في خيمة مهترئة لا تتجاوز مساحتها ال 24 مترا مربعا، بدت عليها آثار شمس الصيف ورطوبة الشتاء، على مقربة من شاطىء البحر وعلى أطراف مخيم دير البلح وسط قطاع غزة بدأت الحكاية.
خيمة تعج بالطلاب من كلا الجنسين في أعمار تتراوح بين ست إلى عشر سنوات، تعلو أصواتهم محاولة حجب صوت طائرات الاستطلاع التي تملأ المكان، تخفت الأصوات فجأة عندما تُقاطعها أصوات قصف هنا أو استهداف هناك، وإذا ما اقتربت أكثر ستجد أطفالا تجردوا من كل شيء إلا العزيمة، وكأن طفولتهم سُلبت منهم، يرتدون ملابس رثة أكلت عليها الحرب وشربت، وأحذية إذا رأيتها حسبتها موروثة من العصر الحجري، تشبه كل شيء إلا الحذاء، يجلسون على الأرض على حُصر بالية، ويجعلون من أرجلهم وظهور زملائهم متكأً لكراريسهم الممزقة التي نجت من نار الطبخ بأعجوبة.
الأمل من رحم الألم...
ولأن الأمل يولد من رحم الألم، حيث تتقاطع آثار الحرب مع أنفاس النازحين المشردين في الخيام هناك، بدأت نجاح مهنا ذات ال 33 عاما، وهي معلمة تحمل في عينيها بريقًا لا يُشبه الانكسار، حالها كحال طلابها الذين تقاسمت معهم لحظات الخوف والفرح، في خيمة قامت بإنشائها، بعد أن دمر الطيران الحربي الاسرائيلي المركز التعليمي الخاص بها بداية الحرب، وكانت نجاح قد عملت قبيل الحرب في تعليم مرضى السرطان في مركز التدريب المجتمعي، مما أكسبها الخبرة في العمل مع الحالات الخاصة وتحت أي ظرف من الظروف ولعل ذلك كان دافعا قويا لها للعطاء، فجاءت الخيمة كنواة لمدرسة ستُعيد البهجة إلى أطفالٍ أنهكتهم أصوات الصواريخ أكثر مما أنهكتهم الدروس، وبدأ الحلم يكبُر يومًا بعد يوم.
كانت نجاح تعلّم الأطفال المنقطعين عن الدراسة، تُمسك بأيديهم الصغيرة لتكتب بها أولى حروف الأمل، وتُعيد إلى قلوبهم الإحساس بأن للحياة وجهًا آخر غير الخوف والموت.
تحديات ومسؤوليات لا تنتهي..
لم تكن الطريق أمامها ممهدة، فمرض زوجها الذي كان عامل بناء بسيط أقعده عن العمل، واضطرت لتحمل مسؤولية البيت والأطفال بالإضافة إلى عملها في تعليم الأطفال في الخيام.
بدأت تصنع الحلويات وتبيعها للنازحين في الأسواق؛ لتؤمّن قوت يومها ومصروفات صفها الصغير، كانت تمزج السكر بالعزيمة وتعجن الدقيق بالأمل وتقول في نفسها: "يوما ما سأصنع من هذا العناء شيئاً يشبه حُلمي"، بينما عيناها ترنو دائمًا إلى ذلك الحلم المؤجل: أن تُنشىء مركزاً تعليمياً يُغيّر من واقعها وواقع من حولها من أطفال سلبتهم الحرب أبسط حقوقهم.
حلم التعليم وسط الدم..
تدمير المدارس وانقطاع الطلاب عن الدراسة كان الحافز الرئيسي والأهم لها للعمل والإصرار على النجاح.
ترى نجاح أن الحرب حرمت الأطفال من أبسط حقوقهم التي يجب ألا تُمس، ألا وهو حقهم في الأمان والتعليم، وهو حقٌ أساسيٌ لأي طفل كفلته لهم المواثيق الدولية، فمشاهد الأطفال في طوابير المياة والطعام، دفعتها للتفكير جدياً، لماذا لا يعود هؤلاء الأطفال إلى مقاعد الدراسة لممارسة جزء ولو بسيط من حياتهم الطبيعية كأطفال، وانتزاع حقهم في التعليم كنظرائهم في العالم.
مدرسة من خيمة...
