فيلم "المخدوعون" عن رواية رجال في الشمس.. انتهى الفيلم وعرض في دمشق، وكان غسان كنفاني يريد مشاهدة الفيلم سيما وأن اسم المخرج يثير الرغبة في المشاهدة بعد إخراجه لرواية نجيب محفوظ "درب المهابيل" وبعد فيلم "المتمردون"، والمخرج ينتمي للتيار المصري اليساري الراديكالي قبل أن يسقط في أحضان الدكتاتورية العراقية وإخراجه فيلم "الأيام الطويلة" عن حياة الدكتاتور العراقي.

سألني غسان كيف نشاهد الفيلم.. اتصلت بمدير مؤسسة السينما السورية عبد الحميد مرعي وأقنعته أن يرسل لنا فيلم "المخدوعون" مع المخرج توفيق صالح لمشاهدته.. وكان الفيلم قياس 35 ملمتر وبالأسود والأبيض وليس بالألوان. اتصلت أيضاً بإدارة ستوديو بعلبك دون إعطائهم أية تفاصيل من سيحضر لمشاهدة فيلم سينمائي وأننا اتفقنا أن يشاهد الفيلم جورج حبش وحددنا يوم الأحد عطلة الأستوديو لعرض الفيلم في صالة صغيرة تتسع لخمسين شخصاً داخل الأستوديو "ستوديو بعلبك يملكه مستثمرون فلسطينيون، وأغلب التقنيين هم من الشباب الفلسطيني" كانت تلك ضمانتنا الأمنية. عرضنا الفيلم أمام غسان كنفاني وجورج حبش وأنا مع المخرج توفيق صالح.. ودار بيننا حوار وملاحظات.. والفيلم أفضل بكثير من فيلم "السكين".. وكانت عندي ملاحظة أن المشاهد للسفر من البصرة إلى الكويت لم يتم التدريب جيداً على اللهجة العراقية حيث نسب المخرج كومبارس سوري وليس عراقياً ما أضعف القناعة بالشخصية الفلسطينية.. كان الفيلم مثار ارتياح كل من غسان كنفاني وجورج حبش.. ولكن دائماً تبقى الرواية أفضل من الفيلم. وهو مبدأ ثقافي حيث كل روايات العالم وحتى رواية "الزمن المفقود" للكاتب الفرنسي مارسيل بروست تبقى الروايات أعظم من الأفلام مهما بلغت عظمة ودقة إنتاج الأفلام المأخوذة من الروايات لكبار الكتاب ومنها "الشيخ والبحر" لهمنغواي وفيلم "خريف امرأة" عن رواية قصيرة للكاتب المسرحي تنسي وليامز وسواها من الروايات العالمية.. كان فيلم المخدوعون مقبولاً ومثار إعجاب بعض النقاد مع ملاحظاتي الشخصية التي حرصت ألَّا أدلي بها.

 

  • من خلال ملازمتك للشهيد غسان كنفاني، هل لاحظت أنه كان يستشعر استهدافه من قبل العدو؟ ماذا أسر لك حول هذا الموضوع؟

صرنا أصدقاء غسان كنفاني وأنا.. وغدوت صديق جورج حبش و أبو علي مصطفى . وصار جورج حبش يقرأ مجلة الهدف كل يوم سبت في شقتي ونناقش المجلة بحضور سكرتير التحرير هاني حبيب.. ومن لا يعشق غسان والجبهة وفلسطين.. كنا نتناول الغداء في المطعم الصغير تحت مجلة الهدف.. وذات يوم خطر في بال غسان كنفاني أن نذهب لتناول الغداء في مطعم فلسطيني بشارع ستراند في بيروت.. وذهبنا بسيارته المتواضعة.. كان شارد الذهن وحدثني أن نتغدى بوجبة فلسطينية "مسخن دجاج" قال لي يا قاسم.. أشعر بأنني مستهدف اغتيالاً.. قلت له: كيف عرفت ذلك؟ قال: بالأمس مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة وهو يلقي كلمته خصني بالاسم في كلمته واعتبر مقالاتي ومجلة الهدف تهديدا لأمن إسرائيل.. وهذه إشارة تمهيد لاغتيالي.. سألته لماذا لا تكلف الجبهة بحماية دائمة.. ضحك وقال كيف للمثقف المرهف أن يتحرك وهو يشعر بأن ثمة من يحميه.. ذلك يفقدني حريتي الشخصية !!

