روائية أردنية تقيم في روسيا منذ سنوات طويلة، استطاعت عبر رواياتها تقديم ما هو مختلف في عالم الرواية العربية على صعيد الشكل والمضمون، وصلت روايتها "شمس بيضاء باردة" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2019، قامت مؤخراً بتوقيع روايتها "عُد إلى البيت يا خليل" بنسختها العربية في الأردن، بعد أن كانت قد أصدرتها عام 2009 بنسختها الروسية التي كتبتها إثر ما شاهدته على مدار أسبوعين من يوميات القتل والإجرام والتوحش في أحداث نيسان 2002 في مخيم جنين ومدن الضفة.
*نبدأ حديثَنا عن روايتك "عُد إلى البيت يا خليل"، أية خصوصية تحملها هذه الرواية بالنسبة لك كروائية؟
**ربما تكمن خصوصية هذه الرواية في موضوعها.. قبل شهر من البدء بكتابتها لم يكن يخطر ببالي أنني سأكتب رواية عن القضية الفلسطينية، لاسيما وأنني كنتُ حينذاك منغمسة في كتابة روايتي "ليلى والثلج ولودميلا" وتوقفت عن الكتابة مع بدء أحداث نيسان عام 2002 في مخيم جنين ومدن الضفة، وكان هذا الحدث وقتها صادماً بالنسبة لي على الرغم من معرفتي بتاريخ القضية الفلسطينية والمجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحقّ الشعب الفلسطيني، بيدَ أنها كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها على الشاشة بثاً حياً ومباشراً على مدار قرابة الأسبوعين ليوميات القتل والإجرام والتوحش، ولعلّ ذلك المشهد يبدو الآن على خلفية المأساة الغزاوية الفظيعة بسيطاً ومحتملاً، لكنه آنذاك كان بمثابة مواجهة أولى بالصوت والصورة مع المأساة الفلسطينية، لهذا كان تأثيره هائلاً عليّ، وحينما انتهت كنتُ ممتلئة بمشاعر الغضب والحزن والعجز، لهذا أجّلتُ استكمال الرواية التي بين يديّ وشرعتُ بكتابة "عد إلى البيت يا خليل".
*ما سبب إصدارك لها أولاً باللغة الروسية عام 2009؟
**كانت وسائل الإعلام الروسية في تلك الفترة منحازة على نحو أعمى للسردية الإسرائيلية الصهيونية، لهذا انتابتني رغبة عارمة في إيصال الحقيقة للإنسان الروسي الذي يتلقى أخباراً زائفة تشوّه حقيقة القضية الفلسطينية وتصوّر الفلسطينيين كإرهابيين همجيين يعتدون على دولة (متحضرة).
*ماذا تطلَّب منك كروائية ليصل خطابك عن فلسطين بشكل صحيح إلى الآخَر؟ ومتى ينجح الأديب في تحويل الأحداث الحقيقية إلى مادة روائية؟
**لا شيء سوى الصدق الفني والابتعاد عن الفبركة والتكلف وعن اللغة الخطابية الإنشائية المبهرجة، وبموازاة ذلك محاولة تصوير الألم الحقيقي غير المبتذل الناتج عن مأساة حقيقية، ذلك أن الأدب -كصنف من صنوف الفن- يعتمد بالدرجة الأولى على مخاطبة المشاعر في إحداث التأثير المطلوب لدى المتلقي وليس عبر لغة ضحية تولْول وتشكو وتصرخ بل عبر تصوير الجريمة الفظيعة وانعكاساتها وأثرها عليه كضحية، أما تحويل الأحداث الحقيقية إلى مادة روائية فهذا ليس بالسؤال الصعب، فالحدث سواء كان حقيقياً أم متخيلاً هو عنصر رئيس من عناصر الرواية، والسؤال هنا هو حول كيفية توظيف هذه الأحداث الحقيقية في سياق محدد مقنع فنياً وقابل للتطور وتتحرك في فضائه الشخصيات وتمارس وجودها المأزوم.. إذا كان الحدث حقيقياً فإن بناء الشخصيات وبناء السياق هما السؤالان الأهمّ اللذان يحددان بالمحصلة نجاح أو فشل المقولات التي تهدف الرواية إلى طرحها.
