Menu

طوفان الأقصى ردّ نوعي على وعد بلفور وعلى كافة المحطات الاستعمارية منذ بداية القرن الماضي 

عليان عليان

تحلّ الذكرى الـ(108) لوعد بلفور في مرحلة خطيرة، يحاول العدو الصهيوني من خلال خطة ترامب لوقف الحرب أن يحقق ببنود الخطة العشرين، وخاصة في المرحلة الثانية، ما فشل في تحقيقه بالحرب الصهيو-أمريكية على قطاع غزة، وخاصةً النقاط التي تتحدث عن نزع سلاح حماس وفصائل المقاومة، وعن تشكيل حكومة تكنوقراط خاضعة للوصاية الأمريكية عبر ما يسمى بمجلس السلام.

واللافت للنظر أن الوسطاء والدول التي اعتبرت نفسها ضامنة، لم تحرك ساكناً حيال عدم التزام حكومة العدو ببنود المرحلة الأولى، التي تتضمن فتح المعابر لإيصال المساعدات الطبية والغذائية والمعدات اللازمة لرفع الأنقاض، والسماح للمرضى والمصابين بالانتقال للعلاج في الخارج. فعدد الشاحنات التي دخلت القطاع منذ العاشر من شهر أكتوبر لا يحقق سوى أقل من 10 في المائة من احتياجات القطاع. والأخطر من ذلك أن الوسطاء والضامنين لم يحركوا ساكناً حيال خرق العدو وقف إطلاق النار، واستمراره بقصف مناطق عديدة في القطاع، ما أسفر حتى اللحظة عن استشهاد ما يزيد عن (210) مواطنين فلسطينيين وإصابة ما يزيد عن (500) آخرين، بل إن بعضهم راح يحمل المقاومة مسؤولية حادث رفح الأول الذي أسفر عن مصرع ضابط صهيوني وإصابة آخر، دون التحقيق في الحادث.

لقد شكّل طوفان الأقصى مرحلة نوعية في الرد على وعد بلفور ونكبة 1948، وطرح سؤال الوجود في الكيان الصهيوني لأول مرة، ودفع عشرات الألوف من الإسرائيليين إلى الهجرة للخارج، وأحدث ثورة شعبية عالمية ضد الكيان الصهيوني، وضرب الرواية الصهيونية في فلسطين في الصميم، وكشف حقيقة فزاعة اللاسامية. ووصلت الأمور في مظاهرات واعتصامات الجامعات الأمريكية، والمسيرات التي عمّت المدن والعواصم الأوروبية، إلى أن يرفع المشاركون فيها شعار: "فلسطين حرة من النهر إلى البحر"، في الوقت الذي يتكئ فيه النظام العربي الرسمي على عصا حلّ الدولتين المشروخة.

المحطات السابقة لوعد بلفور

إن معالجة الخلفية السياسية والأيديولوجية لوعد بلفور تقتضي التوقف أمام ثلاث محطات رئيسية سبقت الوعد وهيأت له:

1- المحطة الأولى: هي محطة المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 بزعامة ثيودور هرتزل – الصهيوني العلماني – الذي دعا إلى إنشاء دولة لليهود في فلسطين على قاعدة توظيف الرواية التوراتية الزائفة، بما يضمن تحفيز اليهود من مختلف أرجاء العالم للهجرة إلى فلسطين.

لقد قام خطاب هرتزل السياسي بشأن إقامة هذه الدولة، وفق ما جاء في كتابه "الدولة اليهودية" – الذي نُشر في فيينا ولايبزيغ في 14 فبراير 1896 قبل ثمانية عشر شهراً من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول – على شرط التطهير العرقي، إذ دعا فيه بكل صراحة إلى إبادة كاملة للمواطنين العرب في فلسطين، ليتسنى للصهاينة إقامة دولة نقية لليهود في فلسطين.

