نحن بهذا العنوان: " الأدب والنضال، أو نضالية الأدب وأدب النضال" أمام أطروحة مقال، يضم ثلاثة عناوين متداخلة ومتحاورة مع بعضها البعض بل متقاطعة، وهي كالتالي:
1ـ الأدب والنضال؛
2ـ نضالية الأدب؛
3ـ أدب النضال.
بهذا التقسيم يظهر أننا فعلاً أمام عنوان مركب وملتبس، لكننا سنكتشف سره من خلال محاورته.
1ـ الأدب والنضال: الأول ينتمي للوجدان والمخيال والفن، هو مجال فردي والثاني، ينتمي للدفاع والترافع والتضحية وهو مجال جماعي، الرابط بينهما هي تلك التبعية بقيادة "واو" العطف الذي يكون دائماً تابعاً لمعطوفه.. فهل النضال تابع للأدب؟ أم الأدب تابع للنضال؟ أم أنهما معا حينما يلتقيان يؤثر كل منهما على الآخر، ومعطوفهما معلوم وقد يكون مجهولاً.
2ـ نضالية الأدب: هنا حددت وجهة النضالية والمعني بها الأدب، ويفهم من هذا المبنى، أن للأدب نضالية من خلال النحت والبحث والتنقيب والدراسة وسبر أغوار الأدب.
3ـ أدب النضال: يخبرنا المبنى أن للنضال أدباً، وأن أدبه في ذاته، أو في معناه أو في ممارسته وفلسفة كينونته.
في ظل هذه الإشكالية العامة للعنوان المركب بكل فرضياته، نناقش أطروحة المقال، من خلال خاصيتين (النضال والأدب):
أ ـ النضال:
تشير دلالة المفهوم (النضال) لمعنى مقصود نتوافق حوله أنه ضرورة وجهد واجتهاد وفعل مقاومة وتتفاوت هنا التراتبية حسب مجمل مقاصد المعاجم العربية والغربية التي تميل إلى مفهوم الدفاع عن شيء ما يوافق المعنى الاصطلاحي، كالدفاع عن قضية مجتمعية مشتركة تتصل بوجدان العامة، (لها علاقة بالهوية أو الوطنية أو النسب وغيره) ويرتبط الأمر بمنطق حقوقي وحاجة طبيعية تستدعيها الظروف القارة والمتغيرة، والمتجددة ثم المتطورة، في اتجاهات أخرى غير وجهتها التقليدية والتي من خلالها تتشكل المطالب الحقوقية التي يفترض في المناضل الدفاع عنها، والتضحية لأجل تحقيقها، والمكافحة لتحويلها من مطالب مكتوبة، منطوقة، متضمنة في الشعارات واللافتات، إلى تحقق واقعي، وسلوك مجتمعي، وعادة ثقافية (من هنا من الممكن أن نناقش نضالية الفنان والأديب، بمفهوم غرامشي حول المثقف المنخرط في قضايا مجتمعه، أو المجتمعات التي لها قضية كبرى تتوحد حولها، نموذج الشعب الفلسطيني).
أصبح مفهوم النضال مركباً، معقداً، تكتنفه العديد من الحيثيات الأخلاقية والقانونية، وهو أمر مستحدث، متجدد، أسهمت في انبثاقه العديد من العوامل الثقافية والقانونية والسياسية، حيث أصبحت المطالب الأخلاقية في مقامات متعددة تخضع للمساومة المادية، وتتجزأ إلى قضايا هامشية قلما تدخلها المؤسسات في مطالبها الرسمية، حيث انتزع النضال من سياقه الأصلي، وجرد من معناه المركزي، وأصبح يخضع لمقاسات الاستفادة والمصلحة والمزاجية والمساومة وغيرها، بل تم الاستحواذ على النضال، ودخلنا مرحلة النضال من أجل حماية النضال والحق فيه، الأمر الذي يقودنا إلى استنتاجات أساسية :
ـ دافع النضال؛
ـ أحقيته،
ـ زمنه؛
ـ فئته أو فئاته؛
ـ أفقه المطلبي.
فعلاً لقد دخلنا مرحلة الأنثربولوجية الثقافية للنضال حيث تقتضي ثقافة النضال وعياً مسبقاً يعتبر يقود الحركية الاحتجاجية، ودافعاً للإبداع في أشكالها، وحافزاً لتجديد تحققاتها، وهو أمر لا يتأتى لأي كان، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا من خلال مكونات واستحقاقات الذات المناضلة، وهنا يحضر الأدب كآلية على الإبداع، النقد، التشكيك في اليقينيات، خلخلة الحقائق الجمعية، تبني قيم حقيقية بعيدة عن الجشع المادي، فالنضال قبل أن يكون تحققاً سلوكياً راقياً كان فكرة محورية زرعت في الذات المناضلة حافزاً قيمياً للنضال، للمقاومة، للكفاح، للتمرد على الظلم، والاضطهاد، والاستغلال، ليصبح النضال سلوكاً مقاوماً ينم عن وعي نضالي مكتسب.