*هل نجح الروائي العربي في كتاباته حول القضايا المصيرية في مخاطبة الآخر؟
**أظن أن الكاتب بغضّ النظر عن جنسيته لا يضع حينما يكتب نصب عينيه قارئاً ما سواء كان من أبناء أمته أم كان أخر، وللكتابة الناجحة شروط لا تدخل فيها جنسية القارئ، لهذا فإن السؤال حول نجاح الكاتب العربي في مخاطبة الآخر يقودنا إلى سؤال: هل نجح الكاتب العربي أصلاً في كتابة الرواية؟ وإجابتي هي: بالطبع نعم، فلدينا روائيون مبدعون كبار من مختلف الدول العربية، خصوصاً روائيو القرن العشرين، وبعضهم وصل للعالمية كنجيب محفوظ، وآخرون بدرجة أقل، وهناك من لم يحظَ بشهرة عالمية يستحقها ك غسان كنفاني مثلاً، وأظن أن السبب يكمن في اللوبي الصهيوني المهيمن على المشهد الثقافي والأدبي العالمي.
*هل تتفقين مع من وصف رواية "عُد إلى البيت يا خليل" بأنها استكشاف وثائقيّ للحال الفلسطينية؟ وما مفهومك للرواية الوثائقية؟
**بالطبع لا أتفق.. صحيح أنني في هذه الرواية اعتمدتُ على أحداث تاريخية حقيقية تَتبعتُ على خلفيتها قصة متخيلة لشاب هو سليل عائلة عاشت المجازر الصهيونية بدءاً من مجزرة دير ياسين ثم مجزرة صبرا وشاتيلا، وانتهاء بمجزرة مخيم جنين، لكن ذلك حتماً لا يجعلها استكشافاً وثائقياً يهدف للتأريخ، فالعمل التوثيقي له شروط وسمات تختلف عن شروط الرواية، وحين نحكم على عمل أنه وثائقي فإننا ننفي عنه الشروط الفنية المطلوبة في الرواية كالبنية الفنية واللغة الأدبية والشخصيات والحبكة والصراع والتطور والخيال، فالخيال أيضاً حاضر في هذه الرواية، وأتذكر هنا تعليقَ كثير من القراء الروس على الرواية في مواقع الكتب ولم يصفها أي منهم بالرواية الوثائقية، وغالبيتهم أشاروا للواقعية السحرية فيها، وقد فوجئتُ حين قرأتُ ذلك، خصوصاً وأنني لم أقصد اللجوء للواقعية السحرية كشكل فني، ولم أعرف أنني كتبتُها، ولست أدري حتى اللحظة إن كانوا محقّين في حكمهم أم لا، لكنني أثناء الكتابة لجأتُ للخيال في كثير من المواقع كحلول لأسئلة فرضها الواقع، فمثلاً مسألة عودة البطل إلى فلسطين وهو لاجئ فلسطيني في لبنان، بينما من المعروف أن عودة اللاجئين من لبنان إلى فلسطين مستحيلة، أما باقي الشخصيات تحيا في الواقع نفسه مثلما تحيا في واقع آخر متخيل كان يمكن أن يكون لولا الاحتلال.. إنها تعيش الاحتمالات الأخرى الممكنة لوجودها حين يعادل وجودها في الواقع الغياب أو الموت، وفي هذه الاحتمالات يحضر الواقع الموازي (ما كان يمكن أن يكون) مثلما يحضر الماضي قبل الاحتلال بذكرياته، ومثلما تحضر أحلام ذلك الماضي التي تبدو كأنها ذكريات أخرى عيشت ثم مخاطبة الشخصيات لبعضها البعض في حوارات لم تجر في واقع الأمر.. هناك إذن عدة حيوات حقيقية ومتخيلة، متداخلة ومتشابكة تنتقل الشخصيات بينها على امتداد زمن الرواية، وبهذا المعنى حاولت فهم الشخصية الفلسطينية التي تحيا مأزقاً وجودياً من خلال استكشاف نوعية هذا الوجود في ظل ظرف لا إنساني يحتّمه احتلال يقوم وجوده على إلغاء الآخر وإبادته وفنائه.