تمكنت مهنا من إنشاء خيمة تعليمية متواضعة، علقت جدرانها سبورات بيضاء اللون تغير لونها إلى السواد بسبب سحب الدخان المنبثقة من أفران الطين المجاورة، في مقابلها يجلس الطلاب أرضا، لعدم توافر المقاعد اللازمة بسبب الحصار وتدمير ما تبقى منها تحت حطام المدارس، ويضعون كراريسهم فوق أرجلهم ليتمكنوا من الكتابة، ينظرون بأعين حائرة ووجوه شاحبة أرهقها الجوع والخوف لكل من أتى إلى خيمتهم زائراً، ليقولوا لهم : ها نحن هنا سنبقى ونتعلم حتى
أم قبل أن تكون معلمة...
تروي مهنا كيف تعاملت كأم مع جميع الأطفال على اختلاف حالاتهم، فمنهم النازح والخائف والجائع ومنهم من فقد أهله وأحبائه وبيته، فكانت لهم بمثابة الأم وليست مجرد معلمة، حاولت أن تحتضنهم وتعوضهم عن جزء بسيط عما فقدوه.
تسترجع نجاح بذاكرتها فترة المجاعة وكيف عانى الطلاب من الجوع وعدم التركيز والهُزال وتقول:" كنت أشفق على طلابي عندما أراهم يعانون الجوع والأمراض، بسبب المجاعة وسوء التغذية، وأحيانا كنت أحرص على توفير ما تيسر من طعام وشراب على نفقتي الخاصة، أو عن طريق بعض المؤسسات، من أجل مساعدتهم على التركيز وتشجيعهم على التعلم، وقد أصاب أجسادهم النحيلة الهزال والمرض، ورغم هذه التجربة القاسية والمشاعر الصعبة التي تفوق قدرتهم على استيعابها والتعامل معها، إلا أنهم حرصوا على المجيء كل يوم والانخراط مع زملائهم وتلقي الدروس والقيام بواجباتهم المدرسية".
الجوع والتعب لا يوقفان الحلم..
وبسبب الإقبال الكبير على التعليم بدأت نجاح بطرق أبواب العديد من المؤسسات الداعمة لفكرة مواصلة التعليم خارج أسوار المدارس، التي في أحسن أحوالها تحوّلت إلى مراكز إيواء، حرصا منها على استمرار العملية التعليمية وتمكين عدد كبير من الطلاب من العودة إلى مقاعد الدراسة وتلقي العلم.
في كل مرة، كانت تتلقى ردودًا مشروطة من تلك المؤسسات لتقديم الدعم اللازم للطلاب على سبيل الذكر، أن تكون مساحة المدرسة أكبر، وعدد طلاب أكثر.
وكانت تحدث نفسها كلما نظرت إلى طلابها:"لن أترك حلمهم في مواصلة التعليم يتوقف عند شروط وإملاءات"، وتضاعف عدد الطلاب وزاد الإقبال على خيمتها التعليمية المتواضعة، حتى أصبحت تعج بالطلاب ولا تكفي لاستيعاب أعداد كبيرة, فمدرسة النجاح كما أسمتها تحتضن الآن نحو مئتي وخمسين طالبا وطالبة يزيد العدد أو ينقص قليلا حسب نزوح وتنقل العائلات المستمر.
من خيمة إلى مدرسة تحمل اسمها..
وبجهودها الذاتية، استطاعت أن تنتقل من خيمتها المتواضعة في مخيم دير البلح، إلى مساحة في أسفل بناية تقع في منطقة البصة شمال المدينة، كان المكان غير مؤهل تماما، قامت نجاح بالاستعانة بنجار وتقسيم المكان إلى عدة صفوف باستخدام أخشاب البناء البسيطة وشوادر بلاستيكية، وزودت كل غرفة تعليمية بسبورة خشبية سوداء مع مقاعد أكثر تماسكاً وتنظيماً، حصلت على أخشابها من بعض أثاثها القديم وألواح خشبية تم استخراجها من البيوت والمؤسسات المدمرة، وإعادة تدويرها واستخدامها، وكان الأهم بالنسبة لها وجود سقف إسمنتي يحمي الأطفال من حر الصيف وبرد الشتاء الذي عانوا منه على مدار سنة كاملة في الخيام.

تقول نجاح وفي عينيها نظرة رضا وارتياح بعد عناء: "لقد بدأ حلمنا يتحقق، وهنا وُلدت مدرسة النجاح التعليمية رغم المعاناة، حاملة اسمي وقصة كل طفل من أطفال غزة حُرم من التعليم، لتصبح مأوىً للتلاميذ الباحثين عن حقهم بحياة عادية.
