Menu

التوسع العملياتي الإسرائيلي وانكشاف النظام الإقليمي العربي

د. عابد الزريعي

نشر في مجلة الهدف العدد (75)(1549)

التوسع العملياتي الاسرائيلي هو اتساع مسرح العمليات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، التي تقوم بها إسرائيل داخل نطاق الوطن العربي. هذا المفهوم في حد ذاته لا يقتصر على تمدد القوات البرية وتمركزها في نطاق جغرافي محدد، وانما يعني أيضا استباحة الأجواء لهذا البلد او ذاك، وبذلك ينضوي على ما يمكن تسميته بتوسع الإرادة، أي إرادة الفعل في فضاء الغير برا كان او جوا او بحرا. كما ينضوي في الجهة المقابلة، على تعطل وشلل إرادة الصد في الجانب الأخر، بما يعني انكشاف وتعرية حدود قدرته وارادته. ان عملية التوسع العملياتي الإسرائيلي تجري بشكل متسارع في الفضاء الإقليمي العربي، بما يؤكد انكشافا عربيا غير مسبوق في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني. سنحاول القاء الضوء على هذا الموضوع، من خلال العدوان الإسرائيلي على قطر بتاريخ 8 سبتمبر 2025، لأن التمعن في الحدث يكشف عن عقدة تقاطعات حالة التوسع من ناحية والانكشاف من ناحية ثانية. بما يعنيه ذلك من تناول الموضوع في مستويين، يتعلق الأول بدلالات العدوان كتحدي، بينما يتعلق الثاني بمستوى الإجابة كرد فعل.

وفي هذا السياق شكل العدوان الصهيوني على قطر بتاريخ 8 سبتمبر 2025 لحظة فارقة، تعود أهميتها الى تسليط الضوء على واقع النظام الإقليمي العربي وانكشافه، وعجزة ليس فقط عن مواجهة التحديات الخارجية، وانما قبوله للاختراق والتغلغل من قبل القوى الخارجية بشكل غير مسبوق. وإذا كان من الصحيح القول انه خلال الأسبوع الذي جرى فيه العدوان على قطر، كان الطيران الإسرائيلي يحلق في سماء ثلاثة بلدان عربية، مستعرضا او مستهدفا مواقع عسكرية ومدنية وقيادات، الا انه من الصحيح أيضا ان ثمة فارق لابد من الانتباه اليه، وهو ان البلدان الثلاثة التي دأب الطيران الصهيوني على استهدافها، (اليمن، سورية، لبنان) هي في حالة صراع معه سابق او قائم ومن قبل قواها الرسمية او الشعبية. اما بالنسبة لقطر فقد كان الامر مختلفا نوعا ما، وإذا ربطنا هذا الاختلاف مع الواقع الموضوعي الذي يضم النظام الإقليمي العربي، وفي ظل وجود إسرائيل كانتهاك واختراق استراتيجي في قلب جغرافية هذا النظام، فستنتصب امامنا الحقائق الآتية:

1 ــ قدمت قطر نفسها أمام المجتمع الدولي كدولة وسيطة في حل النزاعات الدولية، بما يعني انها ارادت تكريس صورتها كدولة محايدة وخارج نطاق الصراعات الإقليمية والدولية، ليأتي العدوان الإسرائيلي ويؤكد ان الحصانة الدولية التي ارادتها قطر لنفسها بعيدا عن ارتباطها الإقليمي العربي، لا تعني شيئا بالنسبة لقوة احتلال استعمارية لا تنظر لأي بلد عربي الا من منظارها العسكري بوصفه عدوا مهما ابدى من اللين او اللامبالاة تجاه الإقليم.

2 ــ راهنت قطر على ان وجود قاعدة العيديد العسكرية الاريكية على ارضها، يشكل ضمانة لها من أي عدوان خارجي، ليأتي العدوان الإسرائيلي ويكشف عن تواطؤ امريكي مع إسرائيل، وذلك رغم كل محاولات النفي والتملص، بما يؤكد ان العلاقة الامريكية الأساسية في المنطقة تقوم على ام وامان الكيان الصهيوني قبل كل شيء، وبالنسبة لمن يعتقد انه حليفا لها من قبل الأنظمة العربية، فهي تنظر له كمجرد أداة للاستخدام المؤقت.

