Menu

سوريا تحت وطأة العقوبات: الفرص المحدودة والتحديات المتصاعدة

عزيز موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (76) (1550)

تُشكّل العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا وعلى رأسها قانون قيصر أحد أكثر الملفات حساسية، بينما تُقدَّم هذه العقوبات بوصفها أداةً قانونية لردع الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، فإن آثارها الاقتصادية والإنسانية كشفت عن واقعٍ مغاير، حيث تحوّلت من وسيلة ضغط سياسية إلى عبء إنساني واقتصادي شامل طاولَ كل مفاصل الحياة السورية.

تؤدي العقوبات وبشكل أساسي قانون قيصر الدور الرئيس في إعاقة أية عملية للإعمار في سوريا، في ظل الحاجة لحشد موارد مالية ضخمة لهذه العملية وتفاوت التقديرات بالنسبة لتكاليف إعادة الإعمار التي تتراوح بين 216 مليار دولار وفقاً لتقديرات البنك الدولي و مايقارب 900 مليار دولار وفقاً لاقتصاديين وخبراء ماليين محليين ودوليين، هذا بدوره يدفع باتجاه التعامل مع مسألة رفع العقوبات وإلغائها باعتبارها تمس الامن الوطني السوري.

 

رفع جزئي... لا يحرّر الاقتصاد السوري

مثّل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أيار 2025 رفع العقوبات الأمريكية بموجب أوامر تنفيذية رئاسية من خلال الترخيص رقم 25، إضافة إلى الإعفاء الصادر عن وزارة الخارجية الامريكية لمدة 180 المتعلق بقانون قيصر انتقال هام في طريقة التعاطي مع الملف السوري، إلّا أن العثرة الأساسية بقيت عدم رفع / إلغاء قانون قيصر بسبب شموليته لكافة القطاعات والتعاملات مع سوريا مما يحجب إمكانية الاستثمار بشكل حقيقي.

ترتبط مسألة العقوبات بمجموعة من المعايير والشروط التي ترى الولايات المتحدة ضرورة توافرها وتنفيذها لعدم السماح بوجود أية اختلالات أو السماح بعودة لنفوذ قوى معادية إلى الساحة السورية، وهذا يتضح بموافقة مجلس الشيوخ الأمريكي إدراج إلغاء قانون قيصر ضمن "قانون الدفاع الوطني"، في ظل انقسام حاد بين أعضاء الكونغرس بين مؤيد لاستمرار العقوبات كأداة ضغط على الإدارة السورية ومعارض لها باعتبارها تستهدف المواطنين وتمنع عملية استقطاب الاستثمارات، و وجود جناح ضمن الإدارة الأمريكية يضغط باتجاه رفع العقوبات بشكل كامل قبل نهاية عام 2025 وعدم تمديده، والتمهيد لإعادة بناء البنية التحتية التي تحتاج شركات ومؤسسات مالية قادرة على العمل دون المخاطرة بالتعرض لعقوبات ثانويةـ، هذا يسمح بخلق فرص عمل وعودة المهجرين طوعياً، واحتواء بعيد المدى للصراع إذ يساهم الاقتصاد المتعافي في خفض معدلات الفقر والاحتقان الاجتماعي وهما مكوّنان مهمّان لدرء تجدد العنف أو انتشار الجماعات المسلحة، إلاّ أن الاعقاءات المحدودة والرفع الجزئي للعقوبات مع بقاء القيود لا يمكن أن يحرر الاقتصاد السوري من وطأة العقوبات، في ظل تخوف رؤوس الأموال من الفوضى والاستقطابات السياسية.

 

عقوبات مشروطة بحسابات سياسية

تحكم الحسابات السياسية مسار الرؤية الأميركية وطريقة التعاطي مع الإدارة السورية، إذ تركز على خلق حوافز للامتثال وقيود مراقبة من خلال رفع أو تخفيف عقوبات مشروط يمكن أن يُستخدم كأداة لفرض إصلاحات ملموسة (قضائية، وصول مراقبين دوليين، تحرير سجناء، ...إلخ)، هذه الآلية تراها الإدارة الأميركية كأداة ضغط عكسية أكثر فاعلية من العقاب الصرف، إذ يمكن اعتماد آلية رفع مرحلي ومشروط من خلال تراخيص مشروطة للمعاملات الإنسانية والبنية التحتية مع متطلبات شفافية، قوائم مراقبة للأفراد والكيانات المتورطة في جرائم، وبرنامج دولي مستقل للتحقق، هذا يوازن بين العدالة والواقع الإنساني.

