الكوفية :
منذ أن ظهرت المناضلة "ليلى خالد" عضو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالكوفية الفلسطينية، حين حوّلت مسار طائرة تربط بين "لوس أنجلوس" و "تل أبيب" عام 1969 من مطار روما نحو دمشق، واشتُهرت آنذاك بصورتها التي تظهر فيها ملثّمة بالكوفية وتحمل الكلاشنكوف .. منذ ذلك الوقت والكوفية ترتدي نضال الفلسطيني، يتوشحها حلماً للعودة، ورايةً تخفق أملاً في استرجاع حقوقه المغتصبة، لدرجة أن الباعة في ذلك الوقت كانوا يحفّزون على لباس الكوفية والعقال أو "الحطّة" بدل الطربوش، باللهجة الفلسطينية، وينادون "الحطة والعقال بخمس قروش، والنذل لابس طربوش" .
هذه الأيقونة الرمز يعود تاريخ تداولها في فلسطين إلى عام 1936 زمن الاحتلال البريطاني، فقد اتخذها المقاتلون لإخفاء وجوههم، فصارت وسيلة لتفادي الاعتقال من قبل الجيش الإنكليزي، وشاركت النسوة الفلسطينيات في ارتداء هذه الكوفية تضامناً مع المقاتلين، ومنذ ذلك الوقت أضحت الكوفية رمزاً وطنياً للفدائي الفلسطيني مميزاً يوحد جميع الفلسطينيين ويحل محل "الطربوش"، حيث قرر زعماء الثورة الفلسطينية لأسباب رمزية سياسية توحيد لباس الرأس عند الفلسطينيين، وكان قد ارتداها القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني، أحد رموز الحركة الوطنية الفلسطينية التي جابهت الجيش البريطاني والعصابات الصهيونية منذ بدء الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 .
اعتُبرت الكوفية بمثابة العلم غير الرسمي لفلسطين بما تمثّله نقوشها من تراث فلسطين وتاريخها، فالأوراق السوداء حول إطارها تمثّل أوراق شجر الزيتون التي تشتهر به فلسطين، وتمثل نقشة شبكة الصيد تاريخ البحارة الفلسطينيين، إذ ترمز للعلاقة بين البحّار الفلسطيني والبحر الأبيض المتوسط، في حين يمثّل الخط العريض الطرق التجارية التي كانت تمر عبر فلسطين ويرمز لتاريخ طويل من التجارة والسفر والتبادل الثقافي كما تقول الكاتبة الفلسطينية سوزان أبو الهوى.
أخذت الكوفية طابعاً عالمياً إبّان ظهور ياسر عرفات وهو يتوشحها عند دخوله مقر الأمم المتحدة، وقد كان يرتديها غالباً على شكل خريطة فلسطين .
أصبحت الكوفية رمزاً للتعبير عن التضامن العالمي مع الفلسطينيين، وشغلت حيّزاً من الذاكرة الجمعية لنضال الشعب الفلسطيني ورمزا للاحتجاج يتوشحها المتظاهرون، وانتشرت ملصقات التضامن مع الشعب الفلسطيني التي قد تكون المناضلة ليلى خالد بوشاح الكوفية الذي ترتديه أشهرها، وفي هذا الصدد يقول "تيد سويدنبرغ" أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة "أركنساس" الأمريكية أن الكوفية تجاوزت العالم العربي وأصبحت لباساً مفضلاً لدى المتظاهرين السياسيين ورمزاً للمقاومة، حيث ارتداها مناهضون للإمبريالية العالمية أيضاً مثل الزعيم الكوبي "فيدل كاسترو" .
لقد عَبرت الكوفية الفلسطينية حدود التاريخ والجغرافيا، فأصبحت جزءاً من الحركة المناهضة للحرب في جميع أنحاء العالم، واليوم رأيناها رمزاً وطنياً يلتحفه المتظاهرون المطالبون بوقف "المقتلة" الغزّاوية تعبيراً عن تضامنهم مع غزّة وأهلها.
المفتاح :
تتعدد الرموز التاريخية لـ "المفتاح"، فهو رمز ثقافي في الأدب كما ورد في الأدب اليوناني الكلاسيكي، واستخدامه رمزاً للسيطرة على العالم المادي والفكري .. كذلك في العالم الإسلامي بما يمثله مفتاح "الكعبة" في مكة من سلطة روحية وإدارية، إضافة إلى ما تمثله رمزية المفتاح لمفاتيح "كنيسة القيامة" التي يحملها الفلسطينيون كجزء من تاريخهم وثقافتهم ومعتقداتهم، وبذلك يكون رمز المفتاح أفقاً لعوالم متعددة تعبّر عن قدرة الإنسان على فتح الأبواب والوصول إلى أسرار الكون .
