في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلقت حركة حماس عملية أطلقت عليها اسم «طوفان الأقصى»، وقد اعتُبرت من قبلها ومن العديد من الأطراف الأخرى نقطة فارقة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. يُمكن النظر إلى هذه العملية كحدث عسكري-أمني، لكن من زاوية ثقافية تهمّنا أسئلة مثل: ما الذي جعلها محطّ اهتمام واسع؟ كيف تحوّلت إلى رمز؟ ما هي القراءة الثقافية والاجتماعية التي يمكن استخلاصها؟ وما دلالاتها في اللحظة الراهنة؟
من ناحية الخلفية التاريخية، من المهم وضع ما سبق طوفان الأقصى في السياق:
للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي جذور تاريخية عميقة، تشمل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 وما تلاه من استيطان وتوسّع وسياسات حصار تجاه قطاع غزة.
لقد شكّلت السنوات التي سبقت أكتوبر 2023 حالة من الجمود السياسي، والقمع العسكري، وتصاعد الاستيطان، وحالة من الإحباط العام في المجتمع الفلسطيني.
في هذا الإطار، برزت حماس كقوة مقاومة تحتفظ بقدرتها الرمزية لدى قطاع واسع من الفلسطينيين.
عملية طوفان الأقصى جاءت في هذا المناخ، وسُجّلت بأنها، بحسب قادة المقاومة، ردّ طبيعي على استمرار الاحتلال والسياسات التوسّعية والضمّ والتهويد بحق القدس ومحيطها.
من الجانب الإسرائيلي، اعتُبرت هذه العملية بمثابة «زلزال أمني» هزّ ثقة الكيان والأجهزة الأمنية فيه، وأعادت فتح نقاشات حول هشاشة الردع الإسرائيلي.
طبيعة عملية طوفان الأقصى:
لحظة البدء: فجر يوم السبت 7 أكتوبر 2023، أطلقت حماس عمليتها التي استهدفت مستوطنات غلاف غزة، وعدّت أنها شملت تسللاً بريّاً وجواً وبحراً.
التوصيف الداخلي للمقاومة يؤكد أنها «نقلة موضوعية» في مسار المقاومة، وأنها أعادت إسرائيل إلى «نقطة الصفر».
في المقابل، تُشير مقالات تحليلية إلى أن العملية شكّلت اختباراً لقدرات «محور المقاومة»، ومدّت الصراع إلى أبعاد إقليمية أوسع، وجعلت من الأزمة الفلسطينية محوراً جديداً في المعادلات.
البُعد الرمزي والثقافي:
الاسم «طوفان الأقصى» بحدّ ذاته يحمل دلالات قوية: «طوفان» = قوة جارفة، تحوّل، اقتحام، ربما ثورة. «الأقصى» = إشارة مباشرة للمسجد الأقصى، الذي يحظى بقدسية دينية وتاريخية لدى المسلمين، وكذلك يتّخذ عنواناً للهوية الفلسطينية. هذا الربط بين القوة والجغرافيا المقدّسة يعطي للعملية بعداً على مستوى الخطاب الثقافي.
في المجتمعات الفلسطينية والعربية، استُخدمت العملية كمحفّز للفخر والمقاومة، وتصويرها كمحور يُعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة السياسية والدولية.
في الجانب الإسرائيلي والإعلام الغربي، اعتُبرت لحظة انهيار لثقافة الردع، وصُوّرت باعتبارها هزيمة رمزية قبل أن تكون عسكرية.
من زاوية الثقافة الشعبية، يُمكن ملاحظة كيف استُخدمت العملية في الخطاب الدعائي، الشعارات، الإعلام الاجتماعي، وحتى في استحضار بطولات المقاومة، الأمر الذي يعزّز مفهومها كحادث ثقافي وليس فقط عسكري.
التأثيرات السياسية والاجتماعية على المستوى الفلسطيني:
أعادت العملية الديناميكية إلى المسار الفلسطيني، إذ أعادت طرح سؤال التحرير والهوية والمقاومة في صيغتها المعاصرة.
