منذ اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011 وتحوّلها لاحقاً إلى حرب تشعبت فيها الأهداف والمصالح وطبيعة القوى المشاركة والتي أدت إلى اختلال كبير وانقسامات على صعيد البنى المجتمعية وطبيعة العلاقات التي كانت تقوم على الألفة والمحبة والتسامح، إذ لم يعد مفهوم المواطنة مجرد إطار قانوني يحدد علاقة الدولة بالفرد، بل تحوّل إلى ساحة اختبار قاسية كشفت حجم تأثير الحرب طوال 14 عاماً على تعميم حالة هشاشة في البنى الاجتماعية والسياسية على حد سواء، فالأزمة لم تعد مجرد صراع سياسي أو أمني، بل ضرب مفهوم الهوية الوطنية وأعادت إنتاج أنماط تفكيك المجتمع السوري إلى مكونات أولية، وهذا ما أظهر حجم التناقض الكامن بين الولاء للدولة والولاء للطائفة أو العشيرة أو المنطقة.
مواطنة مهدورة
كان مفهوم المواطنة قبل عام 2011 محصوراً في الانتماء الشكلي دون ترجمة فعلية لمبادئ المساواة أمام القانون أو العدالة في توزيع الفرص، ومع اندلاع الأزمة ظهر عجز هذا المفهوم الهش عن الصمود أمام الانقسامات، فانهارت الثقة بين الفرد والدولة، وتحولت المواطنة إلى شعور انتقائي تحدده الانتماءات الضيقة أكثر مما تحدده الهوية الوطنية الجامعة، مما أدى بدوره إلى إنتاج نمط من المواطنة الطارئة أو المشوهة التي تعتمد على مفاهيم انتقائية حكمت طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة من جهة، وأدت إلى ترسيخ شروخ اجتماعية على أسس سياسية بين المكونات المختلفة بشكل تدريجي، مما أدخل السوريين مرحلة فقدان المرجعية السياسية الواحدة، هذا التحول ساهم في تكريس انقسامات اجتماعية وجغرافية، حيث باتت المواطنة مرتبطة بسلطة السلاح والحدود المحلية، لا بالدستور أو القوانين وهكذا تراجع الانتماء الوطني لصالح الولاءات الأخرى، وهو ما عمّق الشروخ بين المكونات المختلفة، وأضعف فكرة "المواطن السوري " التي كان يفترض أن تشكّل قاعدة الاستقرار.
سقوط النظام… وسقوط العقد الاجتماعي
عوامل أزمة تفكك المجتمع السوري لم تكن دفعة واحدة، بل انزلاقًا بطيئاً تسلل عبر شقوق البنية الاجتماعية، استمرت الأطر القديمة قائمة في الشكل، لكنها فارغة من المضمون تتآكل من الداخل بصمت كان "العالم المعيشي" للسوريين، كما وصفه هابرماس مرتهناً لسلطة خانقة كبحت إمكانيات الحوار وزرعت في المجال العام صمتاً مثقلاً بالخوف، ومع انطلاقة الاحتجاجات بدا أن هذا الصمت يتصدع وأن المجتمع يستعيد صوته، لكن سرعان ما غطت أصوات البنادق على محاولات الكلام، فالعسكرة والطائفية والتدويل والمصالح السياسية فرضت إيقاعاً جديداً أكثر قسوة، لم تسقط المؤسسات فحسب بل انهارت أيضاً الرموز والمعاني التي كانت تمنح الاجتماع حداً أدنى من التماسك، في تلك اللحظة استُبدل منطق الحوار بمنطق القهر، وحلّت الهويات الضيقة مكان فكرة المواطنة، التفكك لم يكن نتيجة الحرب وحدها، بل جاء أيضاً من انهيار القدرة على إنتاج معنى مشترك يجمع الناس تحت سقف واحد.
أدت تشوهات الحرب ومفاعيلها في سوريا إلى إرساء نمط خفي من المشكلات والانقسامات الاجتماعية والتي تعددت بحسب الانتماءات السياسية والمقاربات التي حكمت بعضها انتماءات ضيقة، وصولاً إلى لحظة سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول / ديسمبر 2024، فمرحلة سقوط النظام سواء كواقع أو كسردية متداولة مثّلت لحظة قطيعة نفسية وسياسية، دفعت قطاعات واسعة إلى إعادة تعريف ذاتها بعيداً عن هوية الدولة السورية، وفي غياب مشروع وطني جامع، أخذت الجماعات المختلفة تبحث عن حماية بديلة: الطائفة، الحزب، أو القوى الخارجية، مما أتاح بدوره ظهور سرديات تقوم على تخوين الآخرين وإقصائهم واشتداد حالة النزعات التي تمارسها بعض التوجهات الأيديولوجية وجمهورها و تصنف فئات من المواطنين بالدرجة الثانية على أساس العرق أو الدين دون أي اعتبار للهوية الوطنية الجامعة التي تساعد في عملية بناء الدولة على أسس صحيحة.