*بدأتِ كتابة " عد إلى البيت يا خليل" كما أسلفت في العام 2002 أثناء حصار مخيم جنين للّاجئين واجتياح مدن الضفة الغربية، فهل ما تشاهدينه اليوم في غزة قابل للكتابة؟ وهل هناك كاتب قادر على الارتقاء بنصّه إلى حجم ما يحدث؟
**كل ما يجري في الحياة بدءاً من الأحداث الشخصية الصغيرة وانتهاء بالمآسي الكبرى هو قابل للكتابة، فالحياة هي مادة للكتابة، ومن المؤكد أن هناك روائيين قادرين على كتابة المأساة الغزاوية.. أقرأ أحياناً نصوصاً يكتبها بعض الغزاويين على صفحاتهم، وبقدر ما هي مؤلمة بقدر ما هي مدهشة من الناحية الفنية.. سردٌ عاري من بهرجة اللغة، بسيط لمواقف تبدو بسيطة لكنها قاسية ومشحونة بالألم، لفَتني ذات مرة نصّ عنوانه "عرس في غزة" ففي لحظة تحول العرس إلى ما يشبه العزاء (فرح جنائزي) بدا لي المشهد سوريالياً وعميقاً ومؤثراً إلى درجة أنني بكيتُ وأنا أقرأ النص، وأظنّ أن ذلك الروائي الذي سيقوى على الارتقاء بنصه ليوزاي به حجم المأساة سيولد من رحم هذه المأساة ذاتها، من غزة نفسها سيكون واحداً، أو كثراً من الذين عاشوا هذه العذابات وطفحت ذاكرتهم بها، وسيأتي يوم تفيض فيه على الورق.
*قرأتُ لكِ تصريحاً بعد صدور الرواية تقولين فيه: "بالنسبة لي الفن هو الوسيلة الأهم لإبقاء الألم حيّاً، ليس لذاته بل كوسيلة لمكافحته، فكم نحتاج اليوم من الروايات للقيام بفعل التطهير من الآلام التي يشعر بها كل واحد منا تجاه ما يحدث في غزة اليوم؟
**ما قصدتُه بإبقاء الألم حياً ليس لغاية التطهر منه بل كوسيلة لاستثارة إنسانيتنا التي تبلدت.. نتألم في البداية، ثم نعتاد المشهد ما دمنا لسنا نحن الذين نتعذب، والإنسان أناني بطبعه، وحينما لا تكون المأساة مأساته الشخصية فهو قادر على طرح الألم من نفسه دون الحاجة إلى الأدب ليطهّره، مع أن غزة بالنسبة لنا كعرب هي مأساتنا الخاصة في الجوهر، لكننا لم نفقد شهيتنا للطعام، ولم نفقد لهفتنا للفرح والاستمتاع بالدفء أو ببرودة مكيف الهواء، بينما نغضّ البصر عن أهل غزة وهم جوعى ويحترقون ويُبادون.. إنه لمن الغريب أن نكون بهذه البلادة بينما تتأثر شعوب أخرى فلا يمرّ يوم إلا ونسمع فيه عن مظاهرات حاشدة في هذه المدينة أو تلك، أو نسمع عن أساليب مختلفة للاحتجاج، وبالنسبة لي هذا سؤال محيّر جداً: هل نحن العرب أنانيون وذاتيون إلى هذه الدرجة؟ هل نحن في غيبوبة؟ وما هو سرّ بلادتنا؟ لا أفهم كيف لا يقلب ما يحدث حياتنا رأساً على عقب؟ لذلك يحتاج الإنسان العربي برأي لكثير من الفنّ: الأدب، الموسيقى، المسرح، السينما، ليرتقي إلى إنسانيته ويجتاز أناه ويفكر بالآخر الذي هو أخوه، ويشعر بالتالي بضرورة الفعل.
*هناك اعتقاد شائع بأن الأدب الروائي الذي تكتمل عناصره الفنية هو الأدب الذي يحرك مشاعر الإنسان وانفعالاته أكثر مما يحرك فكره، فهل تتفقين مع هذا الاعتقاد؟
**أجل، صحيح أن الأدب يحمل مقولات فكرية وفلسفية وإنسانية وأخلاقية، لكنه في كلّ الأحوال يعتمد على أدوات فنية جمالية تخاطب أحاسيسنا، فالجمال ذاته مسألة حسية، ولا يمكن لنا التفاعل مع الأعمال الفنية -بما فيها الأدبية- إن افتقرت لعناصر الجمال والمتعة والقدرة على اختراق لامبالاتنا وإصابة مشاعرنا وتحريكها، فإن لم يحدث ذلك فسنحيد بنظرنا عنه أو نلقي الرواية من أيدينا حتى لو كانت تحمل أفكاراً عظيمة غير مسبوقة، والمتعة الناتجة عن جمالية النص بكل عناصره هي الباب الوحيد الذي ندخل منه إلى رحاب هذا النص وهي التي تبقينا فيه وتدفعنا لتلقي أفكاره وتأملها.
