Menu

قراءة لمفھوم الیسار وبنیته ودوره

حاتم استانبولي

نشر في مجلة الهدف العدد (76) (1550)
  • قد كتبت في مقال سابق حول الظروف التاریخیة لظھور الیسار منذ فجر التاریخ الذي بدأ مع ظھور الملكیة الخاصة التي رافقھا غیاب العدالة في التوزیع الاجتماعي للخیرات المادیة .

الیسار وقواه ھم تعبیر عن تیار اجتماعي یعكس مصالح القوى الإجتماعیة المنظمة التي أخذت شكل حركات وجبھات وأحزاب انعكس موقفھا نتیجة تحدید موقعھا في عملیة الإنتاج الاجتماعي ومواقفھا الذي تعبر عنھا من خلال استخدام أدوات التحلیل المادي للقوانین المحركة للمجتمعات تفسیرھا للظواھر الطبیعیة وتطورت ومعارفھا الفكریة عبر الزمن نتیجة انخراطھا وتفاعلھا الدائم الملموس في الحیاة الاقتصادیة والاجتماعیة وانعكاسھا في سلوكھا السیاسي.

في ھذا المقال سنتطرق الجانب الفلسفي لمفھوم الیسار وتعبيراته وآلیة اتخاذ مواقفه بین المعیار والناظم له وموقعه ودوره في إطار الظواھر السیاسیة وتفاعله مع القوى المحركة لھا.

لنتفق أن الناظم لحركة الیسار ھو موقفه الدائم من قضایا العدالة الاجتماعیة في بعدھا القانوني من تعمیم قیم الحریة والمشاركة وتوزیع الخیارات المادیة واحترام القیم الانسانیة للطفل والمرأة والعمال والعاملات وحقوقھم في التعلیم والصحة والغذاء ومناھضة التمییز القائم على أساس العرق أو المعتقد او الدین او اللون او الجنس واحترام الحقوق الاقتصادیة والبیئیة والعلمیة أو استخدام العقائد الدینیة او الفكریة كاداة للاضطھاد الإنساني بكل أشكالھ آخذین بعین الاعتبار التطورات العلمیة التكنولوجیة المتسارعة والعمیقة التي حدثت وما زالت تتقدم باضطراد و تأثیرھا العمیق على قوى الإنتاج موقعھا وتأثیرھا في عملیة التغییر الاجتماعي حیث حل الروبوت الآلي مكان آلاف العمال ناھیك عن التقدم الذي حدث في التبادل المعلوماتي من حیث الزمان حیث یتطلب عنوان مثل الصراع الطبقي إعادة قراءة من حیث تصنیف الطبقات وتعارضھا وتناقضات مصالحھا.

فیروس كورونا وغیره من الفیروسات والمیكروبات وضع البشریة أمام تحدیات مصیریة جدیدة وفرض حدودا جدیدة بین المجتمعات الفقیرة والغنیة واصبح تناقض الفقر والغنى بمعناه الشامل (الاقتصادي والمعرفي ) ھو الذي یحكم العلاقات الإنسانیة

  • التناقض الذي تعمق من خلال امتلاك الوسائل المتقدمة (Digital) كوسیلة لتحقیق مكاسب مالیة وعلمیة ھائلة في زمن قیاسي.

ھذا العامل الجدید فرض واقعا تبادلیا متعدد الاشكال والاسالیب یلعب فیھ رأس المال المالي عاملا رئیسیا مقررا في انتقال الثروات المادیة وتمركزھا في إطار عدد محدود من البشر یتحكمون بالموارد البشریة والمادیة.

بالإضافة وقائع اجتماعیة جدیدة على قوى الیسار ان تعید قراءة انعكاسھا على التغیرات الاجتماعیة و اصطفاف القوى وتحالفاتھا وانتقال فئات اجتماعیة لمواقع جدیدة في لوحة توزع القوى ودورھا السیاسي وموقعھا في عملیة الإنتاج الاجتماعي حیث تراجع الدور الإنساني المباشر في عملیة الإنتاج لدور الآلیة وتكنولوجیا المعلومات والاتصالات (حسب رأي ابني أن علینا تغییر شعار یا عمال العالم اتحدوا إلى شعار یا روبوتات وكمبیوترات العالم اتحدوا) .

