Menu

سياسة الإبادة المنهجية واستنزاف الوجود في غزة والضفة الغربية خلال فترة ما بعد وقف إطلاق النار

د. سعيد سلام

يمثل وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي أُعلن في 5 أكتوبر 2025، نقطة تحول كشفت عن السياسة المنهجية الإسرائيلية لاستغلال التسويات المؤقتة كآلية للتقويض والاستنزاف الممنهج، مما يرسخ استمراراً لحرب الإبادة الجماعية التي دخلت عامها الثالث. هذا الاتفاق، الذي جاء بضغوط دولية وبرعاية أمريكية كجزء من "خطة ترامب"، لم يكن سوى هدنة هشة ومؤقتة سقطت عملياً تحت وطأة تصاعد الخروقات الإسرائيلية التي تجاوزت 250 خرقاً موثقاً منذ سريان الاتفاق في 5 أكتوبر 2025، وشملت استهدافات مباشرة وقصفاً مستمراً حتى 10 نوفمبر 2025، وفق تقارير أممية وإعلامية. وقد أسفرت هذه الخروقات عن استمرار سقوط الضحايا، حيث أكدت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة بتاريخ 8 نوفمبر 2025 أن إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء سريان وقف إطلاق النار (10 أكتوبر 2025) قد وصل إلى 241 شخصاً، بالإضافة إلى مئات الوفيات الناتجة عن الكارثة الإنسانية المفتعلة. وقد ارتفعت الحصيلة الكلية للشهداء منذ أكتوبر 2023 إلى 69,176 شهيداً وفق إعلان الوزارة بتاريخ 9 نوفمبر 2025. كما أفادت الوزارة في تقرير لها بتاريخ 8 نوفمبر 2025 أن عدد الأشخاص الذين تم إضافتهم إلى الحصيلة الإجمالية بعد التحقق من هوياتهم واستخراج جثامينهم ما بين 31 أكتوبر و7 نوفمبر هو 284 شخصاً، ليتحول الاتفاق إلى غطاء لتثبيت واقع احتلالي جديد يعمق الأزمة في غزة والضفة الغربية معاً.

لقد كانت الخروقات الإسرائيلية استراتيجية واضحة وممنهجة لـعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من التسوية وتثبيت واقع جغرافي-أمني جديد يتعارض كلياً مع بنود الهدنة الأساسية. استمر القصف المدفعي والاستهدافات المباشرة على تجمعات النازحين والأعيان المدنية، متجاوزاً خطوط التماس المتفق عليها، وهذا التصعيد المتعمد يهدف إلى ترسيخ مناخ من الرعب الدائم وتقليص إمكانية العودة الطوعية والآمنة للسكان إلى منازلهم المدمرة، مما يخدم سياسة التطهير السكاني الصامت.

كما استغلت إسرائيل فترة الهدنة لـتوسيع وتثبيت المنطقة العازلة على طول الحدود وإنشاء محاور فصل دائمة داخل القطاع، مثل "الخط الأصفر"، مما يهدف إلى تقسيم غزة جغرافياً ووظيفياً، والهدف الأعمق هو إلغاء الربط السياسي بين غزة والضفة الغربية كشرط مسبق لأي حل مستقبلي. والأخطر من ذلك هو السيطرة الكاملة وغير القابلة للتفاوض على "كوريدور فيلادلفيا" (محور صلاح الدين)، مما يمثل خرقاً صريحاً لأحد أهم بنود الاتفاق ويثبت واقع احتلالي جديد يعيق أي تواصل مستقبلي أو حل سياسي قابل للحياة للقطاع بأكمله. واستمرت الهجمات الجوية والبحرية في جنوب وشرق غزة، خاصة في محيط خان يونس ورفح، حيث تم نسف مبانٍ بشكل متزايد، في موازاة حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية، مما يؤكد على أن استراتيجية الإبادة قائمة على تدمير البنية التحتية والمباني كجزء من العقاب الجماعي.

وفي السياق السياسي الداخلي، تُعد هذه المراوغة وتأخير الانسحاب تكتيكاً رئيساً يهدف إلى تحقيق هدف النجاة السياسية لنتنياهو. فبعد استكمال عمليات استعادة الرهائن، تحولت أولويته إلى إسكات الضغوط الشعبية المطالبة بصفقة شاملة وإرضاء تيار اليمين المتطرف. يتم ذلك عبر تبرير عدم التوصل لصفقة تبادل كبرى بحجة أن "الوقت لم يحن بعد" أو أن "الضغط العسكري هو الطريق الوحيد"، مما يضمن بقاءه في السلطة أطول فترة ممكنة، ويُمكنه من الاستمرار في إرضاء الائتلاف الحاكم الذي يعارض أي تنازلات جوهرية.