3 ــ لعبت قطر إلى جانب مصر دور الوسيط بين إسرائيل وحركة حماس، وجاءت الوساطة القطرية بطلب أميركي مباشر، وعليه أصبحت الدوحة مقر المفاوضات ووفودها، بما يعني ان شن الهجوم على الدولة الوسيطة، بهدف القضاء على الوفد التفاوضي لاحد أطراف الصراع، لا يعني سعيا إسرائيليا لتخريب المفاوضات وعدم الدفع بها قدما فقط، وهو الامر الذي تأكد من عدم الرد على مقترح الصفقة الجزئية الذي توصلت إليه كل من مصر وقطر وقبلتها المقاومة، وانما توجيه رسالة مفادها ان كل البلدان العربية مستباحة حتى البلدان الخليجية التي انخرط بعضها في مسار التطبيع. فانتهاك سيادة دولة عربية عضوة في جامعة الدول العربية، وتربطها ببقية الأعضاء اتفاقية دفاع مشترك. كما انها عضوة في مجلس التعاون الخليجي الذي يشكل أحد التعبيرات داخل الإطار العربي العام، وتربطها بأعضائه اتفاقية دفاع مشترك كذلك. أن إسرائيل قادرة على ضرب أية دولة عربية وفي الوقت الذي تحدده.

ملامح انكشاف النظام الإقليمي:

التحدي الذي تنضوي عليه القضايا الثلاثة المشار اليها كدلالات للعدوان، من المفترض ان تستنهض استجابة بذات المستوى، خاصة وأنها قضايا تنضوي على حركية سياسية وعملية، وقابلة للتفشي إذا لم يتم ردعها. لكن الاستجابة الحاصلة لم تكن بذات المستوى، ومن خلالها تبدت ملامح انكشاف النظام الإقليمي العربي، في موقفه تجاه العدوان الإسرائيلي المتكرر على البلدان العربية العضوة في هذا النظام، ويمكن رصد الجوانب الرئيسة لهذه الاستجابة فيما يلي:

1 ــ انفصام الموقف: اتسم الموقف العربي قبل العدوان على قطر بالتجاهل الشامل، لما يحدث في الأجواء السورية واللبنانية واليمنية، وهو تجاهل في بعض جوانبه انضوى على نوع من الشماتة تجاه اليمن تحديدا، واللامبالاة لما يحدث في سورية، والتواطؤ من قبل بعض الأنظمة لما يحدث في لبنان، حتى من قبل قطر. وفي المقابل برز فيض من الاهتمام عندما تعرضت قطر للعدوان، حتى من قبل البلدان التي تتعرض سيادتها للانتهاك وتحديدا سورية ولبنان. هذا الانفصام في التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية، يكشف عن حالة غير مسبوقة من انكشاف الوضع العربي، الامر الذي تبدى بشكل واضح، خلال ما يقارب العامين من اندلاع معركة طوفان الأقصى، بكل ما افرزته من قضايا وحقائق من بينها ان الكيان الصهيوني بوجوده وتركيبته واستراتيجياته الممارسة يمثل خطر مصيريا على هذه الأمة من محيطها الى خليجها.

2 ــ تعويم النظام: تمت الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية إسلامية، على الرغم من ان الأداة الأساسية لمواجهة الحدث هي الدعوة لقمة عربية بالأساس، يمكن ان تتبعها قمة إسلامية عربية او افريقية، بهدف توسيع مسار التحرك، ان المسالة في دلالاتها تتجاوز موضوع الوحدة العربية الإسلامية، لقد ترتب على ذلك تعويم المسالة المحددة وتوزيع دمها ، فبدلا من رؤية عربية منطلقة من الوعي بالتهديدات الحقيقية التي تواجها المنطقة، يتم بلورتها ومن ثم يمكن الذهاب الى الحشد من حولها على كافة المستويات الإقليمية والدولية، تم المضي بالعكس من ذلك. وقد ترتب على التعويم في الإطار، تعويم في الموقف المتخذ من قبل المشاركين في القمة، والذي طغى عليه الطابع العاطفي حتى من قبل سورية التي يعربد الطيران الإسرائيلي في اجوائها. كما تجاهل البيان الختامي ما تتعرض له البلدان الأخرى من قصف وبعضها حاضر في القمة. وتجاهل الإشارة الى استهداف قيادة حماس ووفدها المفوض، وهي مسألة تتجاوز موضوع التفاوض الى الموقف من العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني. وكذلك تجاهل الإشارة الى الولايات المتحدة الامريكية.

خاتمة:

لقد كشف العدوان الإسرائيلي على قطر عن هشاشة النظام الإقليمي العربي، وانخرام الأمن القومي العربي بشكل عام وأمن الخليج بشكل خاص، وهي مسألة أخذه في التراكم في ظل حالة التردي التي تعيشها مراكز القرار العربي التقليدية، والسيطرة على هذا القرار من قبل أنظمة رهنت نفسها سلفا للقوى الامبريالية، ولم تعد ترى في إسرائيل عدوا وجوديا، تفرض الوقائع الاستعداد لمواجهته على كافة المستويات.