كل ھذا سیكون لھ تأثیر عمیق في كافة المجالات و خاصة الحربیة منھا حیث بدأ عصر حروب الروبوتات التي توضح في احدثھا حیث حسمت الروبوتات معركة (كاراباخ)

ھذا یفرض تطویر معیار الیسار تعریفھ من حیث سلوك ومواقف قواه التي تساھم بشكل فعال في تعمیق المحتوى القیمي للسلوك الإنساني الذي یعتمد قیمھا في نضالھا السیاسي والاقتصادي والاجتماعي والبیئي والعلمي وسیكون العنوان الحقوقي الانساني القانوني عنوانا رئیسیا لنضال الیسار وقواه بعناوین مثل الحریة والعدالة والمشاركة التي من الممكن أن یستثمر التقدم التكنولوجي في المشاركة من خلال تعریف الھویة الشخصیة الكترونیا وعنوان مثل البیئة یجب ان یحظى باولویة لاھمیتھا الملحة في التعامل مع متطلبات الحفاظ على عناصر الحیاة البیئیة والإنسانیة.

أما عنوان مواجھة الجرائم بحق الانسانیة التي ترتكب من خلال توسیع استخدام الروبوتات والدرونات في الأعمال الحربیة والاغتیال خارج إطار القانون مما یعوق المسؤولیة القانونیة المباشرة في تحدید المسؤولیة عن الانتھاكات والجرائم بحق القیم الإنسانیة والبیئة یجعل مھمة وضع إطار قانوني لاستخدامھا مھمة ملحة لقوى الیسار .

كل ھذه المعطیات تؤكد صحة الأسس المعرفیة للیسار فھو الفكر الذي یعتمد قوانین الدیالكتیك المادي في قراءة وتفسیر الظواھر الاجتماعیة ھذا الفكر الذي یحمل خصائص تطوره الدائم لانھ یتطور لكونھ یعكس الواقع المادي بحركتھ الدائمة وتطوره ومدى اكتساب وإدراك خاصیة قوانینھ یمكن قوى الیسار من التعاطي مع التحدیات بكافة جوانبھا بعیدا عن الارتجالیة والرغبة الفردیة واسقاطاتھا على الواقع .

الناظم والمعیار ھو مدى قدرة القوى على إدراك العلاقة بین (الملموس -المجرد- الملموس ) أي قراءة الواقع بصورة جدلیة في إطار حركتھ وتطوره آخذین بعین الاعتبار المتغیرات التي تطرأ في كل لحظة من حیث زمانھا ومكانھا واعادة انتاجھا برؤیة تسھم في تطوره وتعتمد قیم العدالة الإنسانیة والبیئیة كناظم وسلوك القوى في تطبیقاتھا كمعیار.

إن مدى قدرة الالتزام الواعي بالناظم والمعیار یحدد تصنیف القوى والأحزاب والأفراد على أنھم یساریون.

  • لا یقیم كما یقیم الجنس كذكر وأنثى أي یكتسب الطابع المطلق للصفة أو لا یمكن الذھاب الى الطبیب وطلب منھ كتابة وصفة موقف یساري لصرفھا من الصیدلیة لھذا یمكن أن تكون یساري في الموقف السیاسي ولكن في السلوك الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والبیئي یمینیا على سبیل (مثل الشیوعي الذي یعلن التزامھ بالفكرة ولكن عندما یتعلق الأمر في توزیع المیراث یصر على المبدأ الدیني في التوزیع ویحرم أخواتھ وأمھ من التوزیع العادل المیراث بناء على حقوق المساواة الذي یسعى فكره لتحقیقھا )ھذا كمثال ولیس للحصر.