بالتزامن المباشر مع خروقات وقف إطلاق النار في غزة، تصاعدت سياسة التطهير المنهجي في الضفة الغربية و القدس ، معتمدة على تقاسم الأدوار بين جيش الاحتلال والمستوطنين لترسيخ الاستيطان وتفكيك الخصائص الجوهرية للوجود الفلسطيني وإلغائه. هذا التنسيق الممنهج يهدف إلى استغلال الانشغال الدولي بغزة لتسريع تغيير الواقع الديمغرافي في الضفة والقدس.

في القدس المحتلة، تتركز الانتهاكات على محاور التهويد المباشر، حيث أفادت محافظة القدس أن سلطات الاحتلال طرحت مناقصتين لبناء 356 وحدة استيطانية في مستوطنة "آدام" قرب بلدة جبع، وهذه الخطوة تندرج ضمن تنفيذ "مشروع القدس الكبرى" الهادف للسيطرة على السفوح الشمالية الشرقية ومحاصرة الوجود الفلسطيني. كما تتواصل حملات هدم المنازل والإخلاء القسري، حيث تم إجبار ثلاث عائلات على إخلاء منازلها في حي بطن الهوى بسلوان تمهيداً للاستيلاء عليها من قبل الجمعيات الاستيطانية، فيما يواجه نحو 750 مواطنا فلسطينيا من عائلات مقدسية أخرى قرارات إخلاء مماثلة، وتندرج هذه الإجراءات ضمن تهديد أكثر من 33 ألف عقار بإخطارات هدم صدرت منذ عام 1967. دينياً ووجودياً، يواصل المستعمرون اقتحاماتهم المتزايدة للمسجد الأقصى، حيث وثقت التقارير اقتحام 833 مستعمراً للمسجد في يوم واحد فقط خلال نوفمبر 2025، إضافة إلى تسجيل 127 حالة اعتداء على دور العبادة والمقدسات خلال شهر أكتوبر، إلى جانب تحطيم المستوطنين لقبور في مقبرة "باب الرحمة" الملاصقة للمسجد الأقصى في 10 نوفمبر 2025، مما يؤكد على امتداد الاستهداف الإسرائيلي ليشمل الأبعاد الوجودية والدينية والتاريخية.

وفي الضفة الغربية، شهد شهر أكتوبر وأوائل نوفمبر 2025 استمراراً للاعتداءات العنيفة، حيث أصبحت اعتداءات المستوطنين جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية تحت غطاء حماية الجيش، وتزايد سقوط الشهداء على أيديهم في حوادث إطلاق نار موثقة، كما أصبح تخريب الأملاك وتكسير وإحراق أشجار الزيتون واقتلاع المحاصيل نمطاً معتاداً يهدف إلى تضييق الخناق الاقتصادي والوجودي على القرى والمناطق المصنفة "ج". وقد شملت العمليات العسكرية المستمرة منذ يناير 2025، خاصة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، اقتحامات وتدميراً متعمداً للبنى التحتية التعليمية. نتيجة لذلك، تعطلت قدرة أكثر من 4 آلاف طالب وطالبة على الوصول إلى التعليم في عشر مدارس تابعة للأونروا داخل هذه المخيمات، ما اضطر الطلاب إلى الاعتماد على التعليم عن بُعد والمرافق المؤقتة كبديل قسري، وهذا يؤكد على أنه تم إدراج التعليم ضمن أهداف التفكيك الوجودي. بالتزامن مع ذلك، قامت قوات الاحتلال بتهديد العمال الفلسطينيين في بيت لحم والقرى المحيطة، ومنعتهم من التوجه إلى أماكن عملهم في القدس والأراضي المحتلة عام 1948، كجزء من سياسة تقييد الحركة وقطع سبل المعيشة، ويرافق كل ذلك استمرار الاقتحامات والاعتقالات التي تزداد وتيرتها، حيث تم تسجيل مئات الاعتقالات التعسفية منذ بدء الهدنة.

