Menu

السابع من أكتوبر وضرورة الكفاح المسلح

اسحق أبو الوليد

نشر في مجلة الهدف العدد (76) (1550)

هنالك من يعتقد أنه لو "تركت إسرائيل لحالها" ولو تركنا "نتانياهو يواجه المجتمع الإسرائيلي" لاستطعنا "تفكيك إسرائيل دون تعريض وجودنا للخطر" هل فعلاً كان بالإمكان تحقيق هذا الهدف أي "تفكك الدولة" دون تهديد وجودنا؟ رغم أن التاريخ والوقائع خطأت هذه الفرضية، تظهر الحاجة مجدداً لتفنيدها من جديد. قبل كل شيء يجب التذكير أن هذا الجوهر السياسي الأيديولوجي لأصحاب نهج التسوية التي توجها السادات بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد في ١٧ أيلول عام ١٩٧٨، والذي يختلف ويتعاكس مع النهج الآخر نهج النضال الشعبي والمقاومة بكافة الوسائل، وخاصة المسلحة، التي تكفل تحقيق التغير في موازين القوى الضرورية لهزيمة العدو وإنهاء وجوده. من هذه الأرضية دعونا نحاكم "الفرضية" أعلاه والتي يرتكز عليها أصحاب نهج التسوية، وتصل عند البعض إلى حد "النظرية". فعلاً اعتمد منظرو التسوية السياسية مع "إسرائيل" شعار "خطر السلام على إسرائيل" والذي أول من طرحه كان أنور السادات كتبرير لنهجه التسووي. إن محاكمة هذه الافتراضية، والشعارات التي ترافقها في كل مرحلة تفرض علينا أن ندرك جيداً الطبيعة الذاتية ل "إسرائيل" كدولة استعمارية إحلالية. الكيان الصهيوني أقيم على أرض فلسطين، من قبل بريطانيا زعيمة النظام الرأسمالي في ذلك الوقت كأداة لها في قلب الوطن العربي وظيفتها تأمين نهب خيراته والسيطرة على جغرافيته، واستعمالها كمنصة لخدمة أهداف حربية عسكرية كونية. أما الحركة الصهيونية أداة الإمبريالية من أجل إقامة الكيان ـ الدولة كان وما يزال طموحها أن تقيم مجتمعها (وطنها) في فلسطين تحت اسم وطن اليهود بما يترتب على ذلك من التزامات على الدول الممولة وعلى الأداة المنفذة، مما خلق طبيعة مزدوجة للكيان الصهيوني: الأولى، مركزية وظيفية، أي يقوم بدور وظيفي، دور الأداة للإمبريالية والنظام الرأسمالي بشكل أساسي، مما يمنحه الدعم المطلق من قبل النظام (الرأسمالي) الدولي الذي أقامها لخدمة مصالحه في الوطن العربي والمنطقة والعالم.

من جهة أخرى "يبني" هذا الكيان الأداة بواسطة الحركة الصهيونية العالمية مجتمعها الخاص بها الذي حشد من أجل إقامته مئات آلاف اليهود من كل دول العالم وخاصة الأوروبية، منذ بداية القرن العشرين أي قبل الحرب العالمية الثانية بأكثر من ٤٠ عاماً. هذا المجتمع ليس صدفة أن تسميه أحياناً "المجتمع الإسرائيلي" وأحياناً أخرى تسميه "المجتمع اليهودي" بسبب عدم وجود هوية "وطنية" متبلورة "للشعب اليهودي" المزعوم و"الوطن" الذي تدعي أنها أقامته بعد "تحرير أرض إسرائيل والشعب اليهودي" من الاستعمار البريطاني، والذي نما وتطور وازدهر بشكل هائل في فترة قصيرة جداً.

يقول الواقع العملي المعاش والإحصائيات الصهيونية "الإسرائيلية" إن "الحقب الذهبية" للكيان كانت سنوات عدم خوض الحروب أي فترات "التطور السلمي والتعايش السلمي" مع دول المنطقة.

بعد اتفاقيات كامب ديفيد التي طمأنت وجودياً المستعمرين وقياداتهم، فتحت أبواب "الهجرة"، وتضاعفت أعداد المستعمرين القادمين للعيش في أرض "اللبن والعسل" وتضاعف عدة مرات الإنتاج ووصلت الصادرات العسكرية والمدنية إلى أرقام لم تتوقعها قيادات- مدراء الكيان كما خلق فائضاً هائلاً عكس نفسه على مستوى المعيشة. وازداد النمو والازدهار الاقتصادي المتوقع للكيان بعد توقيع اتفاقيات وادي عربة وأوسلو التي شجعت على استقدام مزيد من "المهاجرين" مما سمح بزرع الضفة الفلسطينية بالمستوطنين ـ المستعمرين الجدد. وقد تضاعفت الأخطار على الوطن العربي من خلال التمدد السياسي والاقتصادي والمعنوي في العالم العربي وخاصة في أكثر مناطقه أهمية، الخليج العربي، من خلال توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية التي سمحت بالاحتلال غير المباشر لدويلاته التابعة أصلاً للمركز الإمبريالي. أيضاً شهد، الكيان الصهيوني، في ظروف "التعايش السلمي" بينه وبين الأنظمة العربية التابعة للإمبريالية، منذ تأسيسه، تعارضات سياسية أيديولوجية تتزاحم وتتنافس تحت مظلة الفكر الصهيوني التأسيسي بما لا يشكل خطراً وجودياً عليه. هذا طبعاً، جرى ويجري بشكل طبيعي بسبب الفوارق والتمايزات الطبقية التي استقدمها معهم المستعمرون أو التي استجدت بسبب موقعهم الجديد في البنية الاقتصادية لمجتمع متطور ومزدهر، شكلوا فيه أحزاباً تتوافق مع مصالح الفئات والأفراد أو تعبر عنها سياسياً وأيديولوجياً أو دينياً، وفي حال تعارضها، وهذا طبيعي أن يحدث، تحل تعارضاتهم في إطار فكرهم الصهيوني الأم على أرضية الحفاظ على الدولة، وليس على "الأمة" لأن الأمة ببساطة غير موجودة. لذا نهاية مطافهم في فلسطين يتمثل بضرورة تحقيق هزيمة الدولة وجيشها أو هزيمة الجيش ودولته. وهذا لن يتم إلا في ظروف الحرب المفتوحة التي بلا شك كلفتها عالية بل عالية جداً. المهزوم فيها يخسر وجوده.

لهذا العدو الصهيوني رغم كل جبