تعتبر مجزرة صبرا وشاتيلا (أيلول/ سبتمبر 1982) واحدة من أكثر الأحداث مأساوية في تاريخ الصراع العربي- الصهيوني، ارتكبتها ميليشيات لبنانية بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا خلال الاجتياح الصهيوني للبنان. وتجاوزت هذه المجزرة كونها حدثاً سياسياً لتصبح رمزاً للألم الجماعي والعدالة المفقودة، وما تبعها من شعور بالعجز والفقدان، وأثّرت بشكل مباشر على الوعي الأدبي والفني الفلسطيني والعربي.
وقد أنتج هذا الحدث مجموعة من الأعمال الأدبية التي تناولت المجزرة في مستويات مختلفة: شعراً احتجاجياً، سرداً روائياً وقصصياً، ومسرحيات، ليصبح الأدب شاهداً على الجريمة ورافداً للذاكرة الجمعية التي توثّق الحدث كجزء من التاريخ الفلسطيني، للحفاظ على الرواية الوطنية أمام محاولات النسيان.
لقد استقبل الأدب هذا الحدث بوصفه مأساة تاريخية إضافية تضاف إلى النكبة، والتهجير، والحروب، ليصبح المحرك الأساسي للسردية الوطنية المقاومة. فركّز على تصوير معاناة اللاجئين والرعب الرهيب وفقدان الأحبة، بالإضافة إلى الحديث عن العدالة المفقودة والنقد السياسي والرمزية في تصوير القمع والقتل.
وفي النظر إلى الأعمال الأدبية المرتبطة بمجزرة صبرا وشاتيلا نرى القدرة الفائقة للأدب على توثيق المأساة وتحويلها إلى ذاكرة جماعية، ليس على المستويين الفلسطيني واللبناني وحسب، بل على مستوى الإنسانية العالمية؛ كون الأدب أداة مقاومة ضد الاحتلال، وضد نسيان التاريخ وظلم الإنسانية، حيث تمزج النصوص بين الذاكرة والألم والمقاومة، وتبرز الإنسانية في أفظع الظروف، وتؤكد تجليات المجزرة في الأدب قدرة الفن على معالجة الصدمة، والحفاظ على الذاكرة، ونقل قضية الظلم من المحلية إلى العالمية، لتصبح النصوص الأدبية مصدراً للتأمل والدراسة الإنسانية.
تجليات المجزرة في الشعر:
تناول الشعراء الفلسطينيون والعرب المجزرة بوصفها امتداداً للنكبة، مستخدمين أساليب الرمزية والتشخيص الشعوري. ومن أبرز الأمثلة الناصعة، ما كتبه الشاعر العظيم محمود درويش في قصيدته الملحمية الكبرى (مديح الظل العالي)، فعلى الرغم من أنه لم يكتب نصاً محدداً عن مجزرة صبرا وشاتيلا، لكنه دمج الحدث ضمن سياق شعري أوسع صوّر فيه يوميات الحصار في بيروت عام 1982، ورصد معاناة المحاصَرين، وربطها بمعاناة الفلسطينيين الكبرى في الشتات والرحيل، مع التأكيد على الحق في المقاومة والحرية. فاستخدم الصور الدموية والوحشية لتصوير المجزرة، وركّز على الانفعال الإنساني (الخوف، الحزن، الصدمة)، وجمع بين البعد المحلي والبعد العالمي للعدالة والإنسانية. نقرأ بعض هذه السمات في المقطع الشعري الآتي:
صبرا فتاةٌ نائمة / رحل الرجالُ إلى الرحيل / .... ليلٌ طويل يرصد الأحلامَ في صبرا / وصبرا نائمة / صبرا بقايا الكف في جسدٍ قتيل/ ودّعت فرسانَها وزمانها/ واستسلمت للنوم من تعبٍ، ومن عربٍ رمَوْها خلفهم... لمَ ترحلونَ/ وتتركون نساءكم في بطن ليلٍ من حديد؟ / لمَ ترحلونْ وتعلّقون مساءكم فوق المخيم والنشيد؟
كم مرةً ستسافرونْ/ والى متى ستسافرونْ/ ولأي حلم؟/ وإذا رجعتم ذاتَ يومْ/ فلأي منفى ترجعون،
صبرا- تنام. وخنجر الفاشيِ يصحو/ صبرا تنادي.. من تنادي/ كل هذا الليل لي، والليل ملحُ/ يقطع الفاشي ثدييها/ يرقص حول خنجره ويلعقه. يغني لانتصار الأرز موالا/ ويمحو في هدوءٍ.. في هدوءٍ لحمها عن عظمها/ صبرا – تقاطع شارعين على جسد/ صبرا نزول الروح في حجر/ وصبرا – لا أحد/ صبرا – هُوية عصرنا حتى الأبد.
يرصد هذا النص الملحمي مأساة صبرا من زاوية تصوير المكان كشخصية حيّة تعيش الألم والرعب، وتُجسَّد بأنها فتاة نائمة، جسد يعاني من الفقد والخوف، وطن متروك للغزاة. أما تكرار كلمة "صبرا" فهو لتأكيد حضور المكان كشخصية أساسية، ولخلق إحساس بالاستمرارية والصدمة. ويدمج النص بين التاريخ (الحرب، الجنود الراحلون) والعاطفة الإنسانية (الخوف، الحزن، الانتظار). كما أن الشاعر يلجأ هنا إلى الحوارات الدرامية والمنولوج أو الحوار الداخلي: صبرا تسائل عن الغياب: لمَ ترحلون؟، إلى متى ستسافرون؟ فتعكس حوار الذات مع الغائبين والمصير. وكذلك الحوار الرمزي مع العدو/ الفاشي يَظهر كقوة خارجة، الحوار معه غير لفظي بل عبر الفعل والرمز. مما يخلق التضاد الدرامي: بين صبرا النائمة/الممزقة والفاشي الفاعل فأنتج صراعاً رمزياً ووجدانياً مكثفاً.