كما ان الانقسام في الآراء بين التيارات المختلفة في الإدارة الأميركية يؤدي إلى تأسيس آلية للرقابة تنسجم فيها المطالب الخاصة بالإصلاحات مع رفع العقوبات وقياس مدى الالتزام من قبل الإدارة السورية وإعطاء الفرصة للشعب السوري في الوقت ذاته، فالمطالب السياسية ترتكز على مسائل مكافحة الإرهاب وحماية الأقليات، وعدم الاعتداء على الدول المحيطة بسوريا في الإشارة " لإسرائيل"، وإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والعسكرية، والتحقيق الجدي في الانتهاكات خاصة المتورطين في مجازر ضد الأقليات الدينية، هذه الشروط تخضع لتقييم ومراقبة مستمرة في حال الإلغاء الأولي من قبل الكونغرس، من خلال إحاطة تتقدم بها الخارجية الأميركية وتقرير مفصل عن قضايا الحوكمة والعدالة الانتقالية كل 90 يوماً لتصبح فيما بعد كل 180 يوماً لمدة 4 سنوات، وفي حال عدم تمكن الرئيس الأمريكي والخارجية تقديم تبرير للبنود أعلاه لـمرتين متتاليتين، فإن الكونغرس يوصي بإعادة فرض عقوبات "قانون قيصر" لعام 2019، وبقائها سارية حتى يتحقق الامتثال الكامل للشروط.

 

بين الفرص والتحديات

تخضع مسألة رفع العقوبات أو إلغائها لمقاربات متعددة تتشابك فيها الأهداف والمصالح السياسية والالتزام بتنفيذها، مع الواقع الاقتصاد الهش الذي تعاني منه سوريا بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب المدمرة، بالتالي تبرز حجم التحديات التي تواجهها الإدارة السورية في القدرة على الاستفادة من الإعفاءات والتراخيص المتعلقة برفع العقوبات، بالمناورة في استقطاب استثمارات حقيقية تدخل حيز التنفيذ من قبل جهات اقتصادية متعددة و تفاقم الاحتياجات الإنسانية التي تُظهر أن أكثر من 16 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، والعمل على تفعيل" مذكرات التفاهم" التي تم توقيعها سابقاً مع الكثير من الجهات والشركات والتي اتضح أن جزءاً منها كان غير جدياً، وارتباط ذلك بقدرة الحكومة على ترسيخ حالة من الاستقرار والأمن في البلاد إلى جانب توفير البيئة القانونية والتشريعية المناسبة لاستقطاب المستثمرين الذين ينتظرون عملية الرفع الكامل للعقوبات، وما يشكله ذلك من فرصة حقيقية في إطلاق أكبر عملية إعمار لدولة بعد الحرب العالمية الثانية، وما يرافقها من تأثير جيواقتصادي على المنطقة يبقى مرهوناً للمصالح الإقليمية والدولية.

إلغاء العقوبات أو تليينها بشروط ذكية ليس هروباً من المساءلة، بل سعيٌّ عملي لإنقاذ البشر وإعادة بناء ما تهدِم بدورات العنف والفقر، قانون قيصر ولد كرد فعل سياسي وأخلاقي على نظام سابق بهدف ردعه وتطويق مسؤوليه، لكن استمرار السياسات العقابية الجامدة بعد الانهيار الاقتصادي والإنساني الواسع لا يخدم لا العدالة ولا الاستقرار.

إنّ الحديث عن ضرورة إعادة النظر في العقوبات المفروضة على سوريا لا ينطلق من اعتبارات سياسية ضيّقة، بل من منطق إنساني واستراتيجي يستند إلى قاعدة بسيطة: لا يمكن لأي دولة أن تتعافى أو تستقرّ في ظل اقتصادٍ مختنق ومعزول، كما أن استمرار معاناة ملايين المدنيين تحت وطأة القيود الاقتصادية يُضعف مصداقية المنظومة الدولية، ويجعل أدواتها القانونية تبدو أقرب إلى أدوات عقاب جماعي لا إلى وسائل تحقيق العدالة، من هنا فإن النقاش حول رفع أو تعديل العقوبات، وفي مقدمتها قانون قيصر، لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية وأمنية لإعادة تفعيل مسار التعافي الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً في منطقة تعاني أصلًا من فائض التوتر ونقص الأمل.