خلال عقودٍ من الزمن، بقيت السرديّة الصهيونيّة مهيمنة، ونادرًا ما استطاع الخطاب والرواية الفلسطينيّة إحداث اختراقاتٍ نوعيّة متميّزة. أحداث السنتين الماضيتين وما شاهدناه من حرب إبادةٍ وتجويعٍ، والعمل على خلق ظروف التهجير الجماعي لأبناء قطاع غزّة، هذه المشاهد التي لم نرَ مثلها خلال هذا القرن. نعم، كنّا أمام مشروعٍ صهيونيّ يسعى للتطهير العرقي بدايةً بغزّة، لينتقل بعد ذلك إلى الضفّة الغربيّة. هذا التطهير العرقي هو صُلب المشروع الصهيوني منذ بدايته وحتى يومنا هذا. قام المشروع الصهيوني على أكبر كذبةٍ في التاريخ، وهي أنّ أرض فلسطين فارغة ولا سكّان فيها، وإن وُجد القليل من العرب فهم مجرّد قبائل متنقّلة أصولها من منطقة الجزيرة العربيّة. هذه المقولة الكاذبة استطاع الشعب الفلسطيني بنضاله منذ بداية القرن العشرين تفنيدها وإسقاطها.
المشروع الصهيوني، بوجود قوى سياسيّة صهيونيّة مهيمنة في الكيان من أمثال قوى الصهيونيّة الدينيّة، يعود من جديد ويحاول توفير شروط نجاحه، وما حرب الإبادة إلّا وسيلة ضروريّة لتحقيق ذلك. فالشعب الفلسطيني الذي جرّب نكبة عام 1948 وما جرى فيها من تهجيرٍ وتطهيرٍ عرقي طال ما يقرب من ثمانمئة ألف فلسطيني تحوّلوا إلى لاجئين في الدول المجاورة، ومنهم من انتقل إلى مناطق الضفّة وقطاع غزّة، وهذا يفسّر أنّ سبعين بالمئة من سكّانه هم أحفاد المهجّرين بالقوّة أثناء أحداث تلك النكبة. هذه التجربة القاسية لم يعد شعبنا الفلسطيني مستعدًّا لتكرارها مهما كانت الظروف، وهذا ما يجهله العدوّ الصهيوني.
أمام مشاهد الدمار والإبادة في قطاع غزّة خلال سنتين وبشكلٍ مستمر، رأينا كيف أنّ الملايين من الشعوب في العالم خرجوا إلى الشوارع والساحات ليقولوا: لا للإبادة، ولا لسياسة التجويع، ولا لتطبيق نهج التطهير العرقي على ملايين من أبناء الشعب الفلسطيني. هذه الوقفة الإنسانيّة الأخلاقيّة أحدثت تغييرًا كاملًا في مقاربة الأمور في منطقةٍ يسودها النزاع منذ عشرات السنين. انقلبت الصورة: فالضحيّة هو الشعب الفلسطيني، بينما الجلّاد هو الكيان الصهيوني الذي يُطلق عليه "إسرائيل". هذا التغيير النوعي والتاريخي جعل من فلسطين عنوانًا للموقف مع العدالة ومع الحرّيّة. فلسطين أصبحت العنوان لتصحيحٍ ضروري في منظومة العلاقات الدوليّة. فلسطين، باختصار، هي معركة الحرّيّة والانعتاق من الاستبداد والهيمنة والاستعمار. الشباب في مدن أوروبا وأمريكا يرون في وقوفهم الواسع مع فلسطين جزءًا من معركتهم للتغيير في بلادهم نحو نظامٍ سياسيّ أكثر عدلًا وأكثر إنسانيّةً. إنّه التحوّل الذي لا يمكن العودة عنه. الكيان الصهيوني أصبح، وباختصار شديد، منبوذًا من الكثيرين في العالم، حتى أنّ فلسطين دخلت في المعارك الانتخابيّة في العديد من دول أوروبا.
