Menu

التصويب على فنزويلا والعين على كولومبيا.

اسحق أبو الوليد

مما لا شك فيه أن الحجج تختلف عن الاسباب، وان الولايات المتحده تخفي  دائما الاسباب الحقيقيه لحروبها الاستعمارية وتمارس الكذب والخداع والتمويه لتضليل الرأي العام المحلي والدولي. رغم هذه الاستراتيجيه، تبقى الاهداف السياسيه لقرقعة طبول الحرب في بحر الكاريبي، واضحه ومكشوفه للمحللين والمراقبين وللمواطن العادي ايضا. أنها ذات أهداف شامله، سياسيه - فكريه واقتصاديه - جيوسياسيه، لها علاقه بالنفوذ و الهيمنه ومكانة الولايات المتحده العالميه.
 فمنذ انتصار الثوره البوليفاريه، اول ثوره تنتصر في القرن الواحد والعشرين، أعلنت الإدارات الامريكة المتعاقبة، منذ عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الحرب على هذه الثوره و على النظام السياسي الفكري الفنزويلي الذي عمل على بنائه وتثبيته الرئيس الراحل اغو شافيز، واعتبرتها بمثابة تهديد استراتيجي للأمن القومي الأمريكي.... هذا العداء المبكر جاء بسبب أفصاح القائد شافيز عن أفكاره الاشتراكيه العلميه وبدون تلكؤ،  منذ أن استلم السلطه السياسيه في كانون اول عام 1998. الان وبعد أكثر من ٢٥ عاما من التأمر و العداء ضد فنزويلا ونظامها تعلن الاداره الامريكيه نفس العداء وتمارس نفس الأسلوب ضد كولومبيا، بعد وصول الرئيس غوستابو بيترو إلى الحكم مدعوما من قوى " الاتفاق التاريخي " اليساري، ومن شراىح واسعه من الجماهير الشعبيه وخاصة الفلاحين. وقد أربك صول اليسار الى السلطه في بلد حكمه اليمين المحافظ احيانا والمتطرف أحيانا أخري، منذ أن تشكلت كدولة عام ١٨٨٦، بل خلخل بعض المسلمات، وما كانت يعتبر  ثابت في العلاقات مع كولومبيا. وقد أعدت الدوائر الامبرياليه استراتيجيتها المعاديه للثوره البوليفاريه ولمفجرها أوغو شافيز بسبب طبيعتها المعاديه للإمبريالية وتوجهاتها الاشتراكيه وتحالفها مع الثوره الكوبيه وكل قوى الثوره واليسار في القاره اللاتينيه، وعالميا مع روسيا والصين القوتين المنافستين للولايات المتحده على هيمنتها و مكانتها الاقتصاديه والعسكريه، ومن اجل الإطاحة بها كقطب أوحد مهيمن على كوكبنا، حيث كان الرئيس القائد الراحل شافيز اول من طرحه ضرورة العمل من أجل عالم متعدد الأقطاب كشرط لسياسه متوازنة وعادله لكل شعوب الارض و للانسانيه جمعاء. بعد انتصار الثوره البوليفاريه تصدرت القاره الاتينيه، ساحة المنافسه والصراع " الناعم " بين قوى عالميه متعدده،  والتي كانت شبه مغلقه ومحتكره من الولايات المتحده التي تعتبرها حديقتها الخلفيه، ليس بالمعنى الجغرافي فقط بل سياسيا واقتصاديا. وقد أفصحت الولايات المتحده  عن هذه الاستراتيجية عندما شاركت بشكل عملي في الاطاحه بالرئيس الشيلي سلفادور الليندي، المنتخب  شرعيا من شعبه، على يد وكالة المخابراvت المركزيه  الامريكيه في ايلول عام 1973
ففي سياق تفسيره لأسباب الاطاحه بالرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي قال وزير الخارجيه في ذلك الحين هنري كيسنجر أن امريكا اللاتينيه " هي ضرورية للولايات المتحده من أجل فرض هيمنتها على العالم، وانها لا يمكن لها أن تقود العالم  دون السيطره على حديقتها الخلفيه، امريكا الاتينيه. بل من أجل التمكن من قيادة العالم لا بد من السيطره على امريكا الاتينيه"،  هذا المبدأ التابت الذي يعرف أيضا بمبدأ كيسنجر التزمت به كافة الإدارات الامريكيه ورؤسائها، مما يعني أن المنافسه " الناعمه " ممكن أن تحولها الولايات المتحده إلى ساحة صراع ساخنه بل ناريه إذا ما أدركت أنها تدافع عن اخر قلاعها الاستراتيجيه. من على هذه الارضيه أعلن الرئيس أوباما  أن فنزويلا " تشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي " وأنه سيعمل على إخراج " شافيز والثوره البوليفاريه من المواقع التي ( احتلتها ) في امريكا اللاتينيه ". اول ثمار هذه الاستراتيجيه كانت الإطاحة برئيس هندوراس مانويل سيلايا عام 2009 وكان قد سبقها جمله من العقوبات الاقتصاديه على فنزويلا ودولا أخرى في القاره. سياسة العقوبات تم توسيعها وتشديدها بعد رحيل الرىيس شافيز وارفقت بتدخل مباشر في الشؤون الداخليه  بتعين النائب السابق في المعارضه الفاشيه غوايذو " رئيسا انتقاليا " واغدقت الاموال عليه وعلى أنصاره من أجل الإطاحة بالرئيس الشرعي نيكولاس ماذورا ولكنهم فشلوا. فرضوا حروب اقتصاديه وماليه ومارسوا الإرهاب الفاشي بأقصى درجاته  على الشعب والقوى التي نادت وتنادي بالاستقلال وتحقيق السياده الا أنهم فشلوا هذه المره أيضا بسبب التماسك والترابط بين الجيش والشعب وإخلاص قيادة الجيش للشرعيه ورئيسها المنتخب رغم كل المحاولات والاغراءات التي قدمت لها وخاصة لوزير الدفاع باذرينوا لوبس مقابل الإطاحة بالرئيس ماذورا وحكومته. هذا " الفشل " لم يعني الاستسلام والانكفاء بل تحول وتكيف في أساليب العمل في إطار نفس الاستراتيجيه الاستعماريه.