أما في قطاع غزة، فإن المحور الأساسي للعمليات العسكرية خلال عامين من حرب الإبادة الجماعية التي استهدفت المخيمات والمناطق الشمالية، في إطار سياسة "الأرض المحروقة"، قد أدت إلى تدمير قرابة 300 ألف وحدة سكنية بشكل كامل و200 ألف جزئياً. هذه العملية التدميرية واسعة النطاق استمرت بشكل منهجي حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، مما أدى إجمالاً إلى تهجير نحو مليوني فلسطيني قسراً. إن استمرار التدمير في غزة يخدم الهدف الأوسع لسياسة التطهير المتبعة في الضفة، عبر إرسال رسالة مفادها استحالة العودة وإعادة الإعمار.

وشكّل استخدام الموارد الأساسية كـسلاح حرب بيولوجي وإنساني امتداداً لسياسة الإبادة، حيث تم تحويل الاحتياج الإنساني إلى أداة ابتزاز قصوى وعقاب جماعي غير مشروط يضمن استمرار الاستنزاف.

بقي وضع الكهرباء محدودًا جدًا وغير مستقرًا، حيث يستمر انقطاع التيار لمدة تصل إلى 18 ساعة يومياً، وهذا الشلل المنهجي يعود إلى القيود المتعمدة على إدخال الوقود (8,000 لتر يومياً مقابل 300,000 لتر مطلوب)، مما أدى إلى شلل المحطات الحيوية، وإغلاق 5 مستشفيات من أصل 17 فعالاً جزئياً، وشل محطات ضخ المياه والصرف الصحي، مما يخلق بيئة مناسبة لانتشار الأوبئة. أما كارثة المياه فقد تفاقمت بشكل غير مسبوق، حيث خرجت أكثر من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي، ونتيجة لذلك، يحصل السكان على 3-5 لترات يومياً فقط، أي أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني، ويفاقم هذا الوضع ظهور أكوام القمامة ونصف مليون طن من النفايات في الشوارع التي تختلط بمياه الصرف، مما يؤدي إلى تلوث بيئي مقصود ووباء مائي يهدد المنطقة بأسرها.

بالإضافة إلى ذلك، انخفض تدفق الشاحنات إلى 90 إلى 100 يومياً، أي 24% فقط من الـ 600 المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، مع رفض 60% من الشحنات بسبب قائمة تفتيش إسرائيلية موسعة تطلق عليها "المواد مزدوجة الاستخدام" لحظر مواد الإغاثة والبناء. تشمل قائمة الرفض التعسفية مجموعة واسعة من المواد التي لا تمت للاستخدام العسكري بصلة، مثل أدوية التخدير والمقصات والمشارط الطبية، ومجموعات اختبار جودة المياه، والعكازات والكراسي المتحركة، وأجهزة الأشعة السينية والمولدات الكهربائية للمستشفيات، وبعض الألواح الشمسية، إضافة إلى مواد غذائية بسيطة مثل التمور (بحجة نوى التمر) وكرواسون الشوكولاتة والتوابل. وهذا التجويع المنهجي والقيود البيروقراطية تهدف إلى استخدام الاحتياج الإنساني كأداة ضغط قصوى وكسر للإرادة الفلسطينية.

تتجسد قسوة السياسة المنهجية الإسرائيلية في الموت البطيء والمبرمج الذي يواجه الفئات الأكثر ضعفاً، مما يرقى إلى تفكيك وجودي لنسيج المجتمع الفلسطيني عبر استهداف مقومات استمراره البيولوجي والنفسي. هذا الاستنزاف يمثل هدفاً استراتيجياً لتقويض القدرة على الصمود والمستقبل.

الأطفال والرضع هم الشريحة الأكثر تضرراً ومواجهة لـلفناء المبرمج؛ حيث يعاني 96% من الأطفال دون 5 سنوات من سوء التغذية الحاد ونقص الفيتامينات الأساسية، وينتج عن ذلك 50% تأخر نمو دائم يقلل القدرات الإدراكية والعقلية مدى الحياة، وهو ضرر بيولوجي لا يمكن تعويضه. وتُعد الأوبئة المنقولة بالماء، مثل الإسهال الحاد، السبب الأول لوفيات الرضع، حيث يتم تسجيل نحو 15 ألف حالة شهرياً، بينما يقتل التهاب الجهاز التنفسي رضيعاً كل 3 أيام بسبب الأجواء الملوثة والازدحام. أما في القطاع الصحي المنهار، فإن 70% من حاضنات الخدج متوقفة عن العمل بسبب نقص الوقود والكهرباء، مما يؤكد على أن كل رضيع في غزة معرض لخطر الموت في أي لحظة. وعلى الصعيد النفسي، يعاني 70% من الأطفال من اضطراب ما بعد الصدمة و 50% من انهيار نفسي حاد، وهي أرقام تضع جيلاً كاملاً أمام تحديات نفسية وجودية عميقة.

