تخونك القيامة لتشهد حياة يملؤها انكسار الروح على أفواه الجائعين، ويُضرب عنك الحساب لتأخذ نفساً طويلاً في عدّ النكبات، تماماً كما تفعل الأحجية.
يغيب الصوت، وتنفجر الكلمات من أعين أدمتها قلة الحيلة، لا السؤال. هنا في غزة، ترى مشهداً تراجيدياً قاسياً، تتقيؤه النظرات؛ بؤساً يرسم نزوحه على جدار المفاوضات، ربما توقّع اتفاقية اليوم أو غداً، وربما ننتزع آخر شرطٍ للحياة المصبوغة بالدماء. يسيل الوجع محموماً على سؤال واحد: ماذا سيحدث غداً؟ كيف سيكون شكل المدينة والبلاد؟ هل اكتفت منّا الأرض؟ وماذا عن خرابها؟ هل يخرج المعنى من كل ما حصل؟ وما القيمة التي يبنى عليها كلّ هذا؟
لطالما كان السؤال الأكثر إلحاحاً: ما معنى الفلسطيني بعد كل ما مر به؟ لكن الغزي أضاف بعداً آخر للمعادلة؛ كيف يكون إنسان يحمل معنى الفلسطيني ليباد على إثره بطريقة ممنهجة؟ ليس من المبالغة القول إن الغزي كان الأسبق، يستحق جوهر المعنى. وجوده في أرضه شكل معضلة سياسية استدعت تايفون العصر الجديد: "نتنياهو"، الطامح لتغيير شكل الأرض والسيطرة على المنطقة.
لقد وجد الغزّي نفسه أمام فصل جديد من الحكاية؛ الأرض تدمر، تحرق، والأجساد تتقطع، وشلالات الدماء تحبس الهواء الذي يتنفسه. معدة خاوية كما الكلمات، لكنه استطاع أن يسرق شيئاً واحداً فقط: وجوده. ففي قلب العدم، حيث يتلاشى كل معنى، تعلم من بروميثيوس حكمة السرقة؛ كما سرق هو النار ليهب الإنسانية فائدة عظيمة، سرق الغزي من آلة القتل الهمجية وجوده اليومي ليعلّم البشرية أن الأرض تستحق، وأن كل بقاع العالم لا تستطيع احتواءه كما منزله. المفارقة هنا أن الوجود نفسه يقف قبالة الموت، ولا رادع بينهما إلا الإبادة.
من هذه المعاناة ولدت إرادة حياة خاصة بالغزي وحده. ليست كما عرّفها شوبنهاور: قوة ميتافيزيقية عمياء تمثل جوهر الوجود، بل هي إرادة بالأرض، جعل منها مرآة الذات وسر مقاومتها، ومعنى الحياة. نتساءل: كيف استطاع الغزي الصمود كل هذا الوقت؟ كيف رسّخ الوجود على مدلول الهوية؟ هل أعطى الهوية الفلسطينية بعداً أعمق؟ أم أنه انتقل إلى مرحلة أخرى في وعينا الجمعي؟
الغزّي، بعد كل ما شهده من إبادة وتجويع، كان تجسيداً فعلياً لفكرة الإنسان الأعلى عند نيتشه؛ من تحدّى الموت بفكرة الوجود، وانتزع الحياة من براثن الدمار، وعضّ على جوعه وعطشه ليقول: نحن هنا باقون. يؤكد بذلك إرادة القوة، ويخلق من مقاومة أساليب القتل جميعها زرادشت الغزي، الذي يبشر أبناء القضية أنفسهم قبل العالم بأن وعي إرادة القوة صار جزءاً لا يتجزأ منه، وأن المقاومة مرتبطة دائماً بثنائية الأرض والحرية.
في غزة، تصبح الأرض والهوية والوجود كياناً واحداً، لا يمكن الفصل بينها، والإنسان، في أقصى لحظاته، هو الذي يصنع معنى الحياة وسط الموت، ويعلّم البشرية كيف تكون الإرادة أقوى من كل محاولات الإبادة. لنتساءل نحن الفلسطينيين : كيف باستطاعتنا أن نحيا بلا الأرض، إن كانت هي تعبر عن ذاتنا وعن وعينا الأعلى؟