هنا لا بد أن أدون إن محاولة سبقت خطاب مندوب إسرائيل قبل اغتيال غسان كنفاني.. كان ثمة شاب عراقي مقيم في سويسرا ومقترن من امرأة كويتية أكبر منه سناً، وهي ثرية، تزوجته وانتقلا للإقامة في سويسرا.. وقد ارتبط الشاب ومن خلال زوجته الثرية بالموساد الإسرائيلي. وكان بين فترة وأخرى يزور بيروت ويقترب من المثقفين اللبنانيين وحاول إجراء مقابلة صحفية مع غسان كنفاني، وخلال أكثر من لقاء مع غسان شك غسان بأمره، وتم اعتقاله من قبل أمن الجبهة الشعبية وتمت محاكمته واعترف بكل مخططاته!!!

في الثامن من يوليو عام 1972، ونحن نعد المقالات صباحاً في مجلة الهدف منتظرين وصول غسان كنفاني في موعده المألوف عند الساعة التاسعة صباحاً، وإذا بالنبأ المفجع عن استشهاد غسان كنفاني وابنة أخته لميس في بيتهم الكائن في منطقة الحازمية حيث تم تفجير السيارة عن بعد وذلك بعد أن استقلها.

اهتزت بيروت بكل فصائلها ومؤسساتها الصحفية والسياسية والثقافية لذلك النبأ الفاجع وبدأنا لا نعرف كيف نكتب وماذا نكتب وإلى أين تسير الأمور. شاهدنا فقط الإعلامي والكاتب بسام أبو شريف يجلس في غرفة غسان كنفاني.

ما كان ينبغي صراحة أن يحدث ما حدث لو كانت الشؤون الأمنية تسير بدقة متناهية لتم اكتشاف اللغم الذي تمكنوا من وضعه تحت سيارته.. ولعاش غسان كنفاني فترة أطول ولأنجز الكثير ولكان قد صحح مسارات قد تسودها الأخطاء.. العظماء يعيشون مرة واحدة ويموتون أكثر من مرة.. أحياناً.

 

- ما هو موقف غسان كنفاني من السيناريوهات التي كتبت لأفلامه؟

- السيناريو ينقسم إلى قسمين.. السيناريو الأدبي والسيناريو الفني.. غسان كنفاني للمناسبة فإن أعماله الروائية تقترب كثيراً من السيناريوهات الأدبية، فهي تنتهج نهجا سينمائياً وبنفس الوقت روائياً من الناحية الأدبية. وهنا تكمن عبقرية غسان كنفاني.. فالذي يقرأ أعمال غسان الروائية والقصصية يشعر بمتعة الرواية والمشاهدة لأنها تفتح أفق المشاهدة السينمائية. أما السيناريو الفني فهو عمل يتعلق بحركة الكاميرا وأحجام اللقطات والإضاءة وسوى ذلك وهي ليست من مهام الكاتب الروائي.

 

  • كيف بدأت فكرة تأسيس قسم للسينما والمسرح في الجبهة الشعبية؟

بداية تسلمت رئاسة تحرير القسم الثقافي. وفي حوار بصدد تأسيس قسم للسينما والمسرح في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقف وقفة ثقافية عالية في إنشاء هذا القسم وتم تزويد القسم بالمعدات السينمائية وأنشأنا قسماً للتصوير الفوتوغرافي وفي داخل هذه المؤسسة العظيمة التي أنشأناها ساهمنا بأمور أمنية ذات بعد تقني من الصعب كشفها كاملة ولكنها كانت مهام عظيمة لا أحد سوانا يستطيع إنجازها. ولقد أقمنا دورات تدريبية لأبناء المخيمات وصرنا نحرص على أمن الجبهة الشعبية، كنا نمنع على سبيل المثال وكالات الأنباء استعمال الإنارة حين مقابلة الأمين العام للجبهة الشعبية جورج حبش، لخوفنا من استهدافه ضوئياً. وقد منعنا أي شاب من عناصر الجبهة بأن يلتقط صوراً عند المصورين، وكنا نحن نصور حتى صور هوياتهم.. ولقد ساهمنا في توثيق سينمائي لكل وثائق الجبهة الشعبية بالميكرو فيلم، فيما كانت الجبهة تستأجر البيوت وتملؤها بالوثائق السرية، فحولنا وثائق البيوت إلى حقيبة سمسونايت تحتوي على كل وثائق الجبهة الشعبية بحيث حين غادرت المقاومة الفلسطينية بيروت كانت الجبهة تحمل معها حقيبة سمسونايت لا يعرف أحد محتوياتها. وكانت تجربتنا هذه موضع اعتزاز قيادة الجبهة. أمور كثيرة قمنا بها وحتى مراسلات الجبهة مع الداخل الفلسطيني وجدنا طرائق لإنجازها يصعب على كل خبرات الجهات المعادية اكتشافها!! هذا إضافة إلى توثيق العمل النضالي سينمائياً.. على سبيل المثال كانت هناك كلية عسكرية تحت الأرض وهناك أنفاق بين المخيمات وكنا وثقناها.