كذلك تواجه النساء الحوامل والأمومة مخاطر وجودية غير مسبوقة، مما يهدد مستقبل الحياة ذاته. تعاني 70% من الحوامل من فقر دم حاد نتيجة سوء التغذية ونقص الحديد، وهذا يزيد خطر النزيف أثناء الولادة بنسبة 300%. كما تحدث 30% من الولادات في الخيام أو المنازل أو الشوارع بدون تعقيم أو رعاية طبية أساسية، مما يرفع معدلات وفيات الأمهات والأجنة إلى مستويات قياسية لم يشهدها القطاع منذ عقود، في انتهاك صارخ لأساسيات الحق في الحياة.

أما كبار السن، فهم يواجهون الموت صمتاً نتيجة استهداف مقومات الحياة الأساسية. يموتون من الجفاف الحاد والعدوى والأمراض المزمنة التي لا تجد علاجاً، إلى جانب اليأس والإهمال في ظل الظروف القاسية. يعاني 60% منهم من انخفاض حاد في ضغط الدم نتيجة سوء التغذية، ويُعد الالتهاب الرئوي السبب الرئيسي لوفياتهم نظراً للبرودة والازدحام في أماكن النزوح. كما أن غسيل الكلى متوقف في 70% من الحالات الكلوية المزمنة، مما يسرّع موتهم. هذا الاستنزاف يقتل الشيوخ أولاً ويقصر العمر المتوقع للفئة الأضعف بـ 5-10 سنوات إضافية، مما يمثل تفكيكاً لهرم المجتمع الفلسطيني.

وفي سياق توثيق الجرائم، تتجاوز الانتهاكات الجسد والروح لتصل إلى مرحلة الجرائم الوجودية المركبة. حيث أفادت مصادر طبية موثوقة في 10 نوفمبر 2025 بانتشال جثامين شهداء يظهر عليها آثار حرق وقتل عن قرب، مع الإشارة إلى جرائم مركبة ومروعة تشمل سرقة أعضاء جثامين الشهداء ونهشها قبل تسليمها، مما يضيف بعداً إجرامياً غير مسبوق لانتهاكات ما بعد الهدنة ويتعارض مع كل القوانين والأخلاق الإنسانية.

وأدى شلل آليات الرقابة والتنفيذ الدوليين إلى تقويض الاتفاق، حيث مثّل 6 فيتو أمريكي في مجلس الامن غطاءً سياسياً مباشراً للسياسة الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى سبتمبر 2025. هذا الفشل يعود إلى "تآكل دور الوسطاء" الذين تحولوا إلى شهود عاجزين أمام الخروقات، وفشلوا في فرض آلية رقابة مشتركة أو منع السيطرة الإسرائيلية على محور فيلادلفيا (محور صلاح الدين)، مما عزز من استراتيجية الاستنزاف الإسرائيلية.

ودولياً، يواجه المجتمع الدولي محاولة أمريكية لتمرير مشروع قرار في مجلس الأمن في مطلع نوفمبر 2025 يهدف إلى دعم "خطة ترامب للسلام في غزة" ومنحها صبغة قانون دولي ملزم. هذا المشروع ينص على إنشاء "مجلس سلام" وتفويض "قوة استقرار دولية" لمدة لا تقل عن عامين، وتمتد حتى نهاية عام 2027، وتكون مهمتها الأساسية تأمين حدود غزة مع الكيان الإسرائيلي ومع مصر، وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة، والأهم هو العمل على النزع الكامل للسلاح وتدمير البنية التحتية العسكرية للفصائل الفلسطينية. هذا المخطط يتعارض كلياً مع التصور الفلسطيني والعربي، ويُعد في جوهره محاولة لـتدويل مهمة الاحتلال ونزع السلاح الفلسطيني، وهو شرط إسرائيلي بحت، دون وضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة. كما أشارت تقارير في أوائل نوفمبر إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن تجاهلت عمداً معلومات استخباراتية بشأن انتهاك إسرائيل للقانون الدولي، مما يؤكد على التواطؤ السياسي الذي يوفر الغطاء لاستمرار هذه الانتهاكات.