لكنها في المقابل رفعت تساؤلات حول التكلفة البشرية والمادية، وإمكانية الوصول إلى الأهداف المعلنة (ككسر الحصار، وقف الاستيطان) وهو أمر اعترف به بعض القيادات لاحقاً. "كسر الحصار ... لم يتحقق" : تصريح لقيادي في حماس.
التأثير الاجتماعي: أوجدت حالة من الحضور المكثّف للقضية في وعي الجيل الفلسطيني والعربي، لكنها أدّت أيضاً إلى مزيد من المعاناة، لا سيّما في قطاع غزة التي عاشت حرباً شديدة.
على المستوى الإسرائيلي، خلّفت العملية أزمة ثقة داخلية، أظهرتها استقالة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي لاحقاً، وهو ما يعطي دلالة رمزية على عمق التأثير.
أبرزت هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة اختراق مفاجئ، ما فتح نقاشات حول مستقبل الدولة، القيادة، العلاقة مع المجتمع.
من جهة الإعلام والدعاية، أصبحت «طوفان الأقصى» مادة متداولة بكثافة، استُخدمت في الحملات الإعلامية، والتعبئة، ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يضعها في مسار ما يمكن تسميته «حرب الروايات».
من المهم أن ننظر أيضاً إلى الأبعاد النقدية للعملية، بما يشمل الجانب الأخلاقي،
التكلفة، وما بعد الحدث:
تكاليف بشرية ومادية ضخمة: الحرب على غزة وما تبعها خلّفت مأساة إنسانية. هذا الأمر يعيد سؤال «إلى أي حدّ تُحسب العمليات العسكرية على أنها أدوات فعالة للتحرير؟»
تحقيق الأهداف: رغم ما أعلن، ليست كل الأهداف المعلنة تحقّقت بوضوح. بعض المعارضين يقولون إن العملية لم تغيّر بشكل فعلي المعادلات الاستعمارية أو الكيان الاستيطاني.
مخاطرة التصعيد: حين تتحوّل العمليات إلى رموز، تصبح جزءاً من دورة تصعيد مستمرّة، ما يضع المجتمعات في حالة حرب دائمة، وهذا له آثار ثقافية واجتماعية طويلة الأمد: تأخّر التنمية، تدمير البنية التحتية، التفكّك الاجتماعي، وطول أمد الصراع.
من ناحية الثقافة، هناك تحوّل واضح: المقاومة لم تعد فقط فعل سطحي، بل أصبحت نمطَ حياة، خطاباً، وحتى صناعة إعلامية. وهذا يحمل في طيّاته مخاطرة تبنّي أسلوب «الحرب-رواية» بدلاً من التركيز على الدولة، الاقتصاد، المستقبل، والتعليم.
دلالاتها الثقافية على المدى الطويل: العملية أعادت تأكيد الهوية الفلسطينية على نحو مختلف، ليس فقط كضحايا أو مسلمين، بل كمقاومين، فاعلين، ونهضة محتملة.
«الأقصى» كمكان و«طوفان» كفعل تركا أثراً في الخطاب، أصبحتا شعاراً، قصيدة، نشيداً، تطلق في وسائل الإعلام والمقابلات والتحليلات.
باتت هناك ثقافة إنتاج (أغاني، فيديوهات، خطاب إعلامي، شعارات) حول طوفان الأقصى والمقاومة، تجعل الحدث يدخل في بُنى الذاكرة الجماعية.
أما الجغرافيا الثقافية، ليس فقط غزة أو الضفة الغربية، بل امتدّت الدلالات إلى بعض الدول العربية والإسلامية، ما جعل العملية حدثاً إقليمياً، لا محلياً فحسب.
التمثُّل الإعلامي: كيف تُروى القصّة؟ من منطلق قوّة، إذلال، مفاجأة، صراع عدالة؟ الإعلام يلعب دوراً أساسياً في صياغة المعنى. مقالات تحليلية تشير إلى أن المعركة الإعلامية بعد العملية كانت محورية.