الیسار كمفھوم معرفي یتسم بتعددیة جوانبھ الاقتصادیة والاجتماعیة والبیئیة والقانونیة والسیاسیة وامتلاك أحد ھذه الخواص دون الاخرى لا یعكس تصنیف القوة او الفرد على انھ یساري بل یمكن تصنیفھ على أنھ موقف یساري في الجانب المحدد الذي عبر عنھ

الیسار كمشروع ( ثقافي, اقتصادي,سیاسي,اجتماعي,بیئي) یسعى لتحقیق كل ھذه الجوانب من خلال خطة تحمل أھداف بعیدة وأھداف قریبة محددة لإنجاز ھذه المھام من خلال تعمیم العدالة الاجتماعیة وحریة خیارات المجتمعات والأفراد والمشاركة الواعیة للقوى الاجتماعیة عبر ممثلیھا وحمایتھا من خلال القانون الذي یجب أن یطبق على الجمیع بشكل عادل ومتساوي.

القانون الذي یحمل عدالتھ كناظم ومعیاره احترام تطبیقھ بشكل عادل على الجمیع كمجموعات وأفراد بغض النظر عن موقعھا السیاسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السیاسي.

وفي سیاق مفھوم الیسار بالضرورة یجب التطرق الى مفھوم الظاھرة والحالة والضرورة والصدفة والعام والخاص والوحید.

الظاھرة تحمل في جوھرھا الحالة أو مجموعة من الحالات التي تعبر عن القوى وتعارضھا وتسارعھا في إطار الظاھرة والضرورة التي فرضت تشكل الحالة الجادة من أجل التغییر الإیجابي التقدمي للظاھرة وتقدمیة الظاھرة الاجتماعیة أو مرجعیتھا تعكسھا محصلة القوى الداخلیة التي تتصارع بین رؤیتي الیمین والیسار ومیزان القوى الذي یحكم صراعھما في الیمین والیسار یحكمھا قانون وحدة وصراع الأضداد

(المتناقضات) كما السالب والموجب قانون الفعل ورد الفعل في الریاضیات والفیزیاء.

  • الحالة المتشكلة عبر تأثیر الظاھرة العامة على الظاھرة الخاصة ودور الوحید الفرد في إطار الظاھرة الخاصة الذي یشكل حالة مؤثرة في تطور الظاھرة (سلبا او ایجابا ) بحكم موقعھ وتجربتھ ووعیھ وإدراكھ لدوره في إطار تطویر الظاھرة او اعاقتھ لتطویرھا.

ھنالك حالات وطنیة فردیة وجدوا أنفسھم بالصدفة في إطار الظاھرة الیساریة في مرحلة التحرر الوطني نتیجة لعوامل وظروف خاصة أصبح لھم دور مؤثر نتیجة احتدام الصراع واستقطاب القوى في إطار الظاھرة وغالبا ما كانت وتكون ھذه الحالات لا تملك مؤھلات الوعي المعرفي لتحدید دورھا وغالبا ما تكون ھذه الحالات مقررة في میزان القوى الداخلي في إطار الظاھرة و اصطفافھا یكون ناتج عن عدم وعي لدورھا وأھمیتھ وتأثیره على تطور الظاھرة ومنھا من تدرك دورھا الذي ینم عن وعي منفعي فردي وفي حال تعارضت المنفعة مع الموقع تغادر الظاھرة ومن الممكن أن تستثمر في تجربتھا الخاصة في إطار ظاھرة نقیضة لیشكل اصطفافھا الجدید عاملا مضرا في الظاھرة الأصل (انتقال البعض إلى الفكر الدیني واللیبرالي.

وحالات زرعت في إطار الظاھرة عن وعي لتشكل في الإطار العام دورا كابحا لتطور الظاھرة وھذه أخطر الحالات لكونھا تملك وعي ودعم مادي من قوى خارجیة ترید تقویض الظاھرة من داخلھا وھذا یخص القوى والمجتمعات والدول والتنظیمات ودائما ما تحمل ھذه الحالات صفة تآمریة من حیث الدور والفعل على الظاھرة وعلى القضیة الوطنیة.

