Menu

بين داوود وداوود حكاية عزٍّ ترويها البندقية

خليل خليل

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

في تاريخ الشعوب لحظات تتحوّل فيها التضحيات إلى أسطورة وملحمة كبرى، تتجاوز حدود المكان والزمان، وتظل منقوشة في ذاكرة الناس الذين احتفوا بها، وتصبح مِلكاً للوطن كلّه، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل. هكذا هي حكاية داوود خلف، الفدائي المطارد، رفيق درب جيفارا غزه ونائبه، الذي ارتقى شهيداً عام 1971، وحكاية زوجته الفدائية "عايشة خلف" التي لم تكن ظلّاً للرجل، بل ندّاً له في المعركة، ورفيقة البندقية كما هي رفيقة العمر. والتي كانت من النماذج البارزة التي قدمتها الجبهة الشعبية للمرأة الفدائية، قاتلت، وطوردت، إلى أن اعتُقلت، ثم خرجت من السجن لتكمل الطريق وتُربّي أبناءها على ذات الدرب. لم تكن أماً عادية، بل كانت مدرسة ثورية قائمة بذاتها، تحمل في قلبها صلابة المقاتلة ودفء الأمومة. أنجبت بعد استشهاد داوود داووداً آخر، كأنها كانت تُعيد للثورة ما أخذته منها، لتقول أن وهج الدم قنديلة لا تنطفئ، وأن الطريق لا يتوقف عند جسدٍ غيّبته رصاصة، وأن الأفكار النبيلة لا تموت بموت أصحابها.

لم تكن هذه الحكاية مجرد نخوة وشهامة امتدت من جيل الآباء إلى جيل الأبناء، بل هي فكرة غُرست في أعماق الأرض وتعمّقت فيها كجذور أشجار الزيتون، فأزهرت فكراً يقاتل، صنعته امرأة بوعي، وجمعت بين زوجة الفدائي الشهيد، والمقاتلة العنيدة، وأم الفدائي الشهيد. داوود "الأمس" كان رفيق دربها وزوجها المقاتل، الذي عاش معها سنوات المطاردة والرصاص والاعتقال حتى ارتقى شهيداً. ثم شاءت الأقدار أن تواصل الحياة مسيرتها، فتتزوج من جديد، ويولد داوود الابن، ليحمل الراية من جديد، ويفتح صفحة جديدة مكتوبة بالحبر ذاته: حبر البطولة والتضحية والالتصاق بالوطن. حيث غرست الأم في قلبه نفس القيم والمبادئ التي عاشت بها ومعها. هكذا بدا وكأن دماء داوود "الأمس" امتزجت برسالتها، لتورّثها لابنها داوود "اليوم"، الذي شبّ على ذات النهج، مقاتلاً جسوراً حتى ارتقى شهيداً في ظروف تكاد تعكس سيرة الأول وبطولاته.

وُلد داوود خلف عام 1945 في مدينة يافا الساحرة، المدينة العريقة التي تُعانق البحر بأذرع من نور، وما كاد يكبر حتى تفتحت عيناه على جرح النكبة عام 1948. رأى بأمّ عينه قوافل اللاجئين تسير على طرقات التشريد، عرف مبكراً معنى المجازر التي ارتكبتها عصابات شتيرن والهاغانا والأرغون في القرى والمدن الفلسطينية. طفولته لم تكن طفولة عادية، بل كانت دفتراً مليئاً بالتشرد واللجوء، وتعجّ بمشاهد البيوت المهدمة والمفاتيح المعلقة فوق صدور اللاجئين. وحين وقعت نكسة 1967، لم يحتمل أن يبقى متفرّجاً، فحمل البندقية، والتحق بالثورة، ليحوّل مشاهد الطفولة الممزقة إلى عنفوان ومقاومة. ظل مطارداً، مُحاطاً بحشود الناس وقلوبهم، حتى استشهد عام 1971، وهو يقبض على سلاحه كما يقبض المؤمن على يقينه.

في الثاني والعشرين من أكتوبر 1971، وبعد أسبوعين فقط من ولادة أحمد، كان مخيم البريج على موعد مع ملحمة جديدة. وصل الفدائي المطارد داوود خلف إلى بيت أحد أصدقائه في المخيم متخفياً، وأرسل عبر سيدة من معارفه رسالة عاجلة إلى زوجته: "أنا بانتظارك أنت وأحمد". يبدو أن أحد العملاء نجح في رصده عند قدومه للمخيم، طارت العصفورة إلى مخابرات العدو المتأهبة لسماع مثل هذه الأخبار، وخلال دقائق ضجّت أزقة المخيم بالجنود، انتشروا على أسطح البيوت، وسيطروا على المفترقات، وأحكموا قبضتهم على المنافذ. خرجت أم أحمد مسرعة نحو المكان، وما أن اقتربت حتى رأت الجنود يفرضون منع التجوّل، فارتجف قلبها، الكمين نُصب لزوجها للتو. لم يَطل الوقت حتى خرج داوود من البيت، فأشارت له بقلق، لكنه أومأ إليها بالعودة. تجاهلت الإشارة وتابعت خطاه، الجيش ينتشر بكثافة في شوارع المخيم، والأسطح تطل منها البنادق.