*يقول ميلان كونديرا في كتابه فن الرواية: "يجب على الفن الروائي الجديد ألا يحمل رسالة نهائية حاسمة بل يظل افتراضياً وساخراً بالدرجة الأولى" فهل يصح هذا الكلام في الكتابة عن القضية الفلسطينية؟
**مرت سنوات طويلة على قرائتي لهذا الكتاب، وما أذكره أن كونديرا يقول فيه: ما يميّز الرواية قدرتها على كشف ما لا يستطيع غيرها كشفه، وبهذا المعنى فهي تحمل رسالة مهمة: الكشف، أو إضاءة ما لا يستطيع غيرها إضاءته في الوجود الإنساني، أما بخصوص السخرية في الرواية فقد نظر إليها لا كرسالة غايتها الفكاهة والهزل بل كوسيلة ضد اليقين، كتب في سياق حديثه عن رواد الرواية الأوربية في عصر النهضة، وعلى رأسهم سرفانتس الذي حوّل مفهوم البطل التقليدي إلى بطل هزلي، يضع على رأسه بدل الخوذة طنجرة نحاسية، ويحمل بيده رمحاً صدئاً، ويحارب طواحين الهواء، وفي هذا السياق فإن الكتابة عن القضية الفلسطينية تنطوي في مضمونها (حتى لو كانت ساخرة) على رسالة حاسمة لا يمكن تفاديها لأنها تنبع من قلب السؤال عن الشرّ والخير.. وأودّ القول هنا إنني من المعجبين جداً بإبداع كونديرا، غير أنني أواجه مشكلة في فهم سرّ ازدواجية المعايير لديه فقد انتقد بحدة وسخرية ثاقبة النظام الشيوعي (وليس لديّ اعتراض على ذلك، فكل الأنظمة قابلة للنقد والمساءلة) لكنه في الوقت نفسه غضّ البصر عن الغرب بأنظمته الرأسمالية الليبرالية والاستعمارية التي استعبدتْ قروناً شعوباً أخرى، ولم تكف تفعل. لم يأتِ كونديرا في كتبه ورواياته على نقد الغرب أو الإشارة للإنسان الآخر غير الأوربي الذي كان ولا يزال ضحية للغرب، مثلما استفاض في الكتابة عن ضحايا النظام الشيوعي. أما فيما يخص القضية الفلسطينية فلا أعرف إن كان قد كتب شيئاً عنها، وربما كتب وفاتني أن أقرأ، لكنه كتب عن (إسرائيل) بما يفي بالغرض كما عند استلامه لجائزة القدس التي منحته إياها (إسرائيل) في العام 1985 فكتب واصفاً هذا الكيان المصطنع بأنه "الوطن الصغير الذي عثر عليه اليهود أخيراً".. عثروا عليه كأنما عثروا على لقية منسية ومهملة في غابة ما بمحض المصادفة ولم يؤذوا بتملكها أحداً.. بهذه الجملة القصيرة ألغى كونديرا شعباً كاملاً ووطناً لهذا الشعب كان اسمه فلسطين.. وبهذه الجملة شطب الاحتلال والجرائم التي ارتكبت لإنجازه، وظلت ترتكب على مسمع ومرأى منه! هذا الموقف بالنسبة لي ينسف صدقه في الإيمان بالمقولات العميقة التي قدمها حول الإنسان والرواية والوجود، كأنها مجرد تنظيرات جميلة لا تمت لقناعاته وسلوكه بصلة. ربما نحن بحاجة لرواية يكتبها مبدع بمستوى كونديرا يستكشف فيها على نحو ساخر سرّ موقف كثير من المبدعين الغربيين، ومن ضمنهم كونديرا ذاته، من قضية يتجلى فيها الشر المطلق، لكنهم يرونه خيراً.