أما عن التناقضات التي تحكم الظاھرة فھي تأخذ شكلین داخلي وخارجي

الداخلي بین الیمین والیسار في إطار الظاھرة ویبقى المظھر العام للظاھرة یساریا ما دامت محصلة القوى التي تتصارع في داخلھا تعكس المواقف الیساریة وأدوات معرفتھا ووسائلھا وفي بعض الحالات ونتیجة واحتدام الصراع مع الظواھر الخارجیة تتراجع قوى المحركة للیسار في داخل الظاھرة لیتحول موقفھا للیمین ویكون أحیانا بفعل تأثیر البنیة الیمینیة للمجتمع وانعكاساتھ على السلوك لبعض مكونات الظاھرة أو خارجي على سبیل المثال لا الحصر تأثیر البترودولار على الظاھرة الفلسطینیة والعربیة.

في الحالة الكوبیة و البولیفاریة استطاع الیسار من حسم الصراع داخل الظاھرة الیساریة وحقق انتصارات تاریخیة للتحرر الوطني والاجتماعي.

في الحالة السوفییتیة انتصرت قوى الیمین بالرغم من البنیة الاجتماعیة الیساریة للمجتمع ولكن الدور الذي لعبھ بعض الأفراد في إطار الظاھرة الیساریة من تآمر علیھا بمساندة القوى الخارجیة أدى إلى تراجع حركة الیسار بالاضافة الى تحویل الدور القیادي للحزب الى دور بیروقراطي في ادارة الدولة وتحویل المركزیة الدیمقراطیة إلى مركزیة بیروقراطیة ادت الى افراغ دور الحزب السیاسي وكبح الصراع الداخلي في إطار الظاھرة مما أدى لتقویة نفوذ القوى الیمینیة المعادیة التي وظفت النقمة على الفساد الى نقمة على الفكر الیساري التقدمي واجھضت المكتسبات الانسانیة التي حققتھا ثورة اكتوبر.

في الحالة الشرق أوسطیة أخفق الیسار في قراءة التجربة التاریخیة للمنطقة ودور الموروث التاریخي في تبلورھا وغَیَب دوره في التكوین الثقافي والنفسي والاجتماعي والتاریخي. ولم تحظى بجھد لإعادة قراءة مادیة للفكر الدیني بصورة نقدیة ایجابیة لإبراز الجوانب الثوریة فیھ من خلال قراءة ضرورتھ التاریخیة في زمانھ ومكانھ والقوى المتصارعة داخل الظاھرة الدینیة. وأخص المسیحیة والاسلام لدورھما في مواجھة الظروف والقوى الرجعیة في زمانھما ة(التي تمثلت في عنصریة استعلائیة الفكرة الیھودیة التي كان محركھا ومنشأھا فكرة المرابي الاستغلالي ) .

التحولات التي طرأت على الفكر الدیني ودور الاستعمار في مساندة أكثر الاتجاھات رجعة فیھ في محاولة دائمة لا بقاء ھیمنة التخلف والتبعیة وإجھاض ومحاربة أیة إمكانیة لتطور الفكر الوطني التحرري الدیمقراطي .

الفكرة التي حكمت بعض القوى في نسخ التجارب العالمیة وفكرھا ووسائلھا الخاصة أدى إلى تغییب الدور الخاص للظواھر الیساریة في منطقتنا (حتى درج المثل القائل إذا أمطرت في موسكو یحملون المظلات في منطقتنا في اشارة الى التبعیة)

  • ھذا مثل أطلقتھ القوى الیمینیة للتحریض على الیسار الذي كان یغیب الخصوصیة التاریخیة للمجتمعات في المنطقة.

باستثناء تجربة وحیدة قبُِرَت في مھدھا ھي تجربة الحزب الشیوعي السودان ي الذي تكالبت القوى الیمینیة على إنھاء أكثر الحالات وعیا وتأثیرا في الحركة الدیمقراطیة الیساریة الذي مثلھا كل من عبد الخالق محجوب والشفیع ورفاقھم.

في الحالة السوریة كانت حالة فرج ﷲ الحلو الذي أذیب بالأسید تشكل حالة متقدمة من اجل وحدة الشیوعیون في سوریة ولبنان.