تجليات المجزرة في الرواية والقصة القصيرة
أعطت الرواية الفلسطينية الحديثة مساحة كبيرة لتناول مجزرة صبرا وشاتيلا، باعتبارها امتدادًا لمأساة النكبة والشتات. ومن الأمثلة على ذلك رواية سوزان أبو الهوى، "بينما ينام العالم" (2010) التي تعرض بعض مشاهد المجازر كجزء من سرد الشتات الفلسطيني في لبنان، صحيح أن الرواية تروي مأساة اللاجئين الفلسطينيين منذ النكبة حتى الانتفاضة الثانية 2002، لكنها تبرز مجازر صبرا وشاتيلا كجزء من سرد الشتات الفلسطيني، فاستُخدمت الرواية كأداة لتوثيق الصدمة، من خلال تصوير التجربة الإنسانية للناجين والمصابين، واعتمدت على السرد الزمني المتقطع، والسرد متعدد الأصوات لإعطاء مساحة لتجربة كل شخصية، من طفل إلى بالغ، من نازح إلى شاهد عيان.
وهناك روايات أخرى ركزت على تجربة اللاجئ/الناجي، مع تصوير الألم النفسي والذكرى المستمرة وفقدان الأسرة. من ذلك ما كتبه الراحل وليد عبد الرحيم في روايته الصادمة "لستُ حيواناً" (2024) وتناولت المجزرة من خلال سرد تجريبي، يصور مشاهد العنف والدمار التي تعرض لها الفلسطينيون، معبراً عن الألم والخذلان الذي يشعرون به. ومركّزاً على التفاصيل الدقيقة للمكان والرائحة والدماء والخراب لتعزيز مصداقية الحدث. وكذلك ما كتبته جنى فواز الحسن في روايتها "طابق 99" (2014)، وتناولت تأثير المجزرة على الأفراد، حيث يظهر بطل الرواية الذي يحمل ندبة من آثار المجزرة، في سياق سردي يربط بين الماضي والحاضر. الروائي علي بدر في روايته "الكافرة"، يعرض شخصية الأب الذي يبرر ارتكابه لمجزرة صبرا وشاتيلا بدافع الانتقام، مما أثار جدلاً واسعاً حول تبرير الجريمة في الأدب. أما الروائي أكرم مسلم فيستعرض في روايته "بنت من شاتيلا" (2019)، معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم شاتيلا، مسلطاً الضوء على آثار المجزرة على الذاكرة والهوية الفلسطينية وذلك من خلال الانتقال بين الماضي والحاضر لتصوير الانفجار النفسي للناجين. بالإضافة إلى الكثير من الأعمال التي كتبها كتّاب فلسطينيون وعرب في سرد متعدد الأصوات يقدّم أصواتاً مختلفة للضحايا والعائلات والشهود. وتمكن الإشارة في هذا السياق إلى كتاب المفكر الكبير إدوارد سعيد: "النكبة المستمرة" (2023)، الذي يستذكر فيه مجزرة صبرا وشاتيلا، حين ذهب إلى المخيم في 16 أيلول/ سبتمبر 1983 لإحياء الذكرى السنوية الأولى لضحايا المجزرة.
أما القصة القصيرة فقد ركّز بعضها على تصوير المشهد اللحظي للمجزرة، والانفجارات والدماء والهلع وفقدان الأحبة من خلال استخدام الصور الحسية: الروائح، الأصوات، الألوان لتقريب القارئ من الحدث. وركزت قصص أخرى على إظهار الكيفية التي أصبح فيها الأطفال رموزاً للبراءة المفقودة، واللاجئون رموزاً للمعاناة المستمرة.
يمكن تقصّي سمات أدبية مشتركة بين كل هذه الأعمال الأدبية، من أبرزها: الرمزية: الدم، الخراب، المخيمات، الجدران المهدمة، ووجوه الأطفال. والبعد النفسي تصوير الصدمة، الفقد، الصراع الداخلي، الإحساس بالظلم والغضب. والبعد السياسي: النقد المباشر أو الرمزي للقوى المسؤولة عن المجزرة، سواء ميليشيات محلية أو الاحتلال الصهيوني. والبعد الإنساني العالمي: التأكيد على المظلومية الإنسانية، وربط المأساة الفلسطينية بقضايا العدالة وحقوق الإنسان عالمياً.
تؤكد تجليات مجزرة صبرا وشاتيلا في الأدب الفلسطيني والعربي على دور الأدب في توثيق المأساة الإنسانية والحفاظ على الذاكرة الجماعية، فاستُخدم الشعر والرواية والمسرح كوسائل لتجسيد الصدمة، والتعبير عن الألم الجماعي، والمطالبة بالعدالة. ولم يكتفِ الأدب الفلسطيني المقاوم بعد المجزرة بتصوير المأساة فحسب، بل امتد ليشمل البعد العالمي، حيث أصبح كل نص أدبي شهادة إنسانية حيّة، يعكس حق الفلسطينيين في الحياة، ويعمل على إيصال الرواية الفلسطينية للعالم، وكسر السردية الصهيونية المهيمنة، والتأكيد على أن الأدب هو فعل مقاومة، ورمز للعدالة والحرية الإنسانية المنشودة.

