Menu

معضلة نتنياهو: اقتلاع الفلسطينيين والحسم على صعيد الوعي

إبراهيم أبوليل

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1550)

بعد عامين من العدوان على قطاع غزة وجرائم الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، يخفق الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق الأهداف التي أعلنها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو"استعادة الأسرى والقضاء على المقاومة". ومنذ أشهر ونتنياهو يعمل لنثر ستار دخان من الوعود العابثة؛ عن تحقيق أهدافه التي يتحدث عنها تحت شعاراته الجوفاء مثل "النصر المطلق"، مع تكرار بيانات "الكابينيت" الإسرائيلي والتصريحات التي يدلي بها نتنياهو، لعبارة أن "إسرائيل في مرحلة الحسم النهائي في قطاع غزة"، بدأ يتضح الهدف الحقيقي للحرب الأكثر رعباً في حياة الإسرائيليين، مع إقرار أبواق اليمين الإسرائيلي المتطرّف بأن الحسم الأكثر أهمية من الحسم في ميدان القتال، هو على صعيد الوعي الذي يتخذ في العقل الفلسطيني معنىً وجودياً، وأن الحسم مع الفلسطينيين يتم عبر اقتلاعهم من أرضهم.

يسابق نتنياهو الزمن في ظل الصراخ الذي يعلو في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، واحتجاجات عائلات الأسرى وخوفهم على أبنائهم من أن يفقدوا حياتهم، إلا أنه يحظى بالتصفيق والهتافات من قاعدته السياسية والتيار الصهيوني المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، على خلفية الجرائم التي يرتكبها بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث تحولت الحرب تدريجياً إلى نوع من التحدي الوجودي بالنسبة لهم، وهذا التحدي هو فكرة راسخة في الوعي الفلسطيني وتنبع منه كل أشكال المقاومة. وبموجب المستشار الاستراتيجي الإسرائيلي بوعز ليبرمان وحديثه الذي أكده لموقع "القناة 7 الإسرائيلية" اليميني المتطرّف بتاريخ (18/8/2025)، فإن غزة قبل أن تكون ساحة معركة عسكريّة هي ساحة معركة فكريّة. ولهذا أمر نتنياهو الجيش الإسرائيلي بـ"هدم مدينة غزة واقتلاعها من جذورها"، وذلك وفقاً للخطة المختصرة التي اقترحها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لتحويل غزة بأكملها إلى "غنيمة عقارية"، وفقا للخطة الشاملة التي اقترحها وزير المالية وزعيم تيار الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش“. إذ كشف النقاب عن المصالح التي تختبئ خلف جرائم الإبادة والخطط العسكرية العدوانية: عربات جدعون الأولى، وبعدها عربات جدعون الثانية، ولاحقاً ربما الثالثة، هي أسماء رمزية عسكرية لإعداد منطقة غزة لتكون "واحة عقارية".

إن مجرد الإعلان عن الخطة، وأن وزيراً مؤثراً في الحكومة الإسرائيلية يعرضها كــ "خطة تجارية"، ويتم نقاشها مع الإدارة الأمريكية، يدل على الفجوة بين تصريحات رسمية لنتنياهو الذي يحاول نسج وعود فارغة حول استعادة الأسرى وإنهاء المقاومة، وبين التطلعات الاستعمارية – الاقتصادية التي تسود في الغرف المغلقة. ويأتي ذلك في سياق التنفيذ العملي للمخططات الصهيونية العنصرية، من أجل فرض الحلول السياسية للقضية الفلسطينية وفق التصورات الصهيونية. وقد كانت هذه الحلول موضع نقاش وبحث في مراكز الأبحاث الإسرائيلية، منذ عام 2000 عندما شرعت النخب والقيادات الإسرائيلية بالحديث عن التحدي الديمغرافي وما اعتبرته "خطر القنبلة الديمغرافية" الذي يهدد مستقبل الوجود الصهيوني في فلسطين. ويتجلى تنفيذ تلك المخططات من خلال التوغل الاستيطاني الذي يحاصر الضفة الغربية ويقطّع أوصالها، وعزل مدينة القدس المحتلة عن باقي مدن الضفة وتهويدها بالكامل، للحيلولة دون قيام أي كيانية فلسطينية فيها، إضافة إلى التخلص من قطاع غزة الذي يشكل معضلة حقيقية للقيادة الإسرائيلية، وعقبة كأداء أمام المخططات الصهيونية التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية. وقد كشفت صحيفة "إسرائيل اليوم" المقرّبة من نتنياهو الأهداف الحقيقية لحرب الإبادة، عندما تحدّثت عن خطّة التهجير هذه، وكتبت إن نتنياهو يريد "تنحيف" قطاع غزّة سكّانياً بتهجير أكبر عدد من الفلسطينيين منه. وطرحت الصحيفة سيناريوهات إضافية للتهجير عبر معبر رفح، مثل تهجير السكّان على متن السفن كما جرى للفلسطينيين من سكّان المدن الفلسطينية في نكبة عام 1948.

