يثير السلوك السياسي للأنظمة العربية العديد من التساؤلات حول موقفها من القضايا القومية ومدى التزامها بها، ومن الواضح أن هناك تغيّرًا جذريًا في مواقف هذه الأنظمة تمثّل في القطيعة مع الفكر القومي التحرري الذي جسّده الرئيس جمال عبد الناصر، وفي تحويل مفهوم القوة من امتلاك عناصر المقاومة ورفض الهيمنة إلى التركيز على التنمية وامتلاك التكنولوجيا، وهي أدوات لا نملكها فعليًا حتى اليوم. هذا التحوّل أدّى إلى تراجع الروح الثورية لدى الإنسان العربي، لتحلّ محلها روح جديدة تتسم بالليبرالية الجديدة، انعكست في تطبيع الوعي العربي وتحويل إسرائيل من عدوٍّ إلى شريكٍ محتمل في المنطقة.
وأكثر ما يلفت النظر في هذا السياق هو التحوّل الذي شهدته دولة الإمارات العربية المتحدة، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مشروع الإمارات في الوطن العربي وكيف ينعكس هذا المشروع على سلوكها السياسي الإقليمي والدولي. عند دراسة مرتكزات هذا المشروع، يتّضح أن مناهضة الإسلام السياسي شكّلت العنصر الناظم له، ولا سيما منذ اندلاع ما سُمّي بالربيع العربي. وقد توازى هذا العداء مع سعي الإمارات إلى دعم الاستقرار السلطوي في المنطقة بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها من الأنظمة الاستبدادية العربية. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، عملت الإمارات على بناء تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل تجسّد في اتفاقيات السلام الإبراهيمي، وسخّرت في سبيل ذلك نفوذها المالي والإعلامي وحضورها الدبلوماسي الفاعل لتكريس دورها كلاعب إقليمي يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة بما يتماشى مع رؤيتها الخاصة.
وجدت الإمارات ضالتها، خاصة بعد نجاحها الأولي في عرقلة مشروع الإسلام السياسي، في ملء الفراغ الإقليمي الذي نتج عن تراجع الدور المصري، مستندة في ذلك إلى سعيها لإعادة تعريف مفهوم الزعامة العربية. ومن أجل تحقيق أهدافها الإقليمية، عملت على احتواء النفوذين الإيراني والتركي، وجعلت من التطبيع مع الكيان الصهيوني مدخلًا لتحقيق أمنها الاستراتيجي وضمان تفوقها التكنولوجي. وفي سبيل ترسيخ هذا التوجه، وقفت الإمارات ضد الحركات الشعبية والمقاومة وضد أي مشروع تحرري عربي، وسعت إلى إدماج العالم العربي ضمن منظومة عربية–إسرائيلية ذات طابع أمني واقتصادي. بل يمكن القول إن الإمارات تسعى إلى تشكيل محور عربي جديد تقوده هي، يهدف إلى تكريس التطبيع ومحاربة تيارات الإسلام السياسي المقاوم، خصوصًا في فلسطين ولبنان. هذا السعي الإماراتي يفسر تحالفها الوثيق مع الكيان الصهيوني ومع الأنظمة العربية السلطوية التي تتشابه معها في بنية الحكم وتضمن من خلالها الاستقرار على حساب الحرية.
اللافت في النموذج الإماراتي أنه يتبنى ما يمكن تسميته بالحداثة المادية من دون ديمقراطية، أو ما يُعرف بالحداثة السلطوية. فقد ركّزت الإمارات على تحديث الاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا مع الإبقاء على القرار السياسي مركزيًا ومغلقًا. وبدلاً من جعل الحرية السياسية والفكرية ركيزة للتنمية، رُوّج لمفهوم الأمن والاستقرار كبديل عن الحرية، حتى أصبح هاجس الفوضى نقيضًا للوجود، واعتُبر الاستقرار قيمة شبه مقدسة داخل الخطاب الرسمي والسياسي للدولة.
سعت الإمارات من خلال سياستها الإقليمية إلى إعادة تشكيل الهوية العربية بما يخدم رؤيتها الخاصة، فالمشروع الإماراتي لم يعد يؤمن بفكرة الوحدة العربية أو بالمصير العربي المشترك، بل بات يقوم على منطق المصلحة الوطنية الضيقة. وقد انعكس ذلك في إخفاق القمم العربية المتكررة بشأن غزة، حيث لم يعد هناك التزام حقيقي بالقضايا القومية، بل أصبح التنسيق بين الدول العربية محصورًا في مصالح أمنية واقتصادية مشتركة إن وُجدت. وهذا التوجّه يعكس تحوّلًا خطيرًا في بنية الوعي العربي، إذ يجري هندسة العقل العربي للانتقال من عقل مقاوم إلى عقل إداري واستثماري، ومن مشروع تحرر ووحدة إلى مشروع استقرار، ومن فكرة الأمة العربية الواحدة إلى شبكة مصالح عربية متشابكة تخدم الأنظمة أكثر مما تخدم الشعوب.