فرح العودة وحيرة الفقد
تعود مهنا بذاكرتها إلى فبراير 2025، وعندما دخلت الهدنة الثانية حيز التنفيذ، وبدأ النازحون بالعودة إلى ديارهم، وتناقص عدد الطلاب في المدرسة بشكل كبير، وتروي وقد علت وجهها ابتسامة ممزوجة بالحيرة :"ذات صباح، نظرت إلى الصفوف التي كانت تضجّ بالحياة، فوجدت المقاعد شبه فارغة إلا من بقايا دفاتر وحقائب تركها الأطفال على عجل عندما عادوا مع ذويهم إلى مناطق سكناهم في شمال القطاع، بعد أن تركوا لي وعدا بمواصلة التعليم هناك"، وتضيف :"شعرت بسعادة لعودتهم وانتهاء نزوحهم لكنني شعرت أيضا بحزن لأنني لن أراهم في المدرسة صباح كل يوم"، وتزيد :" ذهب الطلاب ولكن بقي الإصرارٍ بأن الحلم الذي بنيته معهم يجب أن يستمر وينجح ".
واستمرت بجهود ١١ معلماً ومعلمة متطوعين، غالبيتهم من سكان المنطقة المحيطة بالمدرسة ذاتها، كونهم متطوعين دون عائد مادي، ولكنهم آمنوا بالفكرة مثلها، وهذا لم يقلقها أبدا كما لم ينقص من عزيمة أحد منهم.
مدرسة النجاح: رمز للصمود
لحظات اختبار شعرت فيها مهنا بمعنى أن تقف على الحافة بين السعادة بالعودة والإصرار على المواصلة رغم قلة الطلاب، تقول :"بقدر سعادتي لعودة الأطفال وذويهم إلى ديارهم، ترك كل طفل فيهم بداخلي فراغاً وذكرى وعزيمة لا تنسى، لكنني لم أستسلم وبدأت باستقطاب طلبة آخرين ممن فضلوا البقاء هنا وعدم العودة لعدم وجود مكان يأويهم، بعد أن دمر الاحتلال بيوتهم، إلى جانب أهالي المدينة والمخيم وقد كان لي ما سعيت لأجله".
وشاركتني ما قالته في صمتها :"ربما قلّ عدد الطلاب، لكن لم يقلّ الإيمان بأن ما بدأ بخيمة لن ينتهي بخيبة."
ومثل نبتةٍ تتشبث بالحياة في أرضٍ قاحلة، وصل لنجاح بصيص أمل من جديد عندما تلقت اتصالا من المجلس النرويجي الذي دعم مدرستها جزئيا. واقتصر الدعم على الصفوف من الخامس وحتى التاسع.

فرحت نجاح بالإنجاز، وزادت فرحتها بعد عودة توافد الطلاب بكثرة إلى مقاعد الدراسة في مدرستها الناشئة، وحاولت استغلال الدعم المقدم، لتغطية كل المراحل الدراسية، من البستان وحتى التاسع، بمساعدة وجهود المتطوعين، وبيقين بأن التعليم حق لا يجب أن تقتلعه الحرب البشعة، ولا يجب أن يُجزّأ، وأن كل طفل مهما كان مستواه يستحق فرصةً متكاملة للتعلّم والنماء.
تقول نجاح برضا ممزوجا بالتحدي: "بدأنا من خيمة، واليوم نواصل التعليم في حاصل بسيط في بناية، لم أصل بعد لما أصبوا ويصبوا إليه الأهالي هنا بعودة أطفالهم إلى حياتهم الطبيعية، لكنني على الطريق، وأؤمن بالوصول.
والمتجول داخل مدرستها الصغيرة يلاحظ الجهد المبذول رغم بساطة وقلة الإمكانات، والتفاني في العمل الذي يبديه معلمو ومعلمات المدرسة المتطوعين، بالإضافة إلى الدعم النفسي والترفيهي المقدم من بعض المؤسسات التي توافدات إلى المدرسة خلال تواجدنا هناك، والتي كان لها أثر في تعزيز الصحة النفسية والمجتمعية لدى الأطفال الذين تخفي وجوههم الصغيرة الشاحبة وثيابهم الرثة القديمة ألف حكاية.

يذكر أن منظمة اليونسكو فريق التعليم (Education Cluster) أشارت إلى أنه حتى تموز/يوليو 2025 تعرضت نحو 97% من المدارس لمستوى من الضرر، و518 من أصل 564 مدرسة بحاجة إلى إعادة إعمار كاملة أو ترميم كبير قبل أن تعود للعمل الطبيعي.
كما نوهت في بيان إقليمي صادر عنها إلى أن مئات الآلاف من أطفال غزة خارج المدرسة منذ أكتوبر 2023؛ وقدر البيان أن نحو 645,000 طفل/طفلة خارج المدرسة في غزة بسبب إغلاق المدارس وتعطيل النظام التعليمي وتأثير البنية التحتية

