اعتاد التلاميذ في مختلف أنحاء العالم على المضي إلى مدارسهم بشغف ولهفة خلال شهري آب وأيلول وهم يحملون آمالهم وأحلامهم الوردية بمستقبل علمي وعملي زاهر , وقد بدأ العام الدراسي قبل فترة في مختلف الأرجاء لكنه لم يعرّج على أطفال فلسطين خاصة قطاع غزة الذي مازال يشهد عدواناً صهيونياً شرساً عليه وها هي المجازر الوحشية الممنهجة تدخل سنتها الثالثة وتستهدف كل مكونات المجتمع المدني الفلسطيني خاصة النساء والأطفال الذين حُرموا من حقهم الأساسي بالتعليم فقد تدمّرت بيوتهم وأُجبروا على النزوح إلى المدارس القريبة التي تحولت إلى مراكز لجوء , وباتت الصفوف الدراسية غرفاً للإيواء , لكن هذه المراكز لم تشفع لهم أو تحصّنهم من الاستهداف فلاحقهم العدوان بكل أشكاله الوحشية والإجرامية منتهجاً أسلوب التدمير الشامل بهدف منع الأهالي من البقاء في تلك المدارس التي تحولت لأنقاض ومقابر للشهداء و بات من المستحيل عودة التلاميذ إلى صفوف الدراسة أو حتى الاحتماء في ظل جدران " المدارس " التي وُجدت لتدريس الطلاب وحمايتهم من التجهيل الذي يعمد الصهاينة فرضه على الفلسطينيين ,لم تستطع المدارس والمراكز الصحية التي ترفع علم الأمم المتحدة الحفاظ على حياتهم مع أهلهم فالعدو الصهيوني أبى إلا أن يلاحقهم ويستهدفهم بالقصف والتدمير والحرق والتفجير وإطلاق الرصاص عليهم ثم التجويع والتعطيش ومنع الإمدادات الصحية عنهم بهدف القتل والإبادة الجماعية والتطهير العرقي ! ودفعهم للنزوح المتكرر طلباً للحياة ثم الملاحقة مجدداً مما أدى لتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار جرائم الحرب بحق المدنيين في كل نقطة من القطاع بحيث لم يعد أي مكان آمن يمكن اللجوء إليه خاصة مع تفاقم الوضع الصحي الصعب والمتأزّم فقد وصلت نسبة الأطفال الذين ينتظرون مصيرهم المحتوم إلى 70 -80% من الإصابات التي طالت كل الفئات المجتمعية والمهنية , وبلغ مجموع الشهداء في القطاع حسب الجهاز المركزي الفلسطيني حتى تاريخ 20/10/2025 إلى
- 68216 شهيداً منهم 18592 من الأطفال و 12400 من النساء و4412 من المُسِنين ..
- 1411 شهداء الطواقم الطبية , 252 شهداء الصحافة , 800 شهيد من الكوادر التعليمية , إضافة ل 203 شهداء موظفي الأونروا و 113 شهيداً للدفاع المدني أما عدد المفقودين فبلغ عددهم 11200 شخصاً منهم 4700 مفقود من النساء والأطفال !..
ومازال عداد القتل والقصف والتدمير الصهيوني يدور موقِعاً المزيد من الشهداء والجرحى والمهجرين والبنى المدمّرة رغم التوصل لاتفاقية إنهاء العدوان بضمانة العديد من الدول العربية والإسلامية إضافة لأمريكا ترامب !..
· تصويب الموقف الغربي المنافق - من بلفور إلى ستارمر - :
مؤخراً طرأ تغيّر لافت على موقف الحكومات الأوربية والكندية والأسترالية التي بدأت بالاحتجاج على العدوان الصهيوني الهمجي على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية , ثم تبنّت فرنسا و السعودية حملة دولية للاعتراف بدولة فلسطين مع انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة , طرحت الدولتان " إعلان نيويورك " خلال مؤتمر " حل الدولتين " وتم التصويت عليه فحظيَ بتأييد منقطع النظير من الجمعية العامة ووصل عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 157 دولة من أصل 193 دولة عضو أي 81% من أعضاء الأمم المتحدة , ثم بدأ مسلسل الاعترافات يتوالى" بلجيكا , لوكسمبورغ , مالطا , موناكو, أندورا " وقبلها بيوم " بريطانيا , كندا, استراليا , البرتغال " .. حصل هذا الـ " تسونامي " وسط اندهاش وتخبّط حكومة الاحتلال الصهيوني التي شبّهت الموضوع بالانقلاب الدولي عليها , وهذا ما لم يعتاد عليه الكيان "اللقيط المدلل " الذي شعر بخسارة معركة وجوده والبدء بخطوة السقوط بسبب سياسة الحكومة اليمينية المتطرفة بزعامة نتنياهو والمدعومة بشدة من قبل أمريكا ترامب متجاهلين القوانين الإنسانية !..