أمام هذا الواقع الجديد، أرى أنّ معركة عزل ومحاصرة هذا الكيان هي في صُلب معركتنا في المرحلة القادمة. وهنا لا بدّ من الاستفادة من نظرة شعوب العالم الجديدة تجاه الكيان الصهيوني ككيانٍ يمارس الإبادة والقتل والتدمير، كطريقٍ لعزله ومقاطعته عالميًّا.
هذه المعركة مهمّة، ويجب أن تكون في صُلب عمل وبرامج حركة التضامن العالميّة مع فلسطين. لذلك أعتقد أنّ خطابنا في المرحلة القادمة، وفي ظلّ هكذا تحوّل غيّر المفاهيم والمقاربات، عليه أن يُبنى على أرضيّة ما تمّ تحقيقه عالميًّا في السنتين الأخيرتين. وانطلاقًا من هذه الرؤية، أستطيع القول إنّ هذا الخطاب يمكن بناؤه على المرتكزات التالية:
أوّلًا: أن تكون محاسبة مجرمي الحرب، الكبير والصغير، من رأس هرم الكيان حتى الجندي الذي شارك في الإبادة. هذه معركة الكلّ، ويجب أن تصبح مطلبًا عالميًّا، لأنّ جريمة الإبادة بحقّ الشعب الفلسطيني هي جريمة بحقّ الإنسانيّة جمعاء. هذه مهمّة أخلاقيّة وسياسيّة برسم المؤسّسات، حقوقيّة كانت أو تضامنيّة. هي برسم عشرات الآلاف من النشطاء المنتشرين في مختلف القارّات والدول. يجب محاسبة الكيان على جرائمه الإباديّة بحقّ أكثر من مليونين من المدنيّين في قطاع غزّة.
ثانيًا: مهمّة عزل الكيان، وعلى مختلف الأصعدة، يجب أن تكون في تفكيرنا يوميًّا، ليطرح كلّ واحدٍ منّا: ماذا أستطيع فعله لعزل الكيان الصهيوني؟ اقتصاديًّا، وسياسيًّا، وثقافيًّا، وأكاديميًّا، وفنّيًا، ورياضّيًا. وكذلك تصعيد معركة المقاطعة (BDS) له، وتجريم بيع الأسلحة له أو السماح بمرورها من موانئ ومطارات الدول. عندنا نموذج عرفته الإنسانيّة في القرن الماضي، وهو نموذج عزل نظام التمييز العنصري في أفريقيا الجنوبيّة. هذا العزل بدأ ببطء من خلال منظمات المجتمع المدني، وبعد مرور ما يقرب من عشرين عامًا من العمل المتواصل وصل إلى الحكومات والأحزاب، حتى تمت مقاطعته عالميًّا قبل نهاية سنوات الثمانينات من القرن الماضي، وتهاوى وسقط بلا رجعة. هذا نموذج من الممكن تطبيقه مع كيان الإبادة والتطهير العرقي الصهيوني.
ثالثًا: إعطاء جواب لما يريده شعبنا عبر نضاله الوطني. المرحلة الماضية سادها الكثير من الضبابيّة وعدم الوضوح والتراجع السياسي المدمّر. نعم، علينا كشعب يعيش مرحلة تحرّر وطني، معركة الحرّيّة بمواجهة الاحتلال، معركة مواجهة نظام الأبارتايد والتطهير العرقي. مطلوب منّا كشعب، ومطلوب من القوى السياسيّة الفلسطينيّة مجتمعة، الجواب على سؤال: ماذا نريد؟ وماذا نطلب من العالم؟ الجواب سياسي بامتياز، وهو مرتبط بحقوقنا الوطنيّة، وتحديد آليّات استرداد هذه الحقوق. المنظومة القانونيّة والميثاقيّة للأمم المتحدة تعطي شعبنا حقّ المقاومة لهدف استرداد حقوقه الوطنيّة غير القابلة للتصرّف.
هذه، وحسب قراءتي، وعلى ضوء ما جرى من تحوّلاتٍ جدًّا مهمّة، هي العناوين التي تشكّل مكوّنات معركتنا القادمة في عالمٍ أصبح ينظر إلينا كشعبٍ له حقوق، وفي المقدّمة منها حقّه بتقرير المصير.