أن ما يعزز قلق الاداره الامريكيه هو استمرار عملية التغير  في القاره اللاتينيه ومنحاها التصاعدي رغم مرورها بازمات و بمد وجزر. البيت الابيض بغض النظر عن ساكنه يراقب عن كثب مواقف أنظمة القاره التقدميه المتعلقه بشؤون دوليه و يأخذها بعين الاعتبار، ولكنها ليس السبب الحاسم في تحديد الموفق النهائي منها، بل اقامتها علاقات اقتصاديه وتوقيع معاهدات عسكريه مع من تعتبرهم المنافسين الأساسيين لها على مركز القياده العالم. لذا هي قلقه من كل ما يحدث في القاره وتراقب عن كثب ما يحدث في كولومبيا من تحولات اجتماعيه وسياسية واقتصادية لصالح  الفئات الشعبيه التي همشت حقوقها لقرون. وينظرون بغضب للخطاب الفكري السياسي الذي يجاهر فيه الرئيس غوستابو بيترو  بالموقف من النظام الرأسمالي والامبرياليه وسياستها القائمه على العدوان والاستعمار والاستغلال، مما يجعل هذه الاداره والقوى الإمبريالية الاخرى تعمل على وأد هذه التجربه في مهدها كي لا يتكرر نموذج الرئيس الراحل اغو شافيز في فنزويلا. وبما أن الانتخابات في كولومبيا على الابواب، ايار ٢٠٢٦, ومرشح  الرئيس الحالي وكل قوى اليسار والثوره هو، المناضل الثوري, ايفان سيبيذا نحل القائد الشيوعي بيذرو سيبيذا الذي اغتيل على يد عصابات اليمين الفاشي عام ١٩٩٤، وهو الاكثر والاوفر حظا، للفوز. هذا يعني أن النهج الذي رسمه الرئيس الحالي بيترو سيستمر، مما يسرع خطوات الاداره الامريكيه للتأثير على الحمله الانتخابيه ونتاىج الانتخابات بالتدخل في شؤونها الداخليه. هذا التدخل يتم بالتهديد العسكري والعقوبات بهدف التأثير في المزاج الشعبي،  وإشاعة الا استقرار السياسي والاقتصادي، في محاولة لحرف هذا المزاج بما يخدم مرشح اليمين الرجعي التابع للإمبريالية والصهيونيه. وبسبب ما تمر به الولايات المتحده من ازمه انحداريه حاده وشماله، تهدد جديا مكانتها الدوليه بما فيه مكانتها القاريه، يأخذ الصراع بينها وبين الانظمه ذات النهج الاستقلالي السيادي في القاره طابع  استثنائي  ومصيري. وما يقللق الدوائر  الاكثر تطرفا ويمينيه في إدارة الرئيس ترامب هو عدم التأكد من أن التدخل العسكري المباشر في فنزويلا أو كولومبيا سيمكنهم من جني " الثمار " المطلوبه، وخاصة أن الصين وروسيا أعلنتان أنهما تقفان إلى جانب فنزويلا ويرفضان الحرب عليها. 
ان الثنائي ترامب - روبيو، وكل الجناح اليميني المتطرف، وضع الاداره الامريكيه في مأزق سياسي مكلف : إذا نفذوا تهديداتهم وقاموا بضربات عسكريه دون التمكن من الإطاحة بالنظام التقدمي في فنزويلا ( نظام ماذورا ) سيعزز من مكانتها القياديه في القاره، وينعكس إيجابا على الانتخابات في كولومبيا لصالح مرشح اليسار والقوى الثوريه. ولا شك ستحصد فنزويلا وكولومبيا نفس المكاسب إذا تراجع اليانكي وسحب قواته من الكاريبي، بفارق أن ترامب سيدعي أنه حقق اهداف الحشد العسكري في الكاريبي " بقطع الطريق على تجار المخدرات " وتدميرهم، كمقدمه لتبرير الانكفاء والتراجع، مما سينقل الصراع مع الإمبريالية، في القاره وعليها، إلى مرحله جديده تتطلب تحالفات شعبيه ورسميه ترسخ ما تحقق من وحدة في الرؤيه و الموقف بين كل قواها السياسيه التقدمية واليساريه بعد انكشاف وفضح الاطماع  الإمبريالية الامريكيه في القاره، التي لم تعد كما تريدها الولايات المتحده " حديقتها الخلفيه " ، بل موطن اول ثوره منتصره في القرن الواحد والعشرين، التي فجرها القائد الراحل اغو شافيز، التي فتحت الطريق للتحولات الجذريه والعميقة في القاره اللاتينيه، تحولات لن تقف حدودها عند كولومبيا التي خرجت عنوة من تحت عباءة الاداره الامريكيه بل سيتبعها دول اخرى إذا ما تم الحفاظ على هذا الانجاز وتعميقه.