بعد 733 يومًا من المجازر والإبادة، من القصف والدمار، من النزف والخذلان، تكتب غزة فصلها الجديد من التاريخ.
غزة بلا طائراتٍ حربية، بلا مجازرٍ تُنزل الرعب على المنازل والقلوب.
لقد حان الوقت لعودة الأحبّة إلى الديار، ليلمسوا جدران بيوتهم، ويشمّوا رائحة الغرف، ويبحثوا عن المفقودين، ويودّعوا أمواتهم بكرامةٍ طال انتظارها.
سقط الموت، وسقط وجه التزييف لدى من ادّعوا نصرة، لكن غزة لم تسقط.
لم تسقط إرادتها، ولم يسقُط شموخ أهلها.
سقطت الآلة القاتلة، لكن الغزّاويين بقوا — رجالًا ونساءً وأطفالًا — يحملون في صدورهم صمودًا لا يلين.
مشاعر تختلط فيها الدموع بالابتسامة: فرحٌ يلمع في عيون كل طفلٍ فلسطيني نجا من الموت، وحزنٌ يسكن قلب كل أمٍ فقدت أبناءها، وصبرٌ عميق يملأ وجدان كل أبٍ ينتظر عودة أحبّته.
عربٌ باعوا وأطاعوا، وسلامٌ علينا بما صبرنا.
السُّم فتح العزاء، والجراح انفتحت معًا، لكنّ الوجع تحوّل إلى نهوض.
فبعد 733 يومًا من الإبادة، انتصر الغزّيون، وانتصرَت العزّة.
انتصرت في وجه الظلم والذلّ والقهر، في وجه احتلالٍ غاشمٍ عنصريٍّ قائمٍ على نظام الفصل العنصري — الكيان الصهيوني الذي بُني على الاغتصاب والتطهير والقتل، ويُغذّيه دعمٌ غربيٌّ وأمريكيٌّ أعمى يبرّر الجرائم باسم السلام.
لكن غزة لم تعرف الهزيمة.
غزة انتصرت بمقاومتها، بشعبها، بأطفالها، بنسائها وشيوخها.
غزة التي قاومت بالحجر والسلاح، بالصوت والصبر، بالدمع والدعاء، وبالإرادة التي لا تُكسر.
لم تنتصر بالعتاد ولا بالعدد، بل بالإيمان الذي لم يخفت يومًا، وبالقضية التي لم تمت في القلوب.
اليوم تُعلن غزة للعالم أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.
وأن الكيان الصهيوني القائم على نظام الفصل العنصري قد يملك الطائرات والدبابات، لكنه لا يملك الحقّ.
قد يحتلّ الأرض، لكنه لن يحتلّ الإرادة.
غزة التي سقطت عليها السماء نارًا، تنهض اليوم من تحت الركام لتقول:
ها نحن هنا… باقون ما بقيَ الزيت والزيتون.
نحمل ذاكرة الشهداء كراية، ووجع الأمهات كقسم، ونكتب بدمنا أن فلسطين لا تُنسى، ولا تُباع، ولا تُكسر.

