Menu

غزة تسد الطريق على مخطط الإبادة والتهجير !..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (76) (1550)

يتمثل أحد أهم تجليات البلطجة الترامبية بالتعامل مع الدول في الاستفراد بالرؤساء , ووضعهم تحت الضغط المتواصل وتطويقهم بالتهديدات المباشرة .. وبالتالي انتزاع تنازلات منهم .. توضح ذلك في أمثلة كثيرة خلال الأشهر الماضية عبر تعامله مع القضايا الدولية – آخرها كان في شرم الشيخ عندما حضر متأخراً أربع ساعات عن موعد عقد المؤتمر – ففي حرب الإبادة الصهيوأمريكية على قطاع غزة , اضطرت الإدارة الأمريكية للتعامل مع مجموعة من الدول على نحو جمعي , لكن سرعان ما تحاول الالتفاف على الموقف الموحّد , وتلجأ للتواصل مع الدول المعنية فردياً ومن وراء ظهر بعضها بعضاً لتفكيك المواقف وشرذمة التوافقات , هذا غالباً ما حدث – وما زال – عقب الخديعة الأخيرة " خطة ترامب " التي أعلنها بهدف إطلاق الرهائن الصهاينة , ومن ثم إيقاف المقتلة في غزة , تبعاً للخطة المنقحة فيصبح على المقاومة أن تطلق الرهائن خلال " 72 ساعة " ثم تنتظر رحمة الثنائي ترامب و نتنياهو لإيقاف الإبادة والمَظْلمة .. فهل ثمة عاقل على وجه الأرض يمكن أن يثق بهذه " الخطة المنقحة " ؟.

عبر صياغة هذه الخطة وتسويقها , تلاعب ترامب بالجميع , موظفاً مهاراته المهنية السابقة كتاجر عقارات فهلوي يدوس على القيم والبشر , ويغدر بالقريب والبعيد لتحقيق هدفه بتعظيم الأرباح إلى أعلى درجة , فأصبح معروفاً أن " خطة ترامب " انقسمت إلى خطتين مختلفتين , واحدة متوافق عليها مع مجموعة الدول العربية والإسلامية , والثانية منقحة ومتفق عليها مع صديقه نتنياهو " بيبي " وهي مضموناً خطة هذا الأخير !..

لقد صدرت عن بعض الدول التي تعرضت للخديعة تصريحات خجولة تقول أن فارقاً جوهرياً قد حصل بين " الخطتين " لكن يبدو أن ثمة قناعة ما تراهن على زخم صمود غزة الأسطوري والتضامن الأممي المتعاظم سيقود إلى إنهاء حرب الإبادة والتطهير العرقي في غزة وكل فلسطين .. بالرغم من عنجهية وفاشية نتنياهو وحكومته التي تصر على تدمير قطاع غزة واقتلاع المقاومة وسلاحها والمضي في مخطط التهجير !..

ينجح نتنياهو بإغراق ترامب في التفاصيل والجزئيات وسط التركيز على مدح عظمته والتملق لذاته المغرورة , وإعلاء دوره وإنجازاته أمام الإعلام .. لنا أن نتوقع أن نتنياهو وفريقه يتواصلون يومياً مع ترامب وفريقه .

إزاء وضع كهذا .. ما الذي يمكن أن تقوم به المقاومة الفلسطينية في مواجهة هذا الثور الهائج , الذي يحطم ويكسر كلما ركض بأي اتجاه ؟! إعلان المقاومة المبدئي بقبول " خطة ترامب " والمباشرة بتنفيذ بنود المرحلة الأولى , كان خطوة ذكية امتصّت قدراً من الهيجان والحماقة الترامبية .. و بدا من ردة الفعل الأولى وكأن ترامب أقنع نفسه بأنه أوقف المقتلة .. لكن الفقاعة المفاجئة سرعان ما خمدت , وعدنا إلى السيرة المعروفة , حيث يتلاعب نتنياهو بترامب , فتبعاً للأجندة السياسية للأول تحول طلب ترامب لنتياهو بـ " إيقاف الحرب " فوراً إلى " إشادة بالرغبة في الوقف المؤقت للعمليات العسكرية " , وهنا ليس أمام المقاومة إلا الاحتماء بالنسخة الأصلية من خطة " ترامب " وتفويض الأطراف العربية والإسلامية الضامنة لإنجاز ما اتفق عليه في مؤتمر شرم الشيخ .. ليس هذا لأنه يحقق الحد الأدنى مما هو مطلوب فلسطينياً , بل أيضاً لأن الخطة بصيغتها الإسرائيلية تهدد العرب والمسلمين أنفسهم , إذ تعيد فلسطين إلى عهود الوصاية الاستعمارية المباشرة !..