*وُصِفت روايتك "ليلى والثلج ولودميلا" بأنها رواية ملحمية كلاسيكية بشكلها التقليدي، في حين اعتمدت الميتاسرد شكلاً فنياً لروايتك "س" فهل أنتِ من الروائيين الذين يشكل الشكل الفني هاجساً لديهم؟ ومتى يصبح هذا الهاجس خطراً على الرواية؟
*الشكل الفني بالنسبة لي هو على علاقة جدلية مع المضمون، فكل منهما يحدد الآخر، حيث يصبح هذا الأمر خطراً حين يكون الشكل الفني غاية بحدّ ذاته.. في "ليلى والثلج ولودميلا" تناولتُ مرحلة انهيار الاتحاد السوفييتي وما تبعها من تحولات كبرى على جميع الأصعدة بما فيها تحولات القيم والمفاهيم، في ضوء هذه التحولات وموت الحلم العرب بالاشتراكية والتحرر، تناولت أيضاً سؤال الأنا-العربي، والآخر–الروسي وتزخر الرواية بالشخصيات الروسية والعربية وتعدد أصوات وخطوط درامية كثيرة، لهذا وجدتُ أن السرد بلسان الراوي العليم هو الوسيلة الأفضل للكتابة لتناول هذه الأسئلة وقراءة الظروف والسياقات التي وُجدت الشخصيات فيها وبحث كل منها عن الخلاص الفردي بعد انهيار الحلم بالخلاص الجماعي، مع الإشارة إلى أنني أتحفظ على مصطلح "الكلاسيكي" أو "التقليدي" في وصف الرواية، فالأسلوب الكلاسيكي هو ذاك الذي يعتمد التسلسل الزمني الصارم للأحداث ويقوم على معمار هرمي (بداية، عقدة، نهاية) ويقدم لتاريخ الشخصيات، وهذه أمور ابتعدتُ عنها في بناء هذه الرواية، أما الميتاسرد فأول تجربة لي في استعمال هذا الأسلوب كانت في رواية "عُد إلى البيت يا خليل" حينها حتّم عليّ موضوع الرواية اللجوء إلى هذا الشكل: موضوع القضية الفلسطينية.. هي إذن عن مكان لم أكن أنا ككاتبة فيه أبداً، ولم أعش تجربة الاحتلال، لهذا جعلت الكاتبة حاضرة في الرواية، تعلن للقارئ منذ اللحظة الأولى أنها تؤلف رواية وتدخله إلى مختبر تأليفها، وقد منحني هذا الشكل المجال لتبرير الخيال وحل كثير من الأسئلة الناتجة عن تصادم واقعية الأحداث التاريخية مع تطور السياق الذي تسعى الرواية إليه، وفي رواية "س" تجلّى هذا الشكل بالتحامه مع المضمون أو مع الفكرة العليا للرواية: الإنسان أسير نصه الواقعي الذي يحياه في الحقيقة.. نص مجهول المؤلف، تحكمه منظومات فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية.. إلخ، ولا مجال للهرب منه إلى بعد آخر.. إنه ورطة الإنسان الفرد المختلف نفسياً وفكرياً عن النص الذي يعيش في متنه وهو غريب فيه ويتوجب عليه الخضوع لأحكامه وقوانينه، حيث تحيا بطلة الرواية "س" داخل رواية تؤلفها روائية تبحث عن بطلتها لتخضعها لنصها، أي لتمارس سلطتها على النص، و"س" تتساءل وتحلم بالهروب من هذا النص هناك اذاً نصّان: نص الروائية ذاتها، وداخله النص الذي تؤلفه، وكل من المؤلفة وبطلتها تتساءلان: هل ثمة وسيلة للهرب من هذه النصوص؟ هل بالوسع التمرد على سلطة المؤلف؟
* تعيشين في روسيا منذ سنوات طويلة ، فهل تغير مفهومك للوطن نتيجة هذه السنوات؟ وكيف انعكس ذلك على ما تكتبين؟
** لا زالت مقيمة في روسيا ونتيجة لهذه الإقامة الطويلة في روسيا التبس لديّ معنى الوطن، لم أفقد انتمائي للأردن، لكنني صرتُ أنتمي أيضاً لروسيا، والآن تبدو لي فكرة الانتماء إشكالية إلى درجة ما، لم تعد تحمل المضامين التقليدية للكلمة، فأصبح الوطن مفهوماً أقرب إلى التجريد منه إلى مكان محدد واضح المعالم يتسم بغنائية أو شعرية ويثير الحنين، ولم أعد أشبه الأردن تماماً، ولستُ أشبه روسيا تماماً، أصبحتُ كائناً هجيناً، وثمة مسافة تفصلني عن المكانين، لهذا ربما سؤال المكان وسؤال الأنا والآخر حاضر فيما أكتب، وهي محاولة للاعتلاء والعثور -من خلال الأدب- على مساحة خيالية لمتناقضين تسود فيها هوية إنسانية جامعة بدل الهويات القاتلة كما يسميها أمين معلوف.