 

 

يسجل لك تصديك لإخراج أول فيلم سينمائي فلسطيني (عائد إلى حيفا)، ما هي ظروف إنتاج ذلك الفلم؟

كانت تجربتنا في إنتاج فيلم "عائد إلى حيفا" وفاء لغسان كنفاني وإصراراً على قدرتنا في إنتاج الفيلم الروائي حتى في ظروف الحرب الأهلية اللبنانية وكانت تجربتنا مثار إعجاب العالم والفيلم أخذ مداه في القنوات التلفزيونية. تلفزيون دمشق والجزائر وتونس و ليبيا إضافة إلى مهرجانات سينمائية عربية وعالمية ومنذ العام 1982 وحتى الآن يعرض الفيلم في مناسبات كثيرة وقد عرض في فرنسا ووقف الجمهور يصفق لعشر دقائق.

وقد حفظت جامعة براون يونيفرستي الأمريكية فيلم "عائد إلى حيفا" في أرشيفها وأنها ستستعمله كدرس للطلبة حول الصراع العربي الإسرائيلي. فهو، أي الفيلم مع احتفاظه بالقيمة الفكرية والأدبية لرواية غسان كنفاني، فإنه وبميزانية تكاد لا تذكر حيث أنتج بميزانية 120 ألف دولار تتكون من عشرين ألف دولار من الجبهة الشعبية ومئة ألف دولار دعم من ليبيا. وكثيرون تبرعوا للفيلم بضمنهم أو في المقدمة منهم أنا طبعاً.. حيث أعيش براتب مقاتل لا أكثر وأرفض أجور الكتابة والإخراج وكذلك الممثلة الألمانية كرستينا شورن وأيضاً الحزب الشيوعي اللبناني ونقابة صيادي الأسماك والتبرع السوري بمنحنا التصوير بطائرة هليوكبتر وطبعاً إعارتنا ميناء طرابلس لتحويله لميناء حيفا وجماهير النهر البارد والبداوي الذين لعبوا شخصيات الكومبارس الذي جاوز عددهم الألف شخص. وطبعاً لن ننسى موقف الموسيقار الكبير زياد الرحباني الذي قدم الموسيقى هدية للفيلم تأليفاً وتنفيذاً.

 

  • قد يتبادر إلى الذهن السؤال الطبيعي هل كان عائد إلى حيفا من اختيارك؟ ألم تفكر في تحويل أعمال غسان كنفاني القصصية إلى أفلام قصيرة؟؟

كثير من مخرجي السينما العربية أنتجوا أفلاماً قصيرة عن قصصه القصيرة، لأن كثيراً من القصص تحفز على إنتاجها سينمائياً. وأنا بعد استشهاد غسان كنفاني، كنت ميالاً لإخراج رواية "الأعمى والأطرش"، لأبعادها الفلسفية العميقة. ولكن بعد حوارات كثيرة مع اللجنة الثقافية في الجبهة صرنا مقتنعين بإنتاج رواية "عائد إلى حيفا" لأنها ستكون الأكثر شعبية لما يخدم القضية الفلسطينية فهي تعمق طبيعة الصراع ولها بعد إنساني وأممي.. وهكذا بدأت بكتابة سيناريو الفيلم وتم إنتاج الفيلم... لم تكن الجهود سهلة في إنتاج الفيلم وثمة حروب أهلية صغيرة بعد الحرب الأهلية التي حصلت في لبنان. لم تكن طائرات العدو الإسرائيلي بعيدة عن الفيلم.. ففي يوم تصوير الهجرة الفلسطينية ونحن نصور في طائرة هليكوبتر كان الطيران الإسرائيلي يحوم حول طائرة التصوير ... وكنا شجعاناً.. ولا نزال.

عندما غزت إسرائيل جنوب لبنان وطوقت مدينة صور كنت مع المصور الفوتوغرافي محمود خليل في مجابهة القوات الإسرائيلية ونجونا بأعجوبة.. شعرت في لحظة القصف الشديد بأنني مشروع شهادة فلسطينية فقلت لمحمود.. صورني .