• المرحلة الثانية والثالثة الأكثر تعقيداً :-

تشمل المرحلة الثانية والثالثة من المفاوضات – إن كتب لهما أن تبدآن – ملفات حساسة تتعلق بمستقبل قطاع غزة , أهمها :

- أولاً : مفاوضات " اليوم التالي " في القطاع حول المؤسستين الأمنية والسياسية , وتتمحور هذه المهمة فيما إذا كانت " لجنة التكنوقراط الفلسطينية " التي ستوكل إليها وظيفة إدارة القطاع ستكون ذات صلاحيات حكومية , أم بلدية فحسب و تحت وصاية " مجلس السلام " الذي سيرأسه ترامب شخصياً مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير .. في هذا السياق تبرز قضايا أخرى شائكة , مثل هوية الطرف الذي سيتولى إعمار قطاع غزة , وما طبيعة مهمة القوات التي سيجري نشرها في القطاع , وهل ستكون عربية وإسلامية , أم قوات دولية , أم بالدمج بين كليهما ؟ وهل ستكون هذه القوات في حدود القطاع , أم داخله ؟! علماً أن قوات الاحتلال الصهيوني لا تزال تحتفظ بـ " 53% " من مساحة قطاع غزة !..

- ثانياً : مسألة سلاح المقاومة , هل سينزع ؟! وهو الأمر الذي ترفضه المقاومة , وتقول إنه لن يسلّم إلا إلى حكومة فلسطينية وطنية وشرعية وتوافقية , لكن حكومة الاحتلال تصر على نزعه بينما الوسطاء الأتراك والمصريين وال قطر يين يقترحون " تجميده " .

- ثالثاً : مسافة ومدى انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ؟! وهل سيحافظ هذا الاحتلال على وجوده العسكري في " محيط أمني " فيه , وماهو الأفق الزمني لذلك ؟!

- رابعاً : طبيعة الضمانات المقدمة للجانب الفلسطيني ومصداقيتها وموثوقيتها لناحية أن حكومة الاحتلال لن تتنكر للاتفاق – كما فعلت من قبل – وبالتالي تعود إلى حربها الهمجية على غزة بعد أن تكون قد استعادت كامل الرهائن الأحياء والأموات !.

- خامساً : إعادة إعمار قطاع غزة .. والسؤال المركزي هنا : من سيموّل ويشرف وينفذ ؟! في ظل التكلفة الضخمة المقدرة بنحو " 80 " مليار دولار .. وهذه فرصة نادرة للشركات العربية والعالمية ! ووفقاً لتصريح ترامب في هذا الصدد قال :" إن دولاً في المنطقة تمتلك ثروات طائلة عليها المساعدة في إعادة إعمار قطاع غزة "!.