- يشكّل الاعتراف بدولة مجتزأة مجهولة الحدود " 12% من مساحة فلسطين التاريخية "نواة بذرة إنسانية يمكن الاعتماد عليها لتصحيح المسار الأوربي الذي رسمه " بلفور" للصهاينة قبل مائة سنة فسرقوا الأرض الفلسطينية وشوّهوا تاريخها وتراثها في محاولة لطمسها إلى أن صوّب رئيس الوزراء البريطاني " ستارمر" الخطأ التاريخي الذي يتطلب المزيد من الخطوات لرد كافة الحقوق إلى أصحابها بدءًا بمعاقبة الاحتلال على تماديه الوحشي في غزة , وإيقاف التعامل مع مؤسساته وصولاً لوقف العدوان الفاشي والتشريد والتهجير القسري وإنهاء الحصار .. إضافة لوقف الهجمة الاستيطانية الشرسة وهدم المنازل والمنشآت ومصادرة الأموال والأراضي الزراعية والتهجير والقتل والاعتقال في الضفة الغربية بهدف ضمّها .. وصولاً للاعتذار والتعويض ورد المظالم لأهلها والاعتذار عن الظلم المرتكب بحق الشعب الفلسطيني الذي من حقه تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة كاملة المساحة والسيادة وعاصمتها القدس الشريف ...
- هذا " التسونامي " هل هو نتاج صحوة ضمير متأخرة لمن خلقوه وحفظوا كيانه إثر انكشاف فظائعه بحق شعب أعزل وأطفال يموتون جوعاً وحرقاً ونهشاً من الكلاب الضالّة -على غرار ما فعله الاستعمار الغربي قبل مئات السنين بالمواطنين السود - وانفضاح ممارسات جيشه الأكثر أخلاقية في العالم ؟ - حسب الإعلام الصهيوني والأمريكي – ! هذا الجيش الذي استهدف كل مرافق الحياة في قطاع غزة بما فيها المنشآت الصحية و التعليمية فقام حتى يوم 25 آب 2025 – حسب بيانات الأمم المتحدة للأقمار الصناعية يونوسات - بتدمير204 مؤسسة تعليمية تدميراً كلياً , منها 190 مدرسة و14 جامعة , إضافة لتضرر 305 مؤسسة بشكل جزئي , من بينها 293 مدرسة و12 جامعة !..مما يعني أن مستقبل التعليم في غزة يقف على أرض مدمرة , إضافة لتدمير البيئة التعليمية حيث حرم العدوان أكثر من 785 ألف طالب وطالبة من التعليم في المراحل المختلفة , وأدت لاستشهاد أكثر من 13 ألف و500 طالب وطالبة" - مقتبس عن الجزيرة - !..
- أَمْ هل كان هذا التسونامي الغربي نتيجة الضغط الشعبي الداعم للفلسطينيين والرافض للإبادة الوحشية بغطاء غربي وسياسة أوروبية منافقة ومؤيدة للصهاينة وداعمة له بالموقف والسلاح وكل مقومات الوجود واستمرار العدوان التصفوي على الهواء مباشرة ؟ ..