الحالة الیساریة الفلسطینیة الأبرز كانت حالة غسان كنفاني الحالة الوطنیة الدیمقراطیة الشاملة التي فجُِرَت من قبل الموساد الإسرائیلي لكبح تأثیرھا على تطور الظاھرة الوطنیة الفلسطینیة المعاصرة.

اما في اطار حركة فتح فكان اغتیال كل من كمال ناصر والعدوان والنجار وماجد أبو شرار وغیرھم الذین شكلوا حالة وطنیة متقدمة في إطار الصراع داخل حركة فتح بین الیمین والیسار.

أما عن العامل الخارجي وتأثیره على الظاھرة الیساریة فقد أخذ عدة طرق ووسائل التأثیر أھمھا اغتیال العناصر الأكثر وعیا في إطار الظاھرة الذین لھم دورا واعیا في تعمیق المحتوى الدیمقراطي التقدمي للظاھرة ودورھا الاجتماعي (اغتیال القادة الفلسطینیین السیاسیون والعسكریون والمفكرون والمبدعون).

استخدام الحالات المزروعة في الظاھرة من أجل حرف اتجاھاتھا الفكریة واعطاء اولویة لأفكار تعمل لإیجاد مخارج للأزمة الخصوم والأعداء والدفع لاتخاذ مواقف تتعارض مع المصلحة الوطنیة العامة.

الحركة الوطنیة الفلسطینیة كظاھرة عامة تحمل في ثنایاھا ظواھر خاصة تتعارض من حیث البنیة الفكریة والاجتماعیة والاقتصادیة وتتفاوت أوضاعھا المعیشیة ومستوى انخراطھا في عملیة الإنتاج الاجتماعي متأثرة بعامل المكان (الشتات الفلسطیني) وظروفھ السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة.

اذا ما اضفنا لھا البنیة الثقافیة العامة فإن الاتجاه العام للرأي العام یمیل الى الیمین من حیث المحتوى الثقافي ھذا العامل كان لھ تأثیر على مدى فعالیة الیسار الذي لم یعطي أولویة إعادة قراءة الموروث الثقافي التاریخي والدیني ودوره وتأثیره على البنیة التنظیمیة والسیاسیة للیسار ومخاطر تأثیرھا على دوره .

  • ان نتحدث بالمظھر العام عن ما اصطلح تسمیتھ بالیمین والیسار الفلسطیني مظھرین رئیسین حكما الحركة الوطنیة الفلسطینیة تأثرت وأثرت بھما الحركات التحرریة العربیة والعالمیة.
  • عنوان الیمین الذي كان یعكس الحالة الوطنیة العامة ھذا الیمین لیس محصورا في تنظیم محدد بل ھو عابر للتنظیمات.

تنظیم فتح كقوة نمت نتیجة مجموعة انتقالات وتحولات مجموعة من القوى الاجتماعیة المتعارضة بخلفیات فكریة مختلفة ولكن المظھر العام لبنیتھا الفكریة كان وما زال یمینیا

  • حكمھا تناقض داخلي ما بین قواھا الداخلیة المتصارعة التي كانت محصلة میزان قواھا الداخلیة تعبر عن المظھر العام للیمین السیاسي الفلسطیني الذي حكم سلوكھا بحكم التركیبة السیاسیة والاجتماعیة لھا ووجد دعما من القوى الیمینیة العربیة بكل الامكانیات المتاحة بل ان السعودیة على سبیل المثال كانت تربط اعترافھا بمنظمة التحریر الفلسطینیة بشرط وجود فتح في قیادتھا وعبرت عن ذلك من خلال الدعم المالي الذي كان یمر عبر فتح للمنظمة.

الیمین الفلسطیني كان متلاحم مع رؤیة الیمین الرجعي في النظام السیاسي للبلدان العربیة المدعوم من الاستعمار وأدواته المالیة والاقتصادیة.

كانت العلاقة تقوم بین الیمین الرجعي العربي والیمین الفلسطیني على دعم التوجھات الأكثر یمینیة في الحركة الوطنیة الفلسطینیة من اجل اخضاعھا وترویضھا لمواجھة تأثیر تیار الیسار السیاسي الفلسطیني العابر للتنظیمات بما فیھا فتح.