إذاً هو اتفاق مليء بالألغام , وله ثلاث مرجعيات مختلفة , فالمقاومة الفلسطينية التي تحظى بمقدار متفاوت من الدعم عبر الوسطاء الثلاثة " الأتراك والمصريين والقطريين " لديها تفسيرها لبنود الاتفاق الدولي , والشكل النهائي الذي ينبغي أن يرسي عليه , في حين أن لدى حكومة الاحتلال تصوّر مناقض تماماً للصيغة النهائية للاتفاق واشتراطاته , بالرغم من أن الإدارة الأمريكية هي أقرب إلى المقاربة الصهيونية , إلا أنها لا تتردد في إيجاد مسافة نسبية معها وإظهار بعض المرونة أحياناً لمحاولة حسم " وقف إطلاق النار ", لأسباب شخصية متصلة بالرئيس ترامب ونرجسيته وإرثه الرئاسي , كذلك لأسباب سياسية داخلية وخارجية , تتصل بتزايد الانقسام الأمريكي حول الموقف من حكومة الاحتلال بما في ذلك القاعدة الانتخابية لترامب " حركة maga " ناهيك عن تصاعد الغضب العالمي واشمئزازه من جرائم " إسرائيل " و صلفها , والتعامل معها "دولة منبوذة " مما يزيد العبء على الإدارة الأمريكية ودعمها في المحافل الدولية !..

الاعتبارات آنفة الذكر حاضرة , وتجعل من " وقف إطلاق النار المؤقت " في المرحلة الأولى هشّاً وقابلاً للانهيار مجدداً , ولكن , أي هدوء ووقف لآلة الدمار والقتل و الهمجية الصهيونية , ودخول المساعدات الإنسانية , أمر يستحقه أهل غزة , الذين دخلوا في العام الثالث من حرب إبادة وتطهير عرقي قلّ أن شهد التاريخ البشري مثل وحشيتها و فاشيتها , ولعل من المفارقات الصاخبة في هذا السياق أن الرئيس ترامب , الشريك في جريمة إبادة قطاع غزة , هو الضامن الأول لهذا الاتفاق – وفق مؤتمر شرم الشيخ الأخير – وللأسف هو من يملك مفاتيح وصول العدوان إلى نهايته !.

ترامب هذا ليس مثل سلفه جو بايدن .. فهو نرجسي وكذاب ومحتال ومجرم , لكنه ليس ضعيفاً وتافهاً أمام نتنياهو مثل بايدن , في حال حزم أمره في أمر يعمل على تنفيذه , ويمكن لنتنياهو المراوغة معه , كما فعل في تموز الماضي , عندما نجح في تحميل " حركة حماس " مسؤولية رفض مبادرته حينها , رغم أنه هو الذي رفضها !.

خلاصة القول : إعلامياً ودبلوماسياً وسياسياً .. من المفيد جداً التركيز في هذه المرحلة العصيبة على الفكرة التي أشارت إليها البيانات الرسمية العربية والإسلامية حول " التغيير المخادع " في بنود الخطة المتفق عليها , ومطلوب رسمياً من هذه الدول أن تضغط يومياً على الرئيس ترامب وإدارته , كما يفعل نتنياهو وحكومته , في محاولة لموازنة الضغط والتأثير , حيث لا تقل أهمية هنا ضرورة أن يبقى الموقف العربي والإسلامي موحّداً , وأن لا يفكك كما هي العادة الترامبية , وفي هذا السياق تكمن أهمية البيان المشترك رغم تواضعه , الذي صدر باسم ثماني دول عربية وإسلامية :" تركيا, اندونيسيا , باكستان , مصر , السعودية , قطر , الإمارات , الأردن " في 5/10/2025 , ورحب بموافقة المقاومة الفلسطينية على " الخطة " وأعاد التأكيد على النقاط الرئيسية في الخطة الأصلية , وفي حال استمرار المحافظة على هذا الموقف الذي يمثل الحد الأدنى من التماسك , إذ ظلت المقاومة تحتمي به , فإن الطريق سيبقى مغلقاً أمام مخططات نتنياهو الإبادية والتهجيرية , وبالتالي يؤدي إلى وقف المقتلة !..

ليس هذا تقليلاً من شأن المخاطر التي تواجه فلسطين والمنطقة من ترامب وسياسته , لا سيما أن الوضع هنا استثنائي , وفي خلفيته لوبيات صهيونية ويمين أنغليكاني صهيوني و كونغرس يبحث في شؤون " إسرائيل " أكثر مما يبحث في شؤون أمريكا , لكن القضية المهمة التي تبقى قائمة أن ترامب يمكن صدّه وتقليم جموحه , عبر مواقف جماعية موحّدة ومتماسكة !..