يقود الفشل الذريع لوقف إطلاق النار إلى تبلور ثلاث مسارات استراتيجية رئيسية ترسم ملامح مستقبل القطاع. المسار الأول هو الإدارة المؤقتة والتقسيم الوظيفي (الأكثر ترجيحاً) يضمن تجميد المسار السياسي الشامل وتطهيراً ديمغرافياً تدريجياً عبر استمرار التضييق الاقتصادي والمائي والصحي الممنهج. والمسار الثاني هو العودة إلى نقطة الصفر والتصعيد حيث تستأنف العمليات العسكرية الواسعة والمركزة لفرض التهجير القسري على ما تبقى من سكان القطاع. أما المسار الثالث فهو الرهان الإقليمي-الفلسطيني على المسار السياسي حيث يتم فرض ربط الإعمار الشامل والمطلق للقطاع برفع كامل للحصار المفروض عليه.

وفي ظل ترجيح سيناريو الإدارة المؤقتة والتقسيم الوظيفي، ستواجه الإدارة الفلسطينية المؤقتة (لجنة التكنوقراط) تحديات وجودية معقدة وشديدة الحساسية. إن نموذج الحكم المقترح هو شكل من أشكال الاستعمار الجديد المُقَنَّع، حيث أن اللجنة التكنوقراطية الانتقالية "غير تابعة للسلطة الفلسطينية أو حماس" وتشرف عليها هيئة أجنبية الرئاسة مثل "مجلس السلام الدولي". تُعتبر هذه اللجنة في الواقع واجهة مدنية مصطنعة لتجميل واقع الاحتلال وتمريره دولياً، مما يضعف شرعيتها أمام الفصائل والشعب ويعرضها للرفض الاجتماعي والاتهامات بالعمالة، لاسيما وأن شرط إسرائيل الأساسي هو أن تكون إعادة الإعمار مشروطة بتسليم حماس لسلاحها وضمان عدم تشكيلها أي تهديد مستقبلي.

هذه الإدارة المؤقتة ستعمل بالضرورة في ظل بيئة من الانهيار المُتعمَّد والمُدار إسرائيلياً، حيث يواجه المجتمع الفلسطيني حالياً إجهاداً وجودياً غير مسبوق، يشمل ثلاثة أبعاد مترابطة تعكس سياسة إلغاء الحياة المستقرة: أولها النزوح البشري الواسع، حيث بلغت نسبة النازحين قسراً نحو 90% من إجمالي السكان في قطاع غزة، مما أدى إلى تفكيك التجمعات الحضرية والاجتماعية بالكامل. وثانيها، الانهيار الاقتصادي الكامل، مع وصول معدلات البطالة إلى نحو 80%، ما يعني شللاً شبه تام في سبل كسب العيش والاعتماد المطلق على الإغاثة. أما ثالثها، فهو حجم الكارثة العمرانية، حيث تقدّر تكلفة الإعمار الهائلة اللازمة لإعادة بناء القطاع ما بين 50 إلى 100 مليار دولار أمريكي، وهو عبء مالي ضخم وغير مسبوق يجعل أي حديث عن "استقرار" أو "تعافي" مجرد وهم في المدى المنظور.

نتيجة لذلك، ستخضع اللجنة لهيمنة مالية إسرائيلية تتحكم في حركة الأموال الدولية، وسيتم تحميلها مسؤولية استمرار الكوارث اليومية والمعيشية، مما يحوّل الأزمة الوجودية إلى فشل إداري يُنسب إلى القيادة الفلسطينية، ويخدم هدف إسرائيل الاستراتيجي في تفكيك المؤسسة الوطنية الفلسطينية كلياً. في المقابل، هناك جهود عربية مكثفة لتعزيز دور لجنة التكنوقراط لتكون تحت مرجعية فلسطينية (كحسين الشيخ) وتمويل سعودي، وتدريب عربي لـ 20 ألف رجل أمن وشرطة للقيام بمهام محلية مدنية، لكن موقف الإدارة الأمريكية من هذه المقترحات التي لا تتوافق تماماً مع شروط إسرائيل لا يزال غير واضح ومحفوف بالغموض.

في الختام، تحوّل وقف إطلاق النار من هدنة كان يُرجى منها تثبيت "السلام" إلى إدارة مؤقتة للكارثة والإبادة البطيئة، حيث استغلت إسرائيل ثغرات الرقابة الدولية وضعف الإلزام لتقويض البنود والحفاظ على هيمنتها القصوى، بينما يبقى المدنيون الفلسطينيون يواجهون الموت البطيء بالعطش والمرض واليأس في ظل أزمة وجودية شاملة، ويبقى جيل كامل مهدداً بالفناء البطيء إذا لم يتم التدخل الدولي العاجل والجذري.