الأثر على الأجيال: لدى الناشئة الفلسطينية والعربية، أصبحت «7 أكتوبر / طوفان الأقصى» لحظة فارقة تُدرّس، تُروى، يُستعاد ذكرها كسياق تحدٍّ وانتصار، وهو ما يعني أنها دخلت في سجل الذاكرة الثقافية.
أما لمن ينظر من الخارج أو في السياق العالمي، تُظهر أن الصراعات اليوم ليست فقط عسكرية أو جغرافية بل ثقافية وإعلامية، فساحة الصراع تتوسّع لتشمل الإعلام، الذكريات، التاريخ، الرمزية.
تُجسّد عملية طوفان الأقصى كيف يمكن لحدث عسكري أن يتحول إلى رمز عالمي، وهو ما يعني أن تحليل الصراع لا يكتفي بالميدان بل يتطلّب قراءة في الرموز والثقافة والمجتمع.
تُذكّر بأن المجتمعات المُهمّشة أو المُحتلّة غالباً ما تسعى إلى لحظة تفوّق رمزي أو قلب معادلات حتى إن لم تغيّر الموازين العسكرية بالكامل. بالتالي، فهي قراءة في كيف تُفكّر المجتمعات في مقاومتها، ليس فقط من خلال القوة، بل من خلال المعنى.
من منظور العلاقات الدولية، أظهرت أن الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي لديه القدرة على دفع معادلات أكبر، علاقات تطبيع، ردود إقليمية، تحالفات، إعادة ترتيب أدوار. وهذا يُظهر بعداً ثقافياً سياسيّاً للحدث.
استشراف المستقبل: ما الذي يمكن توقعه؟
من المحتمل أن تُستمر تداعيات طوفان الأقصى لسنوات في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، كذكرى، رمز، محور خطاب، وربما مادة ثقافية تُنتج عبر الأجيال (أغاني، أفلام، كتب، محاضرات).
سيبقى السؤال: إلى أي مدى ستُحوّل هذه الطاقة الرمزية إلى بناء فعلي للدولة، والمجتمع، والتنمية؟ فالرمز مهمّ، لكنها ليست كافية وحدها.
من جانب المقاومة أو القوى التي أجرت العملية، ستكون هناك موازنة بين فعل المقاومة والوقوف أمام تكاليفها، فعلى المستوى الثقافي ينبغي أن يُفكر في أُفق ما بعد الصدام، في إعادة البناء، في الحوار، في التعليم، في الاقتصاد.
أما بالنسبة للجانب الإسرائيلي، والجانب الدولي، فإن الحدث شكّل جرس إنذار حول هشاشة المجتمعات المؤمنة بقدراتها الأمنية أو السلطوية. قد يؤدي ذلك إلى تغيّرات في النهج الأمني، في الإعلام، وفي العلاقات مع المجتمعات المحيطة.
ثقافياً، يمكن أن تشتد جدالات حول الموقع: هل هي نصر فعلي؟ هل هي مغامرة؟ هل هي انتهاء مرحلة أو بداية مرحلة؟ هذه الجدالات نفسها تُشكّل جزءاً من الثقافة.
ختامًا، تُعدّ عملية طوفان الأقصى أكثر من مجرد حدث عسكري أو لحظة في مسار الصراع؛ إنها ظاهرة ثقافية واجتماعية تحمل دلالات متعدّدة. من ناحية، هي تجسيد لطموح المقاومة والطموح الفلسطيني بأن يُحكّم ذاته ويعيد صياغة واقعه. من ناحية أخرى، هي اختبار للتوازنات الإقليمية والدولية ولمفاهيم الأمن والردع.
في الثقافة، تحوّلت إلى رمز يُستعاد، ويُحتفى به، ويُناقش. لكن في الواقع أيضاً، تحمل تكلفة كبيرة، تداعيات إنسانية، وتساؤلات عن المسار المستقبل. لذا، فإن أي قراءة ثقافية لها لا تكتفي بالتحليل الرمزي فقط، بل تتطلّب نقداً، تساؤلاً، وربّما تفكيراً في كيف يمكن التحوّل من لحظة رمزية إلى بناء مستدام.

