Menu

قبَسات من تاريخ المسرح الفلسطيني

جوان جان

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

يُجمِع المهتمون بالحركة المسرحية الفلسطينية والمتابعون لها على أن نشاطها في الأراضي المحتلة بين العامين 1948 و1967 كان محدوداً ونادراً وأن العام 1967 شكّل بدايةَ انطلاقةٍ حقيقية للمسرح الفلسطيني عندما شعر بعضُ هواة المسرح في الضفة الغربية و القدس أن واجبهم الوطني تجاه وقوع أراضيهم تحت الاحتلال يحتم عليهم توظيف المسرح في خدمةِ قضيتهم الوجودية، فظهرت أعمال مسرحية كتبها شعراءُ الثورة الفلسطينية، ويذكر الفنان الأردني زهير حسن المؤرخ للحركة المسرحية الفلسطينية أن فرقة بلالين المقدسية كانت من أولى الفرق المسرحية التي ظهرت في مدينة القدس عقب نكسة 1967 وبالتحديد في العام 1970 وقد اعتمدت في عروضها على إحياءِ التراث الفلسطينيّ والتركيز على علاقة الإنسان بالأرض بالاعتماد على عناصر الرقصِ الشعبيّ والغناء والحكايات التراثية، وقدمت الفرقة حينذاك عدداً من العروض المسرحية في مدن الضفة الغربية وقراها وأثبتت وجودها من خلال تقديمها لأعمال مسرحية لا يخفى على مُشاهدها حجم الإسقاطات ذات الطابع الوطني التي كانت تحفل بها الأمر الذي دعا الاحتلال الصهيوني إلى استشعار الخطر من هذه العروض فقام بمنع عرض عدد منها فارضاً الحصار على الفنانين المشاركين في هذه الأعمال كالفنان مصطفى الكرد الذي اعتقلته سلطات الاحتلال وقامت بطرده من فلسطين، فضلاً عن إيقافها لنشاط فرقة بلالين في العام 1975 ومن أهم العروض المسرحية التي تركت تأثيراً قوياً على جمهور تلك الفترة مسرحية بعنوان "العتمة" وأخرى بعنوان "لما انجنينا" ولم تعتمد هاتان المسرحيتان وسواهما من الأعمال المسرحية على نصوص موضوعة ومُنجَزة بل على أفكار متناثرة تقوم مجموعة العمل على تجميعها وتطويرها بحيث تتحول إلى عرضٍ مسرحي متكامل، ومما لا شك فيه أن المسرح الفلسطيني في الفترة التي تلتْ حرب 1967 قد ساهم في تشكيل الوعي الوطني الفلسطينيّ وبلورة شكل من أشكال النضال الثقافي والفني ضد الاحتلال، خاصة مع ولادة فرق مسرحية متعددة مثل فرقة المسرح الشعبي وفرقة المسرح الحديث وفرقة المسرح الحيّ، ويذكر الكاتب الفلسطيني عبد الرحمن شلش أن هذه الفرق كانت تقدم النصوصَ المسرحية المترجمة عن لغات أجنبية والنصوص العربية التي تقدم نقداً اجتماعياً أو ذات المضمون التاريخي القابل للإسقاطِ على الواقع، وكانت هذه الفرق تقدم عروضها في الشوارع والساحات والحدائقِ والمقاهي، وجهدت هذه الفرق لتقديم عروضٍ تحمل مضامين معبّرة عن المشاكل التي يعاني منها الإنسانُ الفلسطيني .

هذا النشاط المسرحي المتميز شجع الكتّابَ الفلسطينيين على خوضِ غمار الكتابة للمسرح بعد أن وجدوا فيه ملاذاً مقبولاً وقادراً على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور، ومن هؤلاء الكتّاب برز اسم الشاعر سميح القاسم الذي كتب مسرحية شعرية بعنوان "قرقاش" تحدث فيها عن سقوط أحد الحكام الأفذاذ على صعيد القيادة العسكرية لكنه فاشل في بناء علاقة جيدة مع شعبه، وقد كتبها القاسم عام 1969 وهو قابع في أحد سجون الاحتلال في مدينة حيفا، واستطاع تهريبَها من السجن، ويفتتح سميح القاسم مسرحيته ممهداً الطريق أمام القارئ أو المُشاهد للتفاعل مع أحداثها قائلاً :

"في كلّ زمان.. في كلّ مكان.. يأتي في صورةِ إنسان.. يأتي فيجيء الموت.. ويظلّ يدوي الصوت.. في كل زمان عاش.. في كل مكان عاش" .