ھذا الیسار كان ناظمه عدالة القضیة الفلسطینیة من حیث كونھا قضیة تحمل أبعاد حقوقیة وطنیة وانسانیة وقانونیة وسیاسیة.

  • المعادیة للقضیة الفلسطینیة كانت تعمل على تقویضھا من خلال البوابة الخلفیة بوابة القوى الرجعیة المھیمنة على السلطة في النظم السیاسیة للدول العربیة التي تعمل في إطار جبھة التحالف البریطاني-الفرنسي-الصھیوني ومن ثم الأمریكي.

أما في عنوان الیسار الفلسطیني الذي لا یمكن حصره في تنظیم محدد بمعنى لا یوجد أي تنظیم یمثل حصریا الیسار الفلسطیني كون الیسار تیارا اجتماعیا والتنظیمات التي أعلنت عن تبنیھا الفكر الیساري تخضع لذات المعاییر التي تحكم حركة فتح الخلاف أن الصراع في فتح بین البنیة الیمینیة وبین الحالات الیساریة داخلھا في حین التنظیمات الیساریة التناقض الذي یحكمھا بین البنیة الفكریة الیساریة وبین تأثیر البنیة الیمینیة للمجتمع وتأثیره على البنیة التنظیمیة للیسار.

المظھر العام الذي اعتمد لتقییم الیسار وتنظيماته بني على أساس الموقف السیاسي من عدالة القضیة الوطنیة الفلسطینیة ولھذا فان التمایز بین الیسار والیمین الفلسطیني كانت فوارق ضئیلة بحكم خصوصیة الحالة الفلسطینیة وشتاتھا والاندماج في عملیة الإنتاج الاجتماعي في خصائص وظروف مختلفة تفاوتت فیھا انعكاساتھا على الحالة البنیویة الفكریة والتنظیمیة بالاضافة إلى خصائص سمة المرحلة التحرریة الوطنیة.

إذا ما اعتبرنا الجبھة الشعبیة والدیمقراطیة والشیوعیون ومن یدور في فلكھم ھم الظاھرة الخاصة للیسار الفلسطیني. ھذه الظاھرة التي یحكمھا صراع وتعارض داخلي بین مكوناتھا من یمین ویسار وصراع خارجي مع قوى الیمین الرجعي والبنیة الاجتماعیة الیمینیة العامة فإن یَساریتھا ھي نتیجة تعارض وتصارع الاتجاھات الداخلیة و حسمھا لصالح موقف الیسار الذي غالبا ما عُبِرَعنھ بشكل رئیسي بالمواقف السیاسیة والنظریة ولكنھا لم تنعكس في السلوك الاجتماعي والثقافي.

الظاھرة الیساریة داخل الحركة الوطنیة الفلسطینیة یحكمھا الصراع ما بین الیمین والیسار في إطار الظاھرة بین مفاھیم الیمین السیاسي والاقتصادي والاجتماعي التي تحملھا متأثرة بالثقافة السائدة (البنیویة) وبین حالات یساریة واعیة ناظِمھا المعرفي أدوات المعرفة المادیة. الأكثر وضوحا لھذه الطاھرة كانت التجربة الیمنیة.

تفاوتت سیادة المفاھیم والمواقف الیساریة للظاھرة الیساریة الفلسطینیة عبر الزمان ارتباطا بخصوصیة المكان حیث شھدت تقدما في السبعینیات والثمانینیات وتراجعت في التسعینیات والالفیة الثانیة وما زالت تعاني من تخبط في المواقف ناتج عن عدم حسم موقفھا من الھویة المعرفیة واستخدامھا كمنھج لسلوكھا من حیث تحدید وسائلھا وأدواتھا ارتباطا بموازین القوى القائمة من حیث الزمان والمكان.

  • الأغلب كحالة في كل تنظیم ومنھا حالات خارجھا من حیث الانتماء التنظیمي جمیعھا تشكل نسبیا مفھوم الیسار الفلسطیني الذي یحمل ناظم ومعیار عدالة القضیة الفلسطینیة (تحقیق عدالة المخیم) ھذه العدالة التي تحمل جوھرا حقوقیا تاریخیا وطنیا وسیاسیا وانسانیا وقانونیا.