* التحركات البرية والبحرية " أسطول الصمود مثالاً " :
العربدة الصهيونية والمجازر المتواصلة منذ ثمانية عقود ضد الشعب الفلسطيني تُوّجت قبل سنتين بحرب شعواء لا مثيل لها تُنقَل تفاصيلها على الهواء مباشرة من غزة فهزّت إنسانية الشعوب خاصة الشباب وحرّضتهم على كسر الصمت واجتياح شوارع دولهم رفضاً للإجرام الصهيوني والتسليح الأوربي له ودعمه بالمحافل الدولية !.. اعتصموا أمام السفارات والمؤسسات والمصانع المشاركة بالإبادة , منعوا السفن الاسرائيلية من الرسو في موانئهم للاستفادة من الخدمات ونقل الأسلحة ,سيطروا على الساحات العامة والشوارع حاملين الرايات الفلسطينية , هتفوا لفلسطين خلال المباريات الدولية وتصدوا للفرق الرياضية الصهيونية وصولاً للمطالبة بفصلها من الهيئات الرياضية الدولية ومنعها من المشاركة بالبطولات , كما ساهم الأدباء والفنانون العالميون بمساندة الحركة الشبابية وتفاعلوا معها في الشوارع وعبر مواقع التواصل المختلفة والمهرجانات الفنية المحلية والعالمية ..أبى الشباب والنساء إلا أن ينقلوا فعالياتهم التضامنية إلى البحار فتابعت " اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة" تحركها الذي بدأته قبل أعوام سابقة من خلال أسطول الحرية لرفع الحصار عن القطاع .. سُيّرت عدة قوارب متتالية كان آخرها وأكبرها على الإطلاق "أسطول الصمود العالمي والمغاربي " الذي يحمل 500 متطوعاً على 45 سفينة من 51 دولة .. مشاركة لا سابق لها من القوارب والسفن والفعاليات النسائية والشبابية والناشطين والمؤثرين الدوليين الذين حملوا المساعدات الطبية والغذائية والقرطاسية وألعاب الأطفال رغم التهديدات الصهيونية بالتصدي لهم ومنعهم من الوصول إلى غزة .. نفذت الحكومة المتطرفة تهديدها بالتشويش على الاتصال , وإطلاق مسيّرات فوق الأسطول والاعتداء عليه حيث أطلقت القنابل الدخانية والصوتية على 11 سفينة بهدف إتلاف الأشرعة وإجبارهم على التوقف عن تحقيق هدفهم بالمساندة الإنسانية للأطفال وقد تم إتلاف شراع أحدها لكن هذا لم يثنهم عن المتابعة عبر بقية القوارب , انتهت رحلة الأسطول بمهاجمة الكوماندوس الصهيوني كافة القوارب والسيطرة عليها واعتقال النشطاء وتعريضهم للتحقيق المذِل والتعذيب ومنعهم من الوصول إلى شواطئ غزة ثم إبعادهم مجدداً إلى دولهم !.. لكن تدفق السفن لم ولن يتوقف – حسب النشطاء - رغم الاتفاق على انهاء العدوان فهم يصرون على استمرار التدفق الأسطولي حتى انتهاء الحصار والاحتلال ..
· أمريكا أولاً :
لقد شكّل تغيّر موقف الشباب وبعض النساء و كبار السن في الحزبين "الجمهوري والديمقراطي " الأمريكيين زلزالاً ربما سيهز الأركان الصهيوأمريكية إثر تعاظم تحرّكهم ضد دعم حكومتهم لـ " إسرائيل " التي تستخدم أموالهم الضريبية بإبادة شعب آخر- الفلسطيني - في الوقت الذي يجب استفادة المواطن الأمريكي من تلك الأموال المقتطعة من وارداتهم ورواتبهم لتحسين وضعهم المعيشي وليس معيشة "الإسرائيلي " مطلقين شعار " أمريكا أولاً " فهل تتنامى تلك الظاهرة لتلحق بالرّكْب الشبابي الأوربي ؟! فلننتظر عودة التسونامي الأمريكي الذي كبح جماحه الصهيوني الإنجيلي ترامب باعتقال الناشطين وكل من يدعم القضية الفلسطينية ويرفض العدوان والإبادة , الذي بدأت التحركات ضده في أمريكا تحت شعار " لا للملوك no kings " رفضاً لممارساته الدكتاتورية وشارك فيها أكثر من 7 مليون شخص !..
ومازال الغائب الأكبر عن الدعم والتضامن هو غالبية الشارع العربي وأنظمته الرسمية !!

