Menu

من دير شبيغل إلى تل أبيب: من جدار السرد إلى هاوية الفضيحة

نبال عمر

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

لطالما تباهت إسرائيل بقدرتها على التحكم في صورتها أمام العالم الغربي عبر شبكات الضغط السياسي والإعلامي والدبلوماسي، تمكنت لسنوات من دفن قضايا محرجة أو على الأقل إعادة صياغتها لتظهر بشكل أقل حدة أمام الرأي العام.

لكن هذه القدرة لم تعد كما كانت مع تزايد الأزمات الداخلية وتراجع نفوذها الخارجي، باتت إسرائيل عاجزة عن منع تسرب تحقيقات وفضائح تمس صورتها بشكل مباشر، آخر الأمثلة وأكثرها إحراجًا جاء من كينيا، حين فجرت الصحافة الألمانية واحدة من أخطر القضايا: تورط إسرائيلي في شبكة دولية للاتجار بالأعضاء.

في ربيع عام ٢٠٢٥، كشفت مجلة دير شبيغل بالتنسيق مع DW و ZDF عن تحقيق استقصائي امتد لأسابيع، تناول شبكة تعمل من داخل مستشفى خاص في مدينة إلدوريت الكينية.

التحقيق أظهر أن عشرات الفقراء الكينيين جرى استغلالهم لبيع كلى تحت ظروف غامضة، مقابل مبالغ زهيدة، فيما حصل المستفيدون الأجانب على أعضاء منزوعة بأثمان خيالية، لم يقتصر الأمر على وجود مرضى من أوروبا وآسيا، بل ظهر اسم إسرائيل بوضوح، ليس فقط كوجهة لمرضى يبحثون عن زرع كلى، بل أيضًا كمصدر للوسيط الأساسي الذي نسق عمليات الزرع تلك.

بالنسبة للإعلام الألماني، كانت الأدلة دامغة: وثائق طبية، شهادات مانحين، تسجيلات لوسطاء، وصور من داخل المستشفى.

أحد هؤلاء الوسطاء وُصف بأنه إسرائيلي لعب دورًا مركزيًا في الربط بين المستشفى الكيني والمرضى من الخارج، وخصوصًا من إسرائيل نفسها.

 

جأة، وبدون مقدمات، وُضعت إسرائيل في قلب فضيحة دولية تُصنف ضمن أبشع صور الاتجار بالبشر: استغلال الفقر المدقع لانتزاع أعضاء مقابل المال.

المثير هنا أن إسرائيل لم تستطع، كما كانت تفعل سابقًا، منع وصول القصة إلى الصحف الكبرى، لم يكن بالإمكان إخفاء التحقيق أو الضغط على جهة واحدة لوقف النشر، لأن التقارير خرجت من عدة مؤسسات إعلامية في وقت واحد، ما جعل احتوائها أمرًا مستحيلاً.

ولعل هذا بحد ذاته يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في مكانة إسرائيل: من دولة قادرة على التحكم في السرد الإعلامي إلى كيان مكشوف أمام العالم.

يطرح هذا التساؤل: لماذا فشلت إسرائيل هذه المرة في دفن القضية؟ أول الأسباب هو تراجع ثقة الإعلام الغربي بها، الصحف التي كانت تتجنب نشر ما يحرج إسرائيل، صارت الآن ترى أن دورها هو كشف ما تحاول تل أبيب إخفاءه.

ثانيًا، قوة الأدلة في هذا التحقيق جعلت أي محاولة للتشكيك في مصداقيته غير مجدية

ثالثًا، لأن إسرائيل نفسها تعيش أزمة داخلية خانقة تُضعف قدرتها على إدارة أزماتها الخارجية.

ففي الداخل، تواجه إسرائيل انقسامًا سياسيًا غير مسبوق حيث الصراع حول استقلال القضاء فجّر مظاهرات واسعة، وحكومة يمينية متطرفة زادت من تعميق الشرخ الداخلي، إلى جانب ذلك، يعيش المجتمع الإسرائيلي أزمة اقتصادية خانقة: ارتفاع تكاليف المعيشة، أزمة السكن، وتراجع الخدمات الأساسية. أما المؤسسة الأمنية التي طالما تباهت بها إسرائيل، فهي الأخرى باتت موضع شك، خصوصًا بعد حرب غزة التي كشفت هشاشة منظومة الردع ودفعت قادة سابقين إلى اتهام القيادة الحالية بالفشل.

 

تتزامن هذه الأزمات مع ملفات فساد تطارد رأس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي ما زال يواجه محاكمات في قضايا رشوة واحتيال وخيانة أمانة.

هذه الملفات لا تستنزف فقط صورة القيادة السياسية، بل تعكس دولة غارقة في الفساد، عاجزة عن تقديم نموذج الدولة القوية التي تستطيع فرض صورتها على الآخرين.

حين نقارن هذا الوضع بما كان عليه الحال قبل عقود، يتضح حجم التحول.

إسرائيل في الماضي كانت تنجح في تحويل كل فضيحة إلى قصة مختلفة، حتى حين كُشف أمر شبكة تجسسها في مصر في خمسينيات القرن الماضي، أو فضائح الموساد في أوروبا، كانت قادرة على طمس الكثير من التفاصيل وتخفيف وقعها في الإعلام الغربي.

أما اليوم فإن أي فضيحة تجد طريقها سريعًا إلى الصفحات الأولى.

من صور دمار غزة وضحاياها، إلى شهادات الأسرى الذين تعرضوا للتعذيب، وصولاً إلى تقارير الاتجار بالأعضاء في كينيا، كلها تُنشر بلا قيود.

على الصعيد الدولي، انعكست هذه الفضيحة على مكانة إسرائيل في أوروبا، حيث لم يعد السياسيون قادرين على تجاهل ما تكشفه الصحافة.

الردود حتى الآن رمزية، لكنها تحمل دلالة: إسرائيل لم تعد فوق النقد، أما على المستوى الإقليمي، فإن صورة إسرائيل كقوة منيعة تتصدع.

الأزمات الداخلية، إلى جانب الفضائح الخارجية، تجعل منها دولة مكشوفة أمام أعدائها وخصومها على حد سواء.

في المحصلة، إسرائيل اليوم عاجزة عن إدارة الداخل وعن التحكم في الخارج.

لم تعد تستطيع مواجهة الاحتجاجات التي تهز مدنها، ولا احتواء تحقيقات تكشف استغلالًا بشعًا للفقراء في إفريقيا.

 

هذه الدولة التي لطالما بنت جدرانًا عالية لحماية صورتها، تجد نفسها الآن مكشوفة، عاجزة عن منع تسرب الفضائح ولا عن إدارة أزماتها الداخلية.

إنها لحظة فارقة تُظهر أن إسرائيل لم تعد قادرة على لعب دور الدولة التي تفرض السرد، بل صارت هي نفسها مادة مكشوفة للسرديات الإعلامية والسياسية.

وهكذا، من تحقيق ألماني عن شبكة اتجار بالأعضاء في كينيا، وصولاً إلى صور الانقسام الداخلي والفساد والاحتجاجات، يتضح أن إسرائيل تعيش مرحلة سقوط هيمنتها الإعلامية والسياسية.

مرحلة لم تعد فيها قادرة على مواجهة الداخل أو الخارج، وصارت فيها جدرانها العالية مجرد أسوار متصدعة أمام عيون العالم.