الموقف الیساري ھو الموقف الذي یعكس الواقع المادي والسیاسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي وھو موقف یتعارض مع الجمود ویكتسب حیویتھ وصحتھ من خلال عكسھ للواقع المادي في إطار حركتھ الدائمة والمستمرة ویحدد حركته الیومیة التي تعرف بـ المعیار السلوكي الذي علیھ بالضرورة أن یكون في إطار الناظِم العام الذي یحمل جوھر عدالة القضیة الفلسطینیة وفي الحالة الفلسطینیة فإن عنوان المخیم الفلسطیني ھو الناظم والمعیار للعدالة الفلسطینیة (عدالة المخیم) .

تحقیق عدالة المخیم یجب أن یحكم السلوك الیومي للقوى الیساریة ومواقفھا أي أن كل حركتھا السیاسیة ناظمھا تحقیق عنوان العودة الفلسطیني الذي طرد وھجر من أرضھ وعانى على مدى أكثر من مائة عام من تآمر على وجوده وھویتھ الانسانیة ویتعرض منذ اكثر من سبعین عاما لعملیة الغاء ممنھجة وسرقة ومصادرة إرثھ الثقافي والسیاسي والاجتماعي وحقوقھ القانونیة والوطنیة تستخدم في تبریره اكثر فكرة رجعیة قائمة على الصفاء العرقي والدیني واعطائھا مشروعیة إلھیة وتدعمھا اكثر القوى رجعیة راسمالیة في العالم ولھذا تكتسب العدالة الفلسطینیة بعدا و معیارا عالمیا تصطف جانبھا كل القوى التي تحمل موقفا یساریا متصادمة مع الاستغلال الرأسمالي الذي یعبر عن أسوأ تعبیراتھ وممارساتھ في دعم النظام الاحتلالي الإحلالي في فلسطین.

وفي ھذا الصدد اود ان اشیر الى ان ما وصلت الیھ القضیة الفلسطینیة من تكالب واضح ومعلن بھدف تصفیتھا تتحملھ كل القوى الفلسطینیة بیسارھا ویمینھا وكل بحجم تاثیره بالقرار السیاسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

والسؤال الملح والاھم للیساریین ؟

ما ھو الفارق بین حكومة نتنیاھو والیمین الصھیوني وحكومات الانظمة العربیة الرجعیة الیمینیة من حیث موقعھا وموقفھا من عملیة الإنتاج الاجتماعي والعدالة الإنسانیة من حریة ومشاركة واحترام حقوق مواطنیھا ؟ وكیف یفسر إعلان التحالف القائم بین ھذه النظم وبین نظام نتنیاھو العنصري؟ الیست ھذه النظم جمیعھا بما فیھا اسرائیل ھي نتاج لاتفاقیة سایكس بیكو ووعد بلفور ؟ ألیست ھذه النظم بما فیھا نظام نتنیاھو ھي جزء اصیل من النظام الرأسمالي الاستغلالي العالمي وموقعھم في الجبھة المعادیة للعدالة الحقوقیة الانسانیة الاجتماعیة بكل جوانبھا؟

ما الفرق بین قصف الیمن أو قصف غزة وقصف سوریة او قصف العراق او لیبیا او لبنان ؟ ألیس الذین یقومون بھا ھم في جبھة واحدة وعبروا عن ذات المنظومة الرأسمالیة الأكثر یمینیة التي لا تعیر أیة قیمة لقیم العدالة الإنسانیة؟

العدالة الاجتماعیة والقانونیة والسیاسیة والبیئیة والانسانیة واحدة والنضال لتحقیقھا یكتسب اھمیة جمعیة لكافة القوى المناھضة لعملیة الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي والسیاسي والاستخدام المزدوج للقانون الدولي ومعاییر تنفیذه.