أزمة الثقة والشروخ الاجتماعية .... منطق الإقصاء يتقدّم على منطق المواطنة
شكّل وجود الأيديولوجية الجهادية لدى العديد من الفصائل والمجموعات وتصاعد عمليات القتل والجرائم والانتهاكات من أطراف متعددة إلى بروز أزمة أكثر عمقاً تتعلق بمصطلحات باتت جزءاً من حياة السوريين والتي تعتمد على ( الأكثرية والأقليات) والتي يشار بها إلى تمثيل طائفي في سوريا، إذ يقصد بها نمط من الإقصاء لمكونات سورية متعددة في تعبير يجسد الابتعاد عن مفهوم المواطنة بمعناه الواسع الذي يقوم على الانتماء الوطني واحترام الحقوق والواجبات الخاصة بالفرد المواطن، ومحاولة بعض الجماعات أو التجمعات إشاعة هذه المفاهيم بما يخدم مصالحها، إلا أن ذلك أدى إلى تعميق أزمة الثقة والشروخ الاجتماعية الفئوية القائمة على الطائفية والعرقية، والتهميش لمفهوم المواطنة الحقيقي .
لم يكن التصدع في المجتمع السوري مجرد تفكك صامت، بل رافقته عملية إعادة تشكيل للانتماءات تحولت بموجبها العديد من الجماعات إلى كتل مغلقة تُبنى هويتها على سرديات الضحية والمقاومة والتهميش، حتى صار الانتماء نفسه نوعاً من رأس المال يحدد من يُعترف به ومن يُقصى، ومع كل إقصاء تكرّست لغة الشك والمحو والتخوين، هنا لم يعد العنف البنيوي مجرد نتيجة للصراع، بل صار محرّكًا يعيد صياغة الاجتماع من خلال تقاطع الهوية مع المصلحة و الولاء يصبح مرادفًا للحماية، في قلب هذا المشهد تعود الذات المقهورة لتطلّ، إذ يتوتر المشهد بين الجماعات الطائفية في سوريا، وبروز أصوات ترى أن الآخر قد يُمثّل تهديداً وجودياً تُقرأ هويته كإشارة خطر متخيّل، لا كاختلاف مشروع في نسيج المجتمع، هكذا لم تقف الانقسامات عند حدود مؤسسات الدولة أو بناها الاقتصادية والتعليمية والقضائية، بل تسللت إلى أعماق الاجتماع ذاته: إلى اللغة والعلاقات والمدينة والانتماء فتراجعت الثقة، وارتفعت أسوار الهويات الضيقة فوق الوطن وتحت الوطن.
بين القانون والانتماء والسلوك: كيف تُبنى مواطنة سورية حقيقية؟
إن تكريس مبدأ المواطنة السورية ينطلق من آليات قانونية صحيحة ترتبط مسؤولية صياغتها بالدولة بشكل أساسي ودورها الذي يجب أن يرعى جميع الأفراد والجماعات مهمها كان انتماؤها وعلى مسافة واحدة دون تمييز أو تفضيل وهذا يتطلب ثلاثة عناصر أساسية لا بد من توافرها:
أولاً- العنصر القانوني: يمثل هذا العنصر الإطار الناظم للعلاقة بين المواطن والدولة، إذ يقوم على أساس واضح من الحقوق والواجبات، وعندما يُفعَّل هذا الإطار بشكل عادل تتوازن العلاقة بين الطرفين، فيدرك الفرد ما يتمتع به من حقوق وما يترتب عليه من التزامات. ويُعد هذا التوازن الركيزة الأساسية لبناء مجتمع مستقر تحكمه العدالة وتُصان فيه سيادة القانون.
ثانياً- العنصر المعنوي: يتجسد في تنمية شعور الانتماء الوطني داخل نفوس الأفراد، حيث يعبّر عن اعتزازهم بالهوية الوطنية ورغبتهم الصادقة في خدمة وطنهم. هذا البعد لا يُفرض بالتشريعات، بل ينمو عبر التجارب التي تُعزز العدالة وتُكرّس التقدير والمشاركة الفعلية في صناعة القرار. وبهذا تتعمق الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، فتتحول الهوية الوطنية إلى قيمة راسخة.
ثالثاً- العنصر السلوكي: يظهر بصورة طبيعية كنتيجة مباشرة لتكامل العنصرين القانوني والمعنوي، حيث يترجم المواطنون مشاعر الانتماء إلى ممارسات عملية تعكس حبهم للوطن والتنوع، فيتحملون مسؤولياتهم تجاه المجتمع، بدءاً من المشاركة في الحياة العامة، وصولاً إلى صون المصلحة المشتركة والتعاون في عملية البناء الوطني، وبذلك تتحول المواطنة من مجرد إحساس داخلي إلى سلوك يومي يجسد روح المسؤولية المجتمعية.
إن مسار بناء مفهوم المواطنة على أسس وطنية صحيحة يتطلب مجموعة من العوامل التي لا بد من توفرها حتى يتم الإنجاز، بدءاً من الشفافية والعدالة والمساواة وتقريب المصالح والرؤى، وصولاً إلى البناء على نقاط القوة والتنوع والتعددية وترسيخ مبدأ ديمقراطي تعددي بنزع أيديولوجيا التطرف أو الانتماء لجماعات ضيقة ما دون الدولة تصل بدورها إلى قناعة راسخة أن رعاية حقوق وواجبات الأفراد والجماعات يمكن أن يوصل سوريا إلى بناء نموذج دولة تراعي هذا التنوع الغني القادرة من خلاله على تكريس مفهوم المواطنة بشكله الصحيح.