كانت اللحظة أثقل من أن تُحتمل. ابتسم لها من بعيد وقال كلماته الأخيرة: "أمانة في رقبتك، لمّا يكبر أحمد يدخل الكلية الحربية". ثم اندلعت المعركة. الرصاص ينهال من كل صوب، وأزيز الطلقات يشق الفضاء كأنها سيمفونية وداع. صمد الفدائي وحيداً، يقاتل جيشاً بأكمله، حتى ارتقى شهيداً. تسربلت دماؤه في تراب المخيم لتروي الأرض العطشى، وتخلّد ذكرى الفدائي الشهيد.

جنّ جنون الزوجة، تبحث بين الدخان عن فارسها، لكن الجنود تكالبوا عليه، وحملوها إلى بيتٍ مجاور مهدّدين أصحابه بعدم إخراجها. في هذه الأثناء، كان رفيقه المطارد "سليمان العر" قد دخل المخيم برفقته، لكنه تركه ليستقر قليلاً بين زوجته وطفله. وما أن سمع بخبر استشهاد رفيق دربه حتى هبّ كالنسر الجارح، محلقاً بجناحيه فوق سماء المخيم، حمل بندقيته وتوجّه نحو الجنود المتحلّقين حول جسد رفيقه. أطلق رصاصاته كالسيل، يحتمي بجدار ويزأر كأُسد جريح، يسقط أمامه الجنود واحداً تلو الآخر. ارتفعت أصوات الأهالي تردد نشيد "فدائي"، فيما المعركة تحتدم من جديد. وفي النهاية، التحم الدم بالدم، والتحق سليمان برفيقه داوود في موكب الشهداء، بعد مواجهة أسطورية حوّلت المخيم إلى ساحة عزّ، قالت البندقية كلمتها: الغزاة لا يجابهون إلا بلغة الرصاص.

في تلك الفترة شنّت قوات العدو أشد حملات العنف والتصفية وحشية وبربرية ضد جماهير شعبنا، وضد ثورته الباسلة في ظل صمت مُذِل على جميع الجبهات العربية، مما وفر للعدو فرصة تاريخية للاستفراد بقطاع غزة والانقضاض على ثورته. استخدم المجرم أرئيل شارون سياسة الأرض المحروقة والمجازر والاعتقالات الجماعية والتهجير، بهدف تصفية العمل الفدائي في القطاع بعد أحداث أيلول الأسود 1970، وسميت هذه الحملة بـ "طنجرة الضغط"، والتي تعني فيما تعنيه إحكام الطوق على سكان القطاع، وتضييق الخناق عليهم لرفع الراية البيضاء، واستمرت حتى نهاية عام 1972. حشد فيها شارون قوات من حرس الحدود التي قامت بأبشع عملية مطاردة وقتل لجماهيرنا وثوارنا في القطاع وارتكبت مجازر جماعية للسكان، وضاعفت من عمليات هدم منازلهم وترحيلهم ووضعهم في معسكرات اعتقال في سيناء لاستكمال مشروع تفريغ القطاع من جماهيره الباسلة التي التصقت بالثورة حتى الرمق الأخير، وتعتبر عملية "طنجرة الضغط" أكبر حملة إبادة قام بها العدو في ذلك الوقت بحق الأهالي في قطاع غزة لاقتلاع ثورتهم وانهائها.

في عام 1987، ومع اندلاع الانتفاضة الشعبية الكبرى، وُلد داوود خلف "الابن". جاء إلى الدنيا على وقع الحجارة والهتافات، وكأن القدر يعيد كتابة السطر الأول من جديد. نشأ الطفل في ظل الشوارع الملتهبة، فكانت المظاهرات أغاني طفولته، وصور الشهداء والمعتقلين صفحات كتابه الأول. لم تحتاج أمه لكثير من الكلام، فقد زرعت فيه أن البندقية لا تسقط، وأن دم داوود خلف بدأ يزهر وعبقه أصبح أكثر حضوراً. كبر داوود الابن وتشكّل وعيه بين أهازيج الانتفاضة، حتى صار مقاتلاً مطارداً محاطاً بالجماهير، ثم استشهد في الظروف ذاتها، ليغلق الدائرة بدمه ويؤكد أن الحكاية ليست صدفة، بل قدر لشعبٍ يواصل النضال ضد الظلم حتى اقتلاع حريته واسترداد أرضه.