لكل ما سبق فإن المرحلة تتطلب اعادة لقِراءتھا من جدید على قاعدة المتغیرات والاصطفاف الجدید المعلن للقوى المعادیة ویجب إعطاء أھمیة قصوى للحفاظ على جوھر قانونیة عدالة القضیة الوطنیة الفلسطینیة التي تتعرض الى التصفیة المتدرجة

المھمة الأھم للیسار الفلسطیني كمعبر عن قوى التیار الاجتماعي أن تحدد مھامھا المحددة من أجل الحفاظ على الظاھرة النضالیة الوطنیة الفلسطینیة وتوحد جھودھا وتخوض كافة معاركھا السیاسیة للحفاظ على قانونیة الھویة الوطنیة والثقافیة والسیاسیة وإعادة النھوض بالحالة الفلسطینیة من خلال تغییر أدائھا الداخلي عبر إعطاء حیز سیادة الدیمقراطیة الداخلیة فلا یمكن ان تطالب بدیمقراطیة م.ت .ف بدون تفعیل الدیمقراطیة الداخلیة واستحقاقاتھا.

إن مھمة توحید تیار الیسار الفلسطیني على قاعدة الناظم الوطني عدالة عودة فلسطینیي المخیم والمعیار السلوك الیومي المرتبط بمھمات محددة لخوض المعركة القانونیة والسیاسیة والاجتماعیة والثقافیة والبیئیة.

إذا كان ھذا ھو مفھوم التیار الشعبي العابر للتنظیمات والقوى المطروح فیجب أن یكون مشروط بضرورة إعطاء الصفة الدیمقراطیة لیكون تیارا شعبیا دیمقراطیا معبرا عن التیار الاجتماعي الیساري المقاوم .

فلا یوجد مشكلة في خوض أیة معركة تحت ھذا المفھوم والمعیار الذي یحكمھ الناظم حتى لو كانت الانتخابات الفلسطینیة القادمة التي یجب أن ینظر لھا كمحطة نضالیة لمواجھة مخاطر تصفیة القضیة الفلسطینیة باعتبارھا محطة لتفعیل كافة المؤسسات والقوى الاجتماعیة واستثمار الحالة الشعبیة التي تعارض استحقاقات أوسلو وتبعاتھ أو المعارك التي تخاض في مواجھة صفقة القرن التي تحمل تصفیة تامة للقضیة الفلسطینیة التي وضحھا تصریح سمو تریش الصھیوني العنصري الفاشي وزیر مالیة دولة إسرائیل الإرھابیة عبر تحدیده للھدف النھائي وھو تخلیص الشرق الاوسط من ارتباطھ بالقضیة الفلسطینیة التي تعمل علیھ كل من واشنطن وتل أبیب وشركائھم في معاھدات كامب دیفید وأوسلو ووادي عربة وابراھام.

ما دامت عدالة المخیم لم تتحقق فإن القضیة الفلسطینیة قائمة ولا تتحقق عدالتھا إلا بتحقیق عدالة المخیم.

إن طبیعة المعركة تفرض أدواتھا ووسائلھا بناء على میزان القوى القائم فھناك معارك الحفاظ على الذات (معارك مناضلي الحریة في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨) والمعارك المتنقلة زمانا ومكانا لمِواجھة التصفیة التي ستطال الجمیع یمینا ویسارا لكون الھدف الصھیوني یتعارض من حیث المبدأ والجوھر مع الھویة الفلسطینیة السیاسیة والاجتماعیة والثقافیة ویھدف إلى استمرار إلغاء الھویة القانونیة الفردیة والجمعیة للإنسان الفلسطیني عبر دعمھ للفئة الكمبرادوریة العربیة والفلسطینیة المرتبطة بمصالحھا الصھیونیة الاستعماریة الإحلالیة .

وفي ھذا الصدد أذكر بموقف سمعھ أحد القادة الفلسطینیین في أوائل الثمانینیات من أحد القادة السوفییت وكان رده على شعار تحریر كل فلسطین أجاب القائد السوفییتي ھل وصلتم إلى حدود تل ابیب وطلبنا منكم العودة ؟

ھذا یحمل معنى أن أي شعار لتحقیقھ یلزمھ میزان قوى یحققه.