تمتد رمزية المفتاح لتطال كل إنسان حر يلوذ به ملجأً لبيته وترسيخاً لحقه الطبيعي في الوجود، فهو رابط تاريخي ببعده الإنساني للتفاعل بين الماضي والحاضر، فأضحت "مفاتيح العودة" رمزاً وطنياً يلوّح به المهجرون الفلسطينيون في وجه شعوب العالم ليثبتوا أنهم أصحاب حق وأنهم متمسكون بهذا الحق مهما بلغت التضحيات، وإشارةً إلى ذكرى النكبة بصفته ترسيخاً لثقافة حق العودة لدى جيل ما بعد النكبة .. ثقافة التمسك بحق العودة لدى أولادهم وأحفادهم، فأورثوهم "المفتاح" الذي يحتفظون به لبيوتهم القديمة ثقافة لا تقبل المساومة ولا التنازل، وردّاً على المقولة الإسرائيلية العنصرية "سيموت الكبار وسينسى الصغار" والتي أُطلقت لشطب حق عودة الفلسطينيون إلى ديارهم.
مما لا شك فيه أن صورة المفتاح الفلسطيني بحجمه الكبير وصناعته اليدوية التقليدية، رُسِمَت لتظهر أن وجوده أقدم من وجود الكيان المحتل، وهو رمز مهم وأيقونة ذكرى تُمثّل حق العودة للفلسطينيين واستعادة بيوتهم المغتصبة، ويعبّر عن حق الفلسطيني في بيته الذي هُجّر منه قسراً في عام النكبة، ترقباً وانتظاراً للحظة العودة المرتقبة، فأضحى رفيقاً ملازماً لكل فلسطيني في الشتات، بل وفي الداخل أيضاً، وقد توارثته الأجيال الفلسطينية رمزاً لحق العودة ليصبح أيقونة ثقافية لا تقتصر على اعتباره وسيلة وأداة لفتح الأبواب فقط، بل تأكيداً راسخاً في التشبث المكاني للأرض التي سُلِبت منهم عنوة ، فهو يمثّل رمزاً قوياً للهوية الفلسطينية وحلم حقهم بالعودة إلى البيت الفلسطيني، فنراه في أعناق النساء وجيوب الرجال ليصبح جزءاً أساسياً من مكونات الذات الإنسانية الفلسطينية التي ترفض الهجرة القسرية للبيت الفلسطيني، وتستشرف أمل العودة للأجيال القادمة كي لا تنسى حقّها في أرضها، هذا الأمل الذي لا زال عامراً في قلوب الفلسطينيين ووجدانهم..ولأن الموت وحده يمنع عودتهم، فقد أورثوا مفاتيحهم لأجيالهم يواصلون السير إلى الأبواب الخشبية العتيقة لبيوتهم ، فنرى أن معظم العوائل الفلسطينية حافظت على مفاتيح بيوتها التي هُجّرت منها، وأورثوها لأبنائهم جيلاً بعد جيل إثباتاً لحقهم في الأرض والهوية، ولهذا فقد حفظت الجدّات المفتاح الفلسطيني معلقاً في صدر البيت على الجدار، أو خبّأته في صندوقها الخشبي التراثي مع مقتنياتها الشخصية، أو طرّزته أناملهن على القماش، أو قلادة في أعناقهن لأن المرأة الفلسطينية أحرص من غيرها على حمل مفتاح البيت فهي أكثر أفراد العائلة تشبثاً بالبيت والتصاقاً بذكرياته بحلوها ومُرّها، فآثرت أن تحمله لإثبات ملكية عائلتها له، فهو بمثابة سند قانوني تقاضي به من يغتصبه.
لقد برز المفتاح في الأدب الفلسطيني مكوناً أساسياً في الثقافة الفلسطينية، ورمزاً يمثّل خصوصية وطنية لقضيتهم .. فظهر في أعمال المبدعين الفلسطينيين من فنانين وأدباء وشعراء، وكذلك ظهر في قصص الأطفال، والمسرح، والتصوير الفوتوغرافي، والسينما، والفنون الشعبية، والفن التشكيلي، والنحت، وغيرها من الآداب والفنون ، حيث جُسّد في العديد من الروايات والقصص مثل قصة السيدة أم حلمي التي زيّنت جدران منزلها بثلاثة مفاتيح قديمة لتبقى ذكرى في نفوس أولادها وأحفادها، كما ظهرت اللوحات الفنية التي تصوّر المفتاح رمزاً للتمسك بحق العودة، وكذلك السينما مثل الفيلم الوثائقي "مفاتيح" الذي يحكي قصص اللاجئين المهجرين عنوة من ديارهم عام النكبة ومُنعوا من العودة إليها، فها هو الشاعر "أبو سلمى": "خرجتُ مع مفتاحي وقصائدي.. وَقَعَت قصائدي في البحر، وظلّ المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي"، وبكى.. مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد.