 

 

  • ما هي المعايير التي حكمت اختيارك للممثلين في فيلمك عائد إلى حيفا؟

في كل أفلامي الروائية لا أميل إلى الممثل الجاهز، وبشكل خاص الممثل العربي الذي لا يستطيع المشاهد أن يتخلص من اسمه وشهرته وهو دائماً أي الممثل العربي وبسبب عدم العلمية في التمثيل لا يستطيع أن يؤدي الشخصية المطلوبة بحيث ينسيك أنه فلان.. ويظل المشاهد ينظر إليه كاسم. ولقد لمست ذلك أيضاً من خلال علاقتي بمهرجانات السينما العربية وقياساً بمهرجانات السينما العالمية التي كنت أيضاً في لجان تحكيمها ومنها ما ترأست لجنة تحكيم مهرجان أكاديميات السينما في العالم.. ثمة فرق بين الممثل العربي وغير العربي.. لذلك فأنا أختار الممثلين الذين لم تستهلكهم شاشات التلفزة أو بعض شاشات السينما.. وأنا باعتباري ممثلاً ناجحاً جداً في المسرح والسينما باعتبار أني درست التمثيل علمياً واعتمدت نظرية ستانسلافسكي الروسية في بناء الشخصية وما تلقيته من دروس من الأساتذة الذين تعلموا في أمريكا والذين تمكنوا من نظرية ستانسلافسكي التي طورها أستاذ السينما في "كودمان ثييتر" وهو المسرحي "جارلس ماكاو" الذي اعتمد الأسس النظرية للروسي "قسطنطين ستانسلافسكي".. فأنا في تعلمت المدرستين الروسية والأمريكية. لذلك فالمشاهد لأفلامي ينظر إلى شخوص الفيلم كشخوص حقيقية وليس كنجوم على شاشات عربية بائسة. وفي فيلمي عائد إلى حيفا ممثلون أبدعوا في الأداء وبينهم ممثلون ليسوا ممثلين ظهروا على الشاشة وأتقنوا أداء شخوص رواية عائد إلى حيفا.

 

  • عملت على إخراج العديد من الأفلام السينمائية، ما هي أهم هذه الإنجازات؟

أخرجت أفلاماً وثائقية فلسطينية ويمنية وعراقية ما يقرب من ثلاثين فيلماً وحزت جوائز عالمية منها جائزتان ذهبيتان وجائزتان فضيتان.. أخرجت خمسة أفلام روائية طويلة إلى جانب عائد إلى حيفا هي فيلم بيوت في ذلك الزقاق والمغني وبغداد خارج بغداد والبحث عن ليلى العامرية وأغلب مشاهده عن القضية الفلسطينية. وكتبت عدة سيناريوهات للسينما وسوف أصدرها في كتاب سيناريوهات ليست للبيع كي يستفيد منها طلبة السينما. تجاربي السينمائية جميعها صدرت في كتب بعنوان الفيلم والتجربة.

من الأفلام التي حققت نجاحاً كبيراً وحاز على الجائزة الذهبية فيلم "المغني" الذي نشرت عنه دراسة في موقع قناة الجزيرة للدكتور أحمد القاسمي أستاذ النقد في جامعة منوبة ووصف الفيلم بأنه يتساوى في مستواه مع فيلم "الدكتاتور" لشارلي شابلن.. وفيلم المغني هو عن الدكتاتور العراقي.

 

  • هل لك من كلمة في نهاية هذا اللقاء؟

في نهاية اللقاء أود أن أذكر حقيقة اهتمامي بالتاريخ الفلسطيني، لكن الواقع أقوى من الحلم. حيث أنني في العام 1979 وفي مؤتمر لحفظ التاريخ السينمائي في العالم. قدمت مقترحاً إلى اللجنة المشرفة على المؤتمر في ألمانيا ويتمثل المقترح، في دعم مشروع بناء نصب فلسطيني في فيتنام وتحت النصب متحف كبير يضم كافة الوثائق الفلسطينية المرئية والمسموعة والمقروءة.. وقد وافق المؤتمر على مقترحي وعلى دعمه ماليا، وبالتفاصيل التي ذكرتها ووافق عليها وفد فيتنام.. وقد أعطيت الوثائق إلى التنظيم الخارجي الذي كان يشرف عليه المناضل "تيسير قبعة" واستحصل الموافقات.. لكننا فوجئنا بالغزو الإسرائيلي إلى لبنان واحتلالهم للعاصمة اللبنانية وتفرقنا شذر مذر وصرنا نحاول جمع شتاتنا.. وها هي وثائقنا متوزعة بين البلدان.. ونحتاج إلى متحف أرشيفي فلسطيني.. من يا ترى قادر على تنفيذ هذا المشروع الهام بعيداً عن الأنا.