وفي مشهد يكاد يعيد ذاكرة التاريخ ولكن هذه المرة أكثر وحشية، برز المجرم "التلميذ النجيب" بنيامين نتنياهو بعد السابع من أكتوبر 2023، وقاد حرباً جديدة ضد غزة، وأشرف على آلة القتل التي فتحت أبواب الجحيم على سكان القطاع، فكانت الطائرات والمدافع والبوارج تُطبق على القطاع حصاراً وناراً، ارتكبت تحت غطائه أبشع المجازر الجماعية، وقُصفت البيوت فوق ساكنيها، والمستشفيات والمدارس والجامعات والجوامع والكنائس، في محاولة لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وكسر إرادته. محرقة نتنياهو لم تترك للإنسانية موطئ قدم، وكانت امتداداً لنهج صهيوني قديم يفاخر بالبطش والقتل، حرب إبادة شاملة رآها العالم بأسره وبقي يتفرّج في صمت وعجز.

الموت الذي خطف داوود خلف في أتون "طنجرة الضغط" لم يكتفِ، بل عاد بعد عقود طويلة ليطلّ بوجهه الأكثر توحشاً. ففي الرابع من سبتمبر 2025، ترجّل داوود "الابن" على خطى ذات الطريق، حين حاصرت مخبأه قوات خاصة مدججة بالسلاح، جاءت لتعتقله حيّاً، لكنه أبى أن يُساق ذليلاً، وواجههم برصاصه مُحولاً المكان إلى قلعة صمود ارتقى فيها شهيداً. رفض الاستسلام وخاض اشتباكه الأخير بشجاعة داوود ذاته. وكما عاش الأول مطارداً صلباً في وجه الطغيان، قاوم الثاني حتى الرمق الأخير، مؤمناً أنّ دماء الشهداء وقود الطريق وملح الأرض، وأنّ البندقية لا تسقط أبداً، بل تنهض في كل مرة فوق أكتاف الرجال. لقد استشهدا في ظروف تكاد تكون صورة طبق الأصل، وكأنّ القدر شاء أن يربط دمهما بجسر واحد من التضحية، يذكّر الأجيال بأنّ الحصار مهما اشتد، والمجازر مهما توحّشت، فإن جذوة الثورة لا تنطفئ.

ولم يكن الشبه بين داوود الأمس وداوود اليوم مجرد ملامح وجه أو قامة، بل كان تشابهاً في الفكر والقيم والمبادئ. فكلاهما نهل من مدرسة كفاحية عريقة، انتميا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ نعومة أظفارهما، والتحقا بجهازها المقاتل، إلى أن أصبحا قائدين مطاردين، عُرفا بنظافة اليد، وبإيثار يقدّم الآخرين على النفس، وبمحبة الناس، وبقوة الحضور والجسارة التي لا تعرف خوفاً. وإذا كان سرّ التشابه يُبحث في الجينات، فإن سره الحقيقي يكمن في الأم التي صانت العهد. فهي الزوجة المقاتلة، والأسيرة الصابرة، والأم المربية، التي لم تحفظ الرسالة فقط، بل أعادت إنتاجها في جيل جديد. ومن صلابتها ومن وهج روحها، شكّلت الجسر الذي عبرت منه ذات القيم لتستمر وتبقى.

هكذا تحوّلت هذه المآثر إلى ملحمة بطولية، "الزوج الشهيد، الأم المقاتلة، الابن الشهيد". ثلاثية تختصر كل معانى التضحية، فالمرأة هنا ليست خلفية للمشهد، بل منبع البطولة ومصنع الرجال، والدم الذي يسيل لا يجف، بل ينبت مقاومين آخرين. ومن البندقية الأولى التي رفعها داوود خلف "الزوج" عام 1967، إلى البندقية التي ورثها داوود خلف "الابن"، ظلّت الرسالة حيّة: لا تسقط البندقية، ولا تنكسر الإرادة، ما دامت هناك أمّ تصنع الرجال ووطن يستحق الحياة.

لم تكن يوماً مسيرة النضال مساراً صاعداً دائماً، ولا طريقاً مفروشاً بالانتصارات وحدها، بل هي نهج لا ينكسر، تتعاقب فيه لحظات العنفوان والانتصار مع محطات التراجع والانطفاء. غير أنّ بندقية الثائر لا تعرف الهزيمة، وإن توقفت يد عن حملها، التقطتها يد أخرى، فالفكرة التي آمنوا بها وسقوها بدمائهم لا تموت، بل تكبر وتتعاظم في الوعي الجمعي وتتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، كما تتوارث الأرض الطيبة بذورها. والثورات قد تخبو نارها حيناً، لكنها لا تنطفئ أبداً، إذ سرعان ما يخرج من بين الرماد جيل أشد بأساً يشعلها من جديد. وما دام هناك أم تصوغ الرجال من صبرها، وأرض طيبة تُنبت الأبطال من جراحها، فإن البندقية ستظل مرفوعة، والراية لن تُطوى، والثائر يرحل جسداً ليبقى معنى، يتوارثه الأبناء كما يتوارثون حق العودة والحرية، وهكذا يبقى الدرب مفتوحاً أمام كل من يحفظ الوصايا ويواصل المسير.