غزة لن تنسى.
ما زال الدخان الخانق يلفّ أطلالها، مشبعًا برائحة البارود والغبار الذي يحمل عبق الخيانة وعلامات الشجاعة. شوارعها، التي كانت تضجّ بضحكات الأطفال، تحوّلت إلى ميادين للمجازر تنطق بأسماء الشهداء وذكرياتهم.
هذه المقابر الجماعية، والخرسانة المهشّمة، والفولاذ الملتوي ليست مجرّد شواهد على الحقد الصهيوني، بل شهادات على من ناصر وعلى من تخلّى عن غزه.
في هذا اليوم يحمل ركام غزة من الذاكرة ما يفوق مكتبات الأمم بأسرها.
فلسطين ستتذكّر.
ستتذكّر تضحيات الأطباء والممرّضين الذين رفضوا ترك مرضاهم تحت القصف، والصحفيين الذين اصبحوا الخبر بعد أن استُهدفوا لفضحهم الجرائم الصهيونية، والأمهات اللواتي لففن أطفالهنّ بعلم الوطن ذي الألوان الأربعة: الأحمر، والأسود، والأخضر، والأبيض — ذلك العلم الذي تحاول إسرائيل محوه عبثًا.
هذه ليست حكايات يأس، بل قصص صمودٍ، وتحدٍّ، واصرار على حقها في أن تنبض بالحياة في قلب الموت.
غزة لن تغفل.
لن تنسى صمت ما يُسمّى بالديمقراطيات الغربية. ففي انعكاس مأساوي للأدوار، قدّمت معظم الدول الأوروبية، الأسيرة لأشباح ماضيها العنصري تجاه يهود أوروبا، الفلسطينيين قربانًا على مذبح ضحايا الأمس تكفيرًا عن خطاياها.
لن تنسى غزة إدارة بايدن التي استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد كل قرار في مجلس الأمن يدعو إلى إنهاء الإبادة، ولا دونالد ترامب الذي صبّ الزيت على النار ثم طالب بالثناء على “إطفائه” لهيبًا أشعله بنفسه.
وفي هذا الأسبوع، يحتشد القادة العرب والمسلمون وقادة العالم كالفراشات حول مُشعِل النار الأمريكي الذي تحوّل إلى رجل إطفاء، “محتفلين” برماد غزة.
فلسطين ستتذكّر.
ستتذكّر الشعوب التي هبّت نصرة لغزة، من صنعاء إلى دبلن، ومن كيب تاون إلى لندن ومدريد، بينما كانت العواصم العربية من القاهرة إلى الرياض غارقة في سباتها. تقود أيرلندا وإسبانيا حملات المقاطعة، فيما فتحت الدول العربية من الخليج إلى الأردن موانئها وطرقها لتكون ممرات بديلة للبضائع الصهيونيه، حين كان اليمن يفرض حصارًا بحريًا في البحر الأحمر.
لن تغفل غزة — ولن تصفح — عن الحكومات العربية التي فتحت موانئها، حين رفض عمال الشحن في موانئ إيطاليا، نقل الأسلحة الأمريكية التي استُخدمت لذبح أطفالها وتدمير مستشفياتها.
فلسطين ستتذكّر.
ستتذكّر جنوب أفريقيا — ليست دولة عربية ولا مسلمة — حين قادت الدعوى أمام محكمة العدل الدولية متهمةً إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. تلك الدولة التي عانت مرارة الفصل العنصري أصبحت الضمير الأخلاقي لعالمٍ يخشى قول الحق. وفي موقفها ذاك، أثبتت أن العدالة لا تعرف حدودًا ولا هوية.
وستتذكّر فلسطين المقاومة اللبنانية التي قدّمت خير قادتها دفاعًا عن غزة. ستتذكر اليمن الفقير في موارده والغني بكرامته، الذي لم يتزحزح قيد أنمله في تضامنه، و إيران التي وقفت في وجه الغطرسة الصهيونيه وأدواتها. وستتذكّر قيادات في امريكا اللاتينية الذين لم تديروا ظهورهم لغزه كما فعل العرب، مؤكدين أن التضامن الإنساني الحقيقي يتجاوز الحدود والعقيدة والنسب.
وسيبقى في الذاكرة أبطال أساطيل الحرية الذين تحدّوا أمواج الكراهية والحصار حاملين رسائل الإنسانية؛ والمتطوعين المجهولين الذين تركوا أمان بلدانهم لمداواة الجرحى وإطعام الجياع؛ والطلاب الأمريكيين الذين حوّلوا جامعاتهم إلى خيام للمقاومة؛ والفنانين والموسيقيين الذين خاطروا بمسيرتهم المهنية من أجل العدالة؛ والموظفين الذين خسروا وظائفهم احتجاجًا على تواطؤ شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل و مايكروسوفت، في جرائم دوله الاحتلال.
غزة لن تغفل عن من غدر بها.
غزه لن تنسى من خانها، وستبقى فلسطين مدينةً بالعرفان لمن نطقوا بالحق حين كان الصمت أيسر، ولمن ساروا حين كانت الخطى ممنوعة، ولمن بكوا حين كان الحزن جرمًا.
فلسطين ستتذكّر.
والتاريخ سيتذكّر.
وفلسطين ستحفظ الذاكرة.
على مدى عامين، واجهت غزة إبادة جماعية تعجز اللغة عن وصفها. حوّلت آلة الحرب الصهيونيه المستشفيات إلى مشارح، ومدارس الأمم المتحدة إلى مقابر جماعية، والمخيمات إلى ركامٍ من الخرسانة.
ومع ذلك، تأبى غزة أن تموت.
بعد كل قصفٍ يعيدها “إلى العصر الحجري”، تنهض كطائر الفينيق، لتعيد بناء ما تهدّم — لا في حجارتها فقط، بل في إرادتها التي لا تنكسر. وفي هذا التحدي يكمن أعظم مخاوف المحتل: الذاكرة الجماعية.
قد يدمّر الاحتلال الأبنية، لكنه لا يستطيع محو الذكرى. قد يُجَوّع الحصار جسد غزة، لكنه في الوقت ذاته يُغذّي الروح الجماعية لفلسطين.
سينشأ أطفال غزة على ذكرياتٍ لا ينبغي لأي طفلٍ أن يحملها، لكنهم سيرثون شيئًا لا يُفنى: الكرامة. ففي كل بيتٍ مهدوم وكل عائلةٍ مفككة، تعيش حكاية ترفض أن تُدفن.
لن تخبو ذاكرة غزة. فالعقل، على خلاف الحجر، لا يُحتلّ. إنه الأرشيف الخالد لصمود شعبٍ، تتناقله الأجيال، ليصوغ نسيج فلسطين الأبدي.
إن أطلال غزة تقف شاهداً ليس فقط على الإبادة الصهيونيه، بل على الانهيار الأخلاقي لأولئك الذين مكّنوها.
غزة ستنهض من جديد، حجراً بعد حجر.
لكن ما لن يُبعث أبداً هو أعاده صياغه الكذبة الصهيونيه التي تم تعريتها في الغرب، الروايه التي غلفت المشروع الصهيوني لثمانية عقود بعباءة الضحية.
ستنهض غزة - وستبقى الروايه الصهيونيه المزيفه مدفونة تحت حطامها، إلى الأبد.