* وصلتْ روايتك "شمس بيضاء باردة" إلى القائمة النهائية القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2019 فماذا عنى لك هذا كروائية؟
**قدمني للقارئ العربي، وللأسف نحن الآن في زمن تحتكر فيه الجوائز الكتّاب والقراء، فوحدها الروايات التي تدخل قوائم هذه الجوائز أو تفوز بها هي التي يقبل عليها القارئ.. لقد استحوذت الجوائز أيضاً على الدور الذي كان يقوم به النقد سابقاً، بات النقاد لا يلتفتون إلا للروايات التي تدخل هذا السباق، أما الكاتب الذي لا يدخلها فسيحكم على عمله بالظلام، لهذا وافقت دار النشر على تقديم روايتي تلك للجائزة، لكنني أعلنتُ بعدها عن رفضي الترشح ثانية للجوائز الخليجية لسببين: الأول إعلان دولة الإمارات، مانحة جائزة البوكر، تطبيعها للعلاقات مع الدولة الصهيونية، والثاني هو الإشكالية التي حدثت وقت مشاركتي في هذه الجائزة، فقد كتب حينها رئيس اتحاد كتاب الإمارات ورئيس الاتحاد العام الكتّاب العرب حبيب الصايغ مقالة في جريدة "الخليج" يستنكر فيها دخول روايتي القائمة القصيرة، في الوقت الذي كنتُ أنتقد فيه دعم دول الخليج لما سمّي بالربيع العربي.. إنه اعتراف بتسييس الجائزة،
الكلام نفسه لم يكن غريباً، ما كان غربياً بالنسبة لي هو أن يصدر عن شاعر وكاتب ومثقف وفوق ذلك رئيس اتحاد الكتّاب العرب . أترشّحى الزعبي هذه الجائزة أعمال أدبية بمواصفات فنية محددة أم ترشّح كتّاباً تشترط فيهم ولاءات سياسية؟ أين إذن حرية الكاتب في اتخاذ هذا الموقف السياسي أو ذاك؟ وهل يجب محاكمة النص، ترشيحه أو عدم ترشيحه، بالاعتماد على مواقف صاحبه؟
* من هو القارئ الذي تستهدفينه في كتاباتك؟ وهل يمارس سطوته عليك؟
**لا أستهدف أي قارئ، فأنا أكتب كي أعبّر عن نفسي وعن رؤيتي للعالم، ويعجبني الخوض في مواضيع تنطوي على أسئلة تبدو لي جوهرية وإشكالية، لأستكشف فيها الوجود الإنساني وكينونة الشخصيات فيه.
*ما بين الرواية الأولى والرواية الأخيرة من هي اليوم الروائية كفى الزعبي؟ وأي جديد لديكِ؟
**ما بين الرواية الأولى والأخيرة حدث تطور ونضج في تجربتي، وظلّت رؤيتي ومواقفي من المسائل الكبرى ذاتها، لكن الكتابة خلصتني من القناعات المطلقة، ووسعت من رؤيتي الشمولية للعالم، وأكتب الآن ثنائية "ليلى والثلج ولودميلا" وأفعل ذلك منذ أربعة أعوام، والطريف أنني ومثلما توقفتُ قبل أكثر من عشرين عاماً عن كتابتها حين اندلعتْ أحداث مخيم جنين وشرعت بكتابة "عد إلى البيت يا خليل" توقفتُ قبل عامين عن كتابة ثنائيتها، إذ اندلعت أحداث غزة المأساوية، وعدتُ لتحرير "عد إلى البيت يا خليل" كي أصدرها باللغة العربية، وانقطعت لمدة أشهر عن كتابة الثنائية، ولا أعرف إن كان ذلك يشير لعلاقة ما سرية وغيبية بين الروايتين.. صحيح أنني علمية في فهمي للعالم، لكن بعض المصادفات تثير استغرابنا أحياناً.
كفى الزعبي
مواليد 1965 وحاصلة على بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة بطرسبورج في روسيا، أصدرت مجموعة من الروايات منها: "سقف من طين"، "عد إلى البيت يا خليل"، "ليلى والثلج ولودميلا"، "ابن الحرام"، و"سين".