ب ـ الأدب
في البدء سنتعرف إلى بعض من سيرة ومسار الأدب ونشأته وتاريخه وأقسامه وعصوره، من خلال آراء ووجهات نظر بعض الأعلام من هذا المجال، جذر الأدب قادم من (المأدبة) التي يُدعَى إليها الناس. ومع مرور الزمن انتقلت دلالة اللفظة من معناها الحسّي إلى المعنى المجرد، جاء في تاج العروس: “الأدَبُ مُحَرَّكةً؛ الذي يتأدب به الأديب من الناس، سمي به لأنه يؤدِبُ الناس إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح”. وبعد ذلك انطوت اللفظة على دلالة خلقية هي التعليم والتهذيب والتثقيف. وبقيت لفظة الأدب محافظة على معنى التهذيب، كما يرى مصطفى صادق الرافعي، حتى منتصف القرن الثالث الهجري، إذ قال: (إن لفظة الأدباء بقيت في القرن الثاني الهجري خاصة بالمؤدِّبين، لا تطلق على الكتاب والشعراء، واستمرت لقباً على أولئك إلى منتصف القرن الثالث)، حيث كان يطلق الاسم/الصفة، على المعلمين بما فيهم النّحوي واللغوي والعالم والشاعر وشملت لفظة الأدباء هؤلاء جميعاً.
في القرن الرابع أخذت ألفاظ (الأدب والأدباء والمؤدِّبين) تتخصص، ثم أطلقت لفظة (الأدب) على فنون المنَادَمة وأصولها. وفي منتصف القرن الرابع تم التمييز بين العلماء والأدباء.
مرّ لفظ (الأدب) في تطوره ببضع دلالات قبل أن يأخذ معناه الاصطلاحي الذي ثبت عليه. بدأ بالدعوة إلى المآدب، ومنها انتقل إلى التهذيب، ثم غدا بمعنى التكسب بالتعليم، وأخيراً استقر على معناه المعهود، وهو التعبير الفني بالشعر والنثر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب جميل، أو هو الكلام الجميل المؤلف بطريقة فنية تؤثر في النفس، وقد يكون التعريف الوارد في المعجم الأدبي أوفى بالغرض من التعريفات السابقة، جاء في هذا المعجم:(الأدب في معناه الحديث هو علم يشمل أصول فنّ الكتابة، ويُعنى بالآثار الخطية والنثرية والشعرية، وهو المعبّر عن حالة المجتمع البشري، والمبين بدقة وأمانة عن العواطف التي تعتمد في نفوس شعب أو جيل من الناس، أو أهل حضارة من الحضارات.
اختلفت آراء الباحثين والنقاد في الباعث على نشأة الأدب أو إنشائه، فمنهم من رده كغيره من الفنون إلى رغبة الإنسان في اللعب الذي يفرّغ طاقة النفس الزائدة، قال فردريك فون شالار: (إن اللعب تعبير عن الطاقة الفائرة، وإنه أصل كل الفنون) وقال سبنسر: (إن اللعب هو أصل الفنون، وإنه تعبير غير هادف عن الطاقة الزائدة) وذهب “كانط” إلى أن (الفن سرور أو ارتياح بلا هدف، أو متعة خالصة من أي غرض)، والجامع بين هؤلاء العلماء إلى رد الأدب إلى منبع فردي، نشاط خاص، ومَلكة ذاتية.
إن ارتباط الأدب بالمجتمع يجعل له سلطاناً على الأفراد، وهذا هو سبب علاقته الجدلية بالنضال ويجعل تطوره مرهوناً بقوانين المجتمع وهو لا يسير تبعاً للأهواء والمصادفات، ولا وفقاً لإرادة الأفراد، وإنما يخضع في سيره لقوانين ثابتة مطّردة. وكل خروج على نظامه ولو كان عن خطأ أو جهل ـ يلقى من المجتمع مقاومة، تكفل ردّ الأمور إلى نصابها الصحيح.
إن الاختلاف في تعريف (الأدب) يقود إلى الاختلاف في المقصود من تاريخ الأدب، وفي النطاق الذي تدور فيه مباحث التاريخ الأدبي، يحيلنا الأمر إلى مفهوم الأدب عند ابن خلدون، (قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف) لكن هل وعى المؤرخ الأدبي بهذا التصريح؟ وهل تم الاشتغال على تاريخ الأدب عموماً من هذا المنظور؟ لهذا قسّم مؤرخو الأدب العربي تراثنا إلى أقسام، فما الأساس الذي اعتمدوا عليه في هذا التقسيم؟ سيما والتاريخ الأدبي وثيق الصلة بالتاريخ السياسي والاجتماعي لكل أمة، لذلك اصطلحوا على أن يقسموه على حسب العصور التاريخية والانقلابات الاجتماعية.
"الأدب والنضال، أو نضالية الأدب وأدب النضال" مقال أطروحة، يضم ثلاثة عناوين متداخلة ومتحاورة مع بعضها البعض بل متقاطعة، روحها أننا أمام أدب ونضال، بين الوجدان والمخيال وبين الجهد والتضحية والمرافعة، أدب له نضاليته في جيناته ونضال له أدبيته في ذاته، يناقش في بوتقة أدب النضال ونضال الأدب.