لقد كان هذا الكتاب أساس الصهيونية السياسية الراهنة، وكان هرتزل يعتقد أنه من أجل تحقيق الاعتراف الدولي والحقوق القانونية المزعومة للشعب اليهودي في فلسطين، لا بد من الحصول على الضمانات القانونية للحقوق السياسية من الدول الاستعمارية، ليصبح من الممكن بدء الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين.

2- المحطة الثانية (1902): لقاء هرتزل – تشامبرلن. التقى مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل برئيس الوزراء البريطاني جوزيف تشامبرلن سنة 1902، وقال له هرتزل: "إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين التي يمكن أن تكون دولة حاجزة بحيث تؤمن المصالح البريطانية"، وطلب من بريطانيا اتخاذ الخطوات المطلوبة لإقامة هذه الدولة الحاجزة.

3- المحطة الثالثة (1905 – 1907): هي محطة مؤتمر الدول الاستعمارية الذي سُمّي مؤتمر "كامبل بانرمان" نسبةً إلى وزير خارجية بريطانيا آنذاك، الذي صاغ قرارات المؤتمر. وشارك فيه ممثلون عن الدول الاستعمارية الأوروبية وهي: إنكلترا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا وهولندا، إلى جانب كبار علماء التاريخ والاجتماع.

 

والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والبترول. لقد اشتملت قرارات المؤتمر على العديد من القضايا والبنود نذكر منها:

  • "إن في منطقة شرق المتوسط شعوباً عربية تنتمي إلى أمة واحدة، يجمعها تاريخ واحد ودين واحد ولغة واحدة ومصير مشترك، فإذا ما توحدت هذه الشعوب فإنها ستشكل خطراً على مجمل المصالح الاستعمارية في المنطقة، ما يتطلب إقامة كيان يهودي في فلسطين يفصل الجناح العربي في آسيا عن الجناح العربي في أفريقيا."

  • "إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضاً هو مهد الأديان والحضارات. والإشكالية في هذا الشريان أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان، ما يتطلب بقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة."

وفي عام 1908، وترجمةً لمقررات "كامبل بانرمان" لصالح بريطانيا، قدّم الوزير البريطاني اليهودي هربرت صاموئيل مذكرة اقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا، مبيّناً ما ستجنيه بريطانيا من قيام هذه الدولة في قلب العالم العربي والقريبة من قناة السويس.

4- المحطة الرابعة: محطة سايكس بيكو 1916، الذي بموجبه تم تقسيم الوطن العربي بين الدول الاستعمارية، حيث وُضعت العراق وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني، كما تم اعتبار فلسطين "منطقة دولية".

وهكذا فإن وعد بلفور، الذي نصّ على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ورد في المحطات سالفة الذكر، وإن كانت بريطانيا قد تصدرت مشهد إصداره بدعم من الولايات المتحدة، ارتباطاً بنتائج الحرب العالمية الأولى وهزيمة دول المحور التي باتت تلوح في الأفق آنذاك، وفي إطار تعديل لاحق لمساومة سايكس بيكو مع فرنسا، بإلغاء صفة أن تكون فلسطين "منطقة دولية" تهيئةً لوضعها تحت الانتداب البريطاني.

زيف نظرية ربط وعد بلفور بإنقاذ اليهود من الاضطهاد المسيحي

لقد فند المؤرخ د. عبد الوهاب المسيري النظرية التي تقول إن وعد وزير خارجية بريطانيا "آرثر جيمس بلفور" لليهود ناجم عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد، وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، وأن إنشاء "دولة صهيونية" هو أحد أعمال التعويض التاريخية.

لقد كشف المسيري زيف هذه النظرية، وبيّن أن الوعد جاء في ضوء المصالح الاقتصادية الرأسمالية والجيوسياسية لبريطانيا، مشيراً إلى مسألتين هما:

  • (أولاً) أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة البريطانية بين عامي 1903 و1905 هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا لرفضهم الاندماج مع السكان، وعمل على استصدار تشريعات تحدّ من الهجرة اليهودية، لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده.

