يكاد لا يمر يوم دون أن تقرأ خبرًا عن فضيحة جيفري إبستاين. ورغم انكشاف قصته منذ مدة، وسجنه وانتحاره، إلا أن تشعبات الفضيحة وتردد أسماء كثيرة لها علاقة بالموضوع — مثل أندرو شقيق ملك بريطانيا، وإيهود باراك رئيس وزراء الكيان سابقًا، وبل كلينتون، ودونالد ترامب، وغيرهم — وصدور قرار يطالب بالإفراج عن كافة الرسائل المتعلقة بالمتورطين، كل هذا يضعنا أمام مشهد فضائحي للنخب الأمريكية والعولمية وفساد القيم الرأسمالية.
تبادر إلى ذهني سؤال: لماذا يتورط ملياردير يملك كل هذه الثروة في الاتجار بالقاصرات والبشر؟ رغم توفر المال لديه وتوفر فرص الاستثمار في مجالات أخرى. والسؤال الثاني: ما الذي يدفع هذه النخب للتورط بمثل هذه السلوكيات الشاذة، رغم توفر كل الفرص لديهم لتحقيق متعهم؟ ما هي الأسباب النفسية والطبقية التي دفعتهم لاقتراف مثل هذا السلوك المنحرف؟
أعتقد بداية أن اختلاط الثروة والسلطة وغياب الرقابة هي من سهّلت على تلك النخبة عمل ما يريدون.
يبدو أن ما يمتلكونه من ثروة وما يمتلكونه من علاقات، ولَّد لديهم إحساسًا بأنهم فوق القانون، وأنهم بأموالهم ونفوذهم يستطيعون شراء الصمت. بل إن نظرتهم للآخرين بأنهم مجرد أدوات لإشباع الرغبة، خلقت لديهم ما يسمى بـ "متلازمة الغطرسة"، حسب وجهات نظر أخصائيين نفسيين. ولعل شعورهم بأنهم قادرون على فرض إرادتهم هو ما سهّل عليهم الانخراط في ذلك العمل. إن من يشاهد ترامب وطريقة تعامله حتى مع ضيوفه من نظرائه، يستطيع أن يتلمس طابع الغطرسة لديه النابعة من امتلاكه للثروة والسلطة.
إن دافع تورط تلك الشخصيات لم يكن دافعه جسد القاصرات فحسب، بل السعي للنفوذ والوصول إلى ما يبتغون، لينتهي الأمر بتحقيق النفوذ والانحراف. هذه الشخصيات تعتقد أنها خارج دائرة المحاسبة، وأنها محمية سياسيًا، بل وقادرة على شراء العدالة!
لا تقف الأمور عند تلك الحدود؛ فالتدقيق في بعض الأفراد سيُكشِف ما يمكن تسميته انفصالًا أخلاقيًا عن المجتمع. بل وصل الأمر إلى اعتبار ما اقترفوه مجرد سلوك عادي، وتبريره بأنه مجرد ترفيه.
ذهب بعض المحللين النفسيين إلى أن هذا السلوك يعكس عقلية ذكورية تقوم على فكرة الإشباع الجنسي غير المقيد.
يرى كارل ماركس أن الرأسمالية تضع الإنسان في حالة اغتراب وانقطاع عن المجتمع. كلما ابتعد عن العمل والإنتاج وانخرط في المضاربات، يقود ذلك إلى اللامسؤولية الأخلاقية، ويتحول الإنسان في نظرهم إلى مجرد سلعة.
ونعود إلى جيفري الذي كان يقوم بدور السمسار بين رأس المال والسلطة واللذة. فالفضائح الجنسية ليست صدفة، بل هي متغلغلة في البنية الطبقية للمجتمع الرأسمالي. هذه البنية تخلق لها ثقافة موازية تختلف عن قيم المجتمع وعما هو سائد مجتمعيًا. هذه النخبة قيمها هي الحماية المتبادلة والمتعة والنفوذ، وأدواتها هي المال والعلاقات السياسية.
جيفري إبستاين لم يكن بعيدًا عن صناع القرار، بل كان قريبًا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي والجامعات الكبيرة، ونجح في استخدام جسد القاصرات من أجل شبكة مصالح وولاءات واسعة.
جيفري إبستاين هو الصورة الأوضح لأخلاقيات النخب في الدول الرأسمالية.
هذه القضية وما يتسرب منها تكشف عن حدود القانون الليبرالي ومطاوعته لخدمة النخب المالية، وكذلك دور الدولة العميقة في حماية هذه النخب.