وبذلك تترسخ أيقونة المفتاح ركناً مهماً من الثالوث الفلسطيني الذي يَسِمُ روح المقاومة والنضال لدى الفلسطيني وإصراره على استعادة أراضيه المغتصبة .
البطيخ الأحمر :
بعد النكسة عام 1967، وعندما سيطر جيش الاحتلال على غزّة والضفة الغربية، منعت الحكومة الإسرائيلية رفع العلم الفلسطيني، واعتبرت رفعه جريمة يُعاقب عليها، فظهر حينها البطيخ الأحمر رمزاً فلسطينياً لأول مرة من رموز النضال ضد الاحتلال بسبب تشابه ألوانه مع ألوان العلم الفلسطيني.. وفي ذلك يُشير الكاتب "وسام السيد" إلى أن الفلسطينيين استخدموه لتجاوز ذلك المنع، لأنه عند تقطيعه تظهر ألوان العلم الفلسطيني "الأحمر والأسود والأبيض والأخضر" .
ولم يكن ذلك هو السبب الوحيد فقط، لكن لارتباط فاكهة البطيخ الأحمر بأرض فلسطين التي اشتهرت بزراعته قبل نكبة 1948، حيث يُشير بعض الباحثين إلى أن المستوطنين جلبوا معهم بذوراً من البطيخ الأحمر مع بدء الاحتلال مختلفة عما هو موجود في فلسطين، وأغرقوا الأسواق ليُخرجوا البطيخ الفلسطيني من المنافسة، لكن المزارع الفلسطيني استطاع التمييز بين بطيخ فلسطين وبطيخ المستوطنين، فكانوا يحتفظون بالبطيخ الفلسطيني ويستخدمون الآخر في رمي دبابات الاحتلال .
تعود رمزية البطيخ الأحمر في فلسطين إلى انتشار زراعته بشكل كبير، وبات جزءاً لا يتجزأ من ثقافة وتقاليد شعبها .. ففي أيام الموسم في فصل الصيف الحار لا يغيب البطيخ عن موائد الفلسطينيين الذين يتناولونه مع الجبن وخبز الطابون "فرن طيني لخبز الخبز"، ويعتبر رمزاً للانتعاش والراحة، فيمثل فصل الصيف بقيظه وحرارة شمسه اللاهبة الاحتلال، في حين أن الانتعاش والراحة والبرودة التي يمنحها البطيخ تلافياً للحر يمثل الروح الفلسطينية، مما يعطي انطباع القوة والصمود فيه ويعكسان إرادة البقاء .
ومنذ اندلاع الحرب على غزّة عام 2.23، شهد رمز البطيخ الأحمر انتعاشاً في شعبيته، فكان رمزاً تعبيرياً على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة لإظهار الدعم لفلسطين، وتكرر الأمر بعد منع جيش الاحتلال الشعب الفلسطيني من رفع العلم احتفالاً بأسراه المحررين، فظهر على اللافتات والقمصان وضمن منشورات التواصل الاجتماعي، وأصبح رمزاً للتضامن مع القضية الفلسطينية يجمع الناشطين الذين لا يتحدثون نفس اللغة أو ينتمون إلى الثقافة عينها، فها هي الشاعرة الأمريكية "آرا سيليس جيرماي" تقول في قصيدتها "تحية للبطيخ:"
"في فلسطين
حيث التلويح بعلم فلسطين جريمة
تُرفع أنصاف بطيخ أحمر
في وجه القوات الإسرائيلية
كُرمى للون الأحمر والأسود والأبيض والأخضر
لفلسطين"
أما الصحفي "جون كيفتر" فيقول في الـ "نيويورك تايمز" عن البطيخة :
"في قطاع غزّة، حيث كان يُقبض على الشباب لحملهم شرائح البطيخ إظهاراً لألوان علم فلسطين ذي اللون الأحمر والأسود والأخضر، يقف الجنود متفرجين، بينما تسير المواكب ملوّحة بالعلم الذي كان محظوراً ذات يوم" .
كما أن الفنانة الكوميدية البريطانية "شوميرون نيسا" فقد أنشأت فلاتر للبطيخ على "تيك توك" وشجعت متابعيها على إنتاج مقاطع فيديو باستخدامها، وتعهدت بتقديم جميع العائدات للجمعيات الخيرية التي تدعم غزّة .
ويُطلق الكاتب "مهدي صباغ" المولود في القدس صرخته المدوية: "عندما أرى البطيخ، أفكر في روح شعبنا التي لا تنكسر" .
كما أنتج الفنانون الفلسطينيون بعد الانتفاضة الثانية أعمالاً فنية تصور البطيخ الأحمر كرمز للمقاومة، فقد خلّد الفنان الفلسطيني "خالد حوراني" إرث "مقاومة رفع العلم الفلسطيني" عبر تصميم لوحة لكتاب يحمل عنوان "الأطلس الذاتي لفلسطين" وسرعان ما اشتهرت اللوحة، فتم عرضها في العديد من المعارض الفنية حول العالم.
لقد كان البطيخ الأحمر رمزاً للتمسك بالهوية والأرض، وتجسيد قوة الإرادة، والصمود في وجه التحديات والاحتلال، فرؤيته توحي بالأمل والثبات في ظل الظروف الصعبة، وتعكس رغبة الفلسطينيين في الحرية والعدالة، وإقامة دولتهم المستقلة.
وإننا إذ لا ندرجه في الثالوث الفلسطيني وفق قناعتنا رغم أهميته، فذلك لأنه لا يشكل رمزاً يحمل ثقل ذاكرة السابقين أو الأهمية الثقافية ذاتها، فهو، أي البطيخ، كما الزيتون الفلسطيني والبرتقال اليافاوي، رموز وأيقونات نضالية محرضة ودافعة لاستمرار الوجود الفلسطيني بتراثه وتاريخه وعَلَمه ونشيده الوطني .
برتقال يافا :
اشتُهر البرتقال الفلسطيني باسم "البرتقال اليافاوي" نسبة إلى مدينة يافا الفلسطينية التي تشتهر بزراعته والذي يُعرف بقشرته السميكة وعصارته الكثيرة الزاهية وبطعمه الحلو السكري.
بعد النكبة أصبح اللون البرتقالي عنصراً قوياً لحركات المقاومة الفلسطينية، فظهرت اللوحات التعبيرية التي تمثل امرأة فلسطينية شابة تحمل البرتقال بين البساتين، تُمثّل مشاعر الفخر الفلسطيني على أرضه ورمزاً للانتماء إلى أرض فلسطين وماضيه المتجذر فيها، وكذلك رمزاً قوياً للمقاومة الفلسطينية، وثمرة تبلل عروق النازحين الجوعى وتسد رمقهم في ظل أوضاعهم البائسة .
عدّه بعض الباحثين من أهم الموارد الطبيعية التصاقاً بالذاكرة الفلسطينية في تاريخ مقاومتها ونضالها، فقد بقيت أشجار البرتقال وثماره رمزاً لحنين الفلسطيني لمدنه وقراه التي احتلها الإسرائيلي، وبقيت ماثلة في ذهنه أيقونة لعودته إلى أرضه ومعبراً عن حياتهم قبل النكبة لدرجة أن "جريدة فلسطين" اقترحت عام 1929 أن يكون اللون البرتقالي أحد ألوان العلم الفلسطيني لأهميته وارتباطه بالحياة اليومية الفلسطينية والوعي الفلسطيني وذاكرته.
تناول الفنانون البرتقال الفلسطيني في أدبهم ولوحاتهم الفنية وأغانيهم وأهازيجهم الشعبية رمزاً لاستمرارية التواصل مع روح المقاومة والتواصل مع الأجيال باستخدامه رمزاً وطنياً فلسطينياً زرعه الفلسطينيون على أرضهم .. فاستعرض الأديب الشهيد " غسان كنفاني " في قصته "أرض البرتقال الحزين" ارتباط البرتقال بالذاكرة الفلسطينية مؤكداً عمق الارتباط بين الأرض وبينها المبنية على العلاقة الوطيدة بين المزارع وأرضه ليصبح جزءاً أساسياً من السردية الفلسطينية بما يمثله من الحنين للأرض المشبع بوجع الحسرة .. ويؤكد على فلسطينية البرتقال بعبارته الشهيرة "إن البرتقال يذبل إذا ما تغيّرت اليد التي تتعهده بالماء".
كذلك غرّد محمود درويش: "أحب البرتقال وأكره الميناء"، دلالة عشق الوطن ورفض التهجير الذي أشار له برمز الميناء، ويوضح الشراكة بين الفلسطيني وبين البرتقال: "كان الخريف بمر في لحمي جنازة برتقال" .
إضافة لدلالة البرتقالة التي استخدمها الفنانون في لوحاتهم مثل الفنان "رائد القطناني" الذي صوّر بلوحاته البرتقال الحقيقة والدليل الدامغ على حق الفلسطيني بأرضه مع توارث أجياله، فصوّر الشخصيات في لوحته بشكل ضبابي أما البرتقال فكان واضحاً جليّاً، بإشارة رمزية منه أن الأشخاص تزول وتتجدد أما البرتقال فيبقى راسخاً وحاضراً ومواكباً للأجيال الفلسطينية القادمة، أما الفنان "عبد العزيز إبراهيم" فيصوّر نزيف الدم الفلسطيني بلوحته التي تربط الأسلاك الشائكة بالبرتقال.
الزيتون الفلسطيني :
من منا لا يتذكر علاقة الزيتون بقلب الشاعر محمود درويش وفلسطين في قصيدته "أوراق الزيتون":
"لو يذكر الزيتون غارسه
لصار الزيت دمعاً".
شجرة الزيتون، ترمز إلى عمق الفلسطيني المتجذّر في تراب وطنه .. هذه الشجرة المعمرة التي تُعطي معنى الصلابة والقوة في المقاومة وفي تجذر التراث الفلسطيني .. هي رمز الوطن، تاريخه، تراثه، حضارته، مقدساته في عقائده الدينية الإسلامية والمسيحية، رمز الخلود والبقاء، رمز السلام والأمن.. وتمثل رمزاً لعمق جذور الفلسطيني في أرضه، ومتانة صموده، وتصميم مقاومته، فاتخذ منها الشعراء الفلسطينيون أيقونة لترسيخ الصمود والمقاومة واستمرار البقاء والحياة والحفاظ على هويتهم الثقافية والوطنية الفلسطينية رغم كل محاولات المحتل الصهيوني اقتلاعها كما التهجير القسري اعتقاداً منه أنه يمحو تاريخاً متأصلاً في التاريخ الفلسطيني وتراثه، إلا أنه لم يُفلح في زعزعة إيمان الفلسطيني برموزه التاريخية الوطنية .
غالباً يُشار إلى شجرة الزيتون في القرى الفلسطينية بـ "شجر الزيتون الروماني" للدلالة على عراقتها في فلسطين، وليمتد ذاك إلى الأغاني الشعبية وما وثّقته من تناقل للأجيال تحقيقاً لحق الفلسطيني في أرضه مثلما صدحت الفنانة "طلال أبو آمنة":
"يا زيتون الحواري
صبح جدادك ساري
يا زيت اقلب ليمون
اقلب مسخن في الطابون".
حيث تتبدى علاقة الفلاح الفلسطيني بنسيج مطرّز العاطفة مع شجرة الزيتون عبر الأجيال .. ففي عام 2..5 وُضعت شجرة الزيتون على اللائحة الوطنية ضمن موضوع "فلسطين أرض الزيتون والكرامة" مثلما أشار الباحث "حمدان طه" موضحاً جدلية العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وشجرة الزيتون، لأنها تشكل جزءاً مهماً من المشهد الثقافي والبصري في فلسطين والتي حفظت في أسماء عشرات البلدات والقرى مثل "بير زيت، زيتا، طور زيتا، جبل الزيتون.." ، وكذلك أسماء الأشخاص والعائلات التي تحمل اسم "زيتون، الزيات .." ، كما يؤكد الباحث المذكور على إدراجها على لائحة التراث العالمي كجزء من التراث الثقافي للشعب الفلسطيني.
وبذلك تعتبر شجرة الزيتون رمزاً متجذراً أصيلاً يربط الفلسطينيين بأرضهم دلالة على أحقيتهم بأرضهم وأمنهم وسلامهم وتأكيداً على عروبتهم منذ عهد الكنعانيين العرب، ولذا فإن الدفاع عن شجرة الزيتون وزراعة المزيد منها هو شكل من أشكال صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني ودفاعه عن أرضه . وهي الرمز الأقوى لتشبثهم بأرضهم .
أخيراً، فإن كل هذه الرموز والأيقونات تعتبر تراثاً حقيقياً متأصلاً في ثقافة ووعي الشعب الفلسطيني، وحقاً لكل منها أن يكون ركيزة أساسية صلبة لا بد منها في أي ثالوث يتم اختياره من أي باحث أو مفكر .