  • (ثانياً) أن "لويد جورج"، الذي شغل هو الآخر موقع رئيس وزراء بريطانيا، لم يقل كرهاً لأعضاء الجماعات اليهودية الصهيونية عن بلفور، تماماً مثل "تشامبرلين" قبلهما، والذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق أفريقيا. وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد مثل جورج ميلنر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دوراً أساسياً في التشكيل الاستعماري الغربي.

(انظر: د. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد السادس – الجزء الثالث).

وذهب بعض المحللين إلى ربط الوعد بالسياق المصلحي الاستراتيجي لبريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى، وهو سياق لا يتنافى مع ما طرحه المسيري، بل يكمله في سياق آخر. وبهذا الصدد يقول د. خالد الحروب: "إن الغاية من إصدار الوعد كانت تستهدف تحقيق غايتين في هذا السياق الحربي: الأولى هي إبقاء روسيا منخرطة في الحرب، بخاصة بعد ثورتها البلشفية التي حملت شعارات ضد الإمبريالية والتوسع واحتلال أراضي الشعوب الأخرى. ويمكن تحقيق هدف إبقاء روسيا في الحرب من طريق استمالة ورشوة اليهود الروس المتنفذين عبر الإعلان والوعد البريطاني لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. والغاية الثانية المشابهة تماماً هي استمالة اليهود الأميركيين النافذين عبر هذا الوعد." (انظر: د. خالد الحروب – جريدة الحياة اللندنية، مقال بعنوان "وعد بلفور لم يكن وعداً عابراً بل استراتيجية بريطانية"، 24 أيلول/سبتمبر 2017).

الشعب الفلسطيني في مواجهة الوعد

في الذكرى (104) لإصدار وعد بلفور، نستذكر الفصل الرئيسي في المؤامرة الصهيو-بريطانية-الأمريكية على فلسطين، والتي تم اشتقاق آليات لتنفيذها عبر صك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر عن عصبة الأمم في 11 سبتمبر/أيلول 1922، الذي تضمّن كافة المواد التي تسهّل عملية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وانتقال الأراضي لليهود، وإقامة المستوطنات عليها، وتوفير الدعم الإداري واللوجستي والعسكري للعصابات الصهيونية، بما يضمن إقامة دولة لليهود في فلسطين.

لقد شكّل ذلك الوعد الاستعماري الظالم بداية المخطط التآمري لاغتصاب أرض فلسطين وتهجير أصحابها الشرعيين العرب، من خلال مجازر التطهير العرقي وتسهيلات هجرة اليهود إلى فلسطين، وتمكينهم من السيطرة على 78 في المائة من فلسطين التاريخية عام 1948، ومن ثم استكمال احتلالها بعد حرب 1967.

ولم يستكن الشعب الفلسطيني للمؤامرة البريطانية-الصهيونية المدعومة أمريكياً، بل قاومها عبر ثورات متصلة أعوام 1921، 1923، 1929، 1933، 1936، والثورة المتصلة من عام 1938 وحتى عام 1948. كما رفض مشاريع التقسيم التي طرحتها بريطانيا عامي 1937 و1947، وقدم على مذبح الحرية آلاف الشهداء في إطار ثوراته المتصلة والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحقه، ناهيك عن آلاف المعتقلين الذين زجّت بهم بريطانيا في سجونها الاستعمارية.

مقاربة وعد بلفور مع الوضع الراهن

إن أبرز مقارنات ومقاربات وعد بلفور مع الوضع العربي والدولي الراهن تؤكد أن التاريخ يكرر نفسه في فلسطين بطريقة مشابهة ومأساوية، نظراً لنهج القيادة المتنفذة في منظمة التحرير المتساوق مع نهج الرجعيات العربية. وتكمن هذه المقارنات فيما يلي:

1- أن الإمبرياليتين اللتين ساهمتا بشكل أساسي في صنع الكيان الصهيوني في فلسطين، وهما أمريكا وبريطانيا، لا تزالان تقدمان الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني من أجل هيمنته على المنطقة، بعد أن تم ترفيعه من مرتبة الوكيل إلى مرتبة الشريك.