هذا النمط من التفكير لدى الإسرائيليين ليس جديداً، بل كان تفكيراً جوهرياً لدى آباء الحركة الصهيونية من أجل إنشاء دولة يهودية قابلة للحياة، وبعد إنشائها كان إقناع العرب، من خلال بناء "جدار حديدي" عسكري لن يتمكنوا من إخضاعه، بالموافقة على إقامة دولة يهودية وانهاء الصراع. ذلك أن فكرة اقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم قسراً إلى خارج أراضيهم، هي متأصلة في الحركة الصهيونية وفي تفكيرها، كما في ممارساتها الميدانية. وقد تحولت هذه الفكرة إلى برنامج علني ورسمي، جرى طرحه في الائتلاف الحاكم الذي تزعمه أريئيل شارون عام 2001، ما أضفى شرعية علنية على هذا الموضوع. وقد تبنى هذا البرنامج علناً أحد رموز التيار الديني الوزير المقتول رحبعام زئيفي الذي تمت تصفيته على أيدي مقاتلي الجبهة الشعبية لتحري فلسطين. غير أنّ زئيفي نفسه أكد أنه استقى فكرة التهجير من آباء الحركة الصهيونية. ففي واحد من مقالاته الكثيرة في هذا الشأن، وهو بعنوان "الترحيل من أجل السلام" والذي نشره في صحيفة "هآرتس" في 17 آب/ أغسطس 1988 كتب قائلاً: "صحيح أنني أؤيد ترحيل عرب الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدول العربية، لكنني لا أملك حق ابتكار هذه الفكرة، لأنني أخذتها من أساتذة الحركة الصهيونية وقادتها، مثل ديفيد بن غوريون الذي قال من جملة أمور أخرى - إن أي تشكيك من جانبنا في ضرورة ترحيل كهذا، وأي شك عندنا في إمكان تحقيقه، وأي تردّد من قبلنا في صوابه، قد يجعلنا نخسر فرصة تاريخية".

وفي الحقيقة، لقد أخفق قادة الاحتلال الإسرائيلي في كسر الإرادة الفلسطينية، ولم يتمكن الجيش الإسرائيلي من التغلب على الوعي الفلسطيني اعتماداً على مفهوم "الجدار الحديدي" الذي طرحه اليهودي المتطرف فلاديمير جابوتنسكي في عشرينيات القرن العشرين، واستند عليه ديفيد بن غوريون الذي كتب وثيقة نظرية لما يسمى "الامن القومي الإسرائيلي" عام 1953، وهي بمثابة تقييم استراتيجي لعمل الجيش الإسرائيلي، دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل التاريخية التي تجعل من الفلسطيني عصياً على الاقتلاع، ويكون هو الغالب على صعيد الوعي الذي يتحول إلى مقاومة ضد محاولات النفي والاقتلاع. في حين أن الكيان الصهيوني دفع في تاريخه ثمناً باهظاً لالتزامه بمفهوم أمني يقوم على "الردع والحسم" لم يصمد أمام الاختبار في الصراع مع المقاومة، وهو بحسب قادة الاحتلال والنخب والمفكرين الإسرائيليين، أمر خطير ويهدد مستقبلهم الوجودي. ويرى البعض أن ظاهرة مزقتها الحرب مثل الكيان الصهيوني لا تملك بعد عقيدة أمنية محدثة لها عواقب سلبية كبيرة، أولا وقبل كل شيء الافتقار إلى "البوصلة الأمنية" التي يمكن لصناع القرار من خلالها صياغة قراراتهم.

من خلال كل ما هو معروف، وما أظهرته الحرب الحالية في قطاع غزة، يتضح أن الإخفاقات التي أصيب بها الجيش الإسرائيلي وقادته في معركة البقاء؛ التي يخوضها الشعب الفلسطيني على أرضه طيلة عقود الاحتلال، هي نفسها ما زالت قائمة، وقد أضيفت إليها إخفاقات جديدة منذ السابع من أكتوبر 2023.