وساهم الشاعر توفيق فياض في هذا الحراك المسرحي من خلال مسرحيتِه "بيت الجنون" وقد عبّر فيها عن التصاق الإنسانِ الفلسطيني بأرضه من خلال شخصية مدرّس لمادة التاريخ متمسك بأرضه.. يقول مدرّس التاريخ معبّراً عن موقفه في إحدى مَشاهد المسرحية مخاطباً الاحتلال :

"ألا تزالون هنا؟! ماذا تفعلون هنا بحقّ الشيطان؟! ظننتم أني سأترك هذا البيت لكم؟ إنكم تحتلّون بيتي.. تسرقون حريتي دون أن يردعكم قانون عن ذلك" .

ومن المسرحيات التي ظهرت أيضاً في الأرض المحتلة مسرحية "الطبيب سيحضر من الشارع الخلفي" لكاتبها سليمان عبد المنعم وهي ذات مضمون وطنيّ وتقوم على فكرة التضحيةِ والفداء، حيث يضحي بطل المسرحية بنفسه من أجل إنقاذِ زوجته وابنه .

في المقابل وخارج الأراضي المحتلة كان هناك فنانون مسرحيون فلسطينيون يعيشون في دول الجوارِ الفلسطيني، وتحديداً في سوريا ممن كانت لهم نشاطات مسرحية رائدة شكّل نواةَ المسرح الفلسطيني خارج الأرض المحتلة، فقد قام فنانون مسرحيون فلسطينيون هواة يقيمون على الأراضي السورية في أواخر ستينيات القرن الماضي بتأسيس فرقة مسرحية قدمت عرضين مسرحيين في سوريا هما "شعب لن يموت" و"الطريق" ثم انطلقت بهما الفرقة إلى الفضاء العربي حيث لقيا الترحيب في أكثر من بلد عربي تم تقديمهما فيه وهو الأمر الذي أكد نقاء الشعور القومي عند المواطنين العرب في كلّ مكان، خاصة وأن العملين المذكورين قدما القضية الفلسطينية بكافةِ إرهاصاتها وملابساتها ومفاعيلها على الساحتين الفلسطينية والعربية.. وبناء على نجاح عروضِ الفرقة سورياً ومن ثم عربياً فقد انضم إليها عدد من الفنانين الأكاديميين الفلسطينيين والعرب كخليل طافش وحسن عويتي وحسين الأسمر ونائلة الأطرش، وبعد انضمام هؤلاء وغيرهم إلى الفرقة اتخذت لنفسها تسمية المسرح الوطني الفلسطيني وكانت أولى الأعمال المسرحية التي قُدّمت بعد الولادة الثانية لهذه الفرقة مسرحية "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" للكاتب السوري ممدوح عدوان إخراج حسن عويتي وقد عُرِضت في دمشق وتونس والجزائر، تلتْها مسرحية "الكرسي" للكاتب الفلسطيني معين بسيسو إخراج خليل طافش وتم تقديمها في ليبيا والمغرب، ثم أخرج للفرقة حسين الأسمر مسرحية "حلم فلسطيني" للكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور وتم تقديمها في دمشق، لتأتي بعدها مسرحية "مؤسسة الجنون الوطنية" تأليف الكاتب الفلسطيني سميح القاسم إخراج فواز الساجر وقُدمت في دمشق، وكانت تلك المسرحية خاتمة نشاطات فرقة المسرح الوطني الفلسطيني التي أغنت الساحة المسرحية السورية والعربية لمدة زادتْ عن الثماني سنوات .

وفي الفترةِ التي ظهرت فيها أعمال فرقة المسرح الوطني الفلسطيني في دمشق ومنها انطلقت إلى أرجاء الوطن العربي ظهرت محاولات موازية وإن كانت أقل تأثيراً وأهمية في لبنان والأردن و مصر والكويت ولم تستمر هذه المحاولات طويلاً بسببِ عدم وجود تمويل كافٍ لها واقتصرت عروضها على المناسباتِ الوطنية .