2- أنه مثلما وضعت الأنظمة العربية قبل عام 1948 كل البيض في السلة البريطانية في إطار تبعيتها لبريطانيا، وفشلت في هذا السياق في دعم الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ها هي في المرحلة الممتدة من عام 1956 وحتى الآن تنقل البندقية من كتف إلى آخر، عبر وضع كل البيض في سلة إمبريالية أخرى والمراهنة عليها، ألا وهي الإمبريالية الأمريكية. وبعد أن عملت على حرف مسيرة الثورة الفلسطينية بعد عام 1967 وإدخالها في خانة التسوية – التصفية للقضية الفلسطينية، ها هي في العديد منها تتخندق الآن في خندق العدو الصهيوني وتدعمه من أجل هزيمة المقاومة في قطاع غزة بعد انطلاق معركة طوفان الأقصى التاريخية.

3- أن اتفاقيات أوسلو ومشتقاتها في المرحلة الممتدة منذ عام 1993 وحتى اللحظة جاءت لتكمل وعد بلفور، وهي امتداد جدلي له. ولا نبالغ إذ نقول إن هذه الاتفاقيات لا تقل خطورة عن وعد بلفور، فإذا كان وعد بلفور أعطى من لا يملك إلى من لا يستحق، فإن اتفاقيات أوسلو أعطت من يملك إلى من لا يستحق، وصادرت على كل مخرجات الثورة الفلسطينية وإنجازاتها الكبيرة منذ عام 1965.

4- إن الإمبريالية الأمريكية، مدعومة من ذيلها بريطانيا، لا تزال تقدّم الوعود تلو الوعود المكملة لوعد بلفور، لضمان إبقاء ما تبقّى من الوطن الفلسطيني تحت الهيمنة الإسرائيلية. فكان وعد بوش (رسالة الضمانات) التي قدّمها بوش لشارون في نيسان 2004، والتي تؤبّد المستوطنات في الضفة الغربية، وتضمن عدم العودة إلى حدود 1949 في أية تسوية قادمة، وتشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

وكان وعد أوباما عامي 2009 – 2010، الذي يضمن الاعتراف بشرعية الكتل الاستيطانية الرئيسية القائمة في الضفة الفلسطينية، ويضمن الالتزام بيهودية دولة (إسرائيل)، ويرفض تجميد الاستيطان بشكل دائم كشرط لاستئناف عملية السلام المزعومة، ويطالب فقط بتجميد الاستيطان لمدة 60 يوماً، مقابل رسالة ضمانات يتعهد فيها بتقديم دعم مالي وتسليحي غير مسبوق. ويعتبر الحركة الصهيونية حركة تحرر وطني كافحت على مدى عصور وعقود من أجل العودة إلى "أرض الآباء والأجداد"؟! (راجع خطاب أوباما في الجامعة العبرية عام 2010).

وكان وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في السياق النظري والإجرائي لـ"صفقة القرن" يناير (كانون الثاني 2020)، الذي يستجيب بالكامل للشروط الإسرائيلية، بشأن شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال العمل على تجفيف مصادر وكالة الغوث كخطوة على طريق حلّها، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، والاعتراف بالقدس بشطريها عاصمة موحّدة (لإسرائيل)، وحلّ القضية الفلسطينية في السياق الاقتصادي والمعيشي، وليس في سياق حق تقرير المصير.

وأخيراً – خامس هذه المقارنات: أنه تم استبدال المندوب السامي البريطاني في فلسطين في مطلع عشرينات القرن الماضي "هربرت صموئيل"، بالمندوب الأمريكي السامي "كيت دايتون" في عهد الرئيس بوش الابن في مطلع الألفية لإجهاض انتفاضة الأقصى. وفي المرحلة الراهنة يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تنصيب مجرم الحرب توني بلير مندوباً سامياً في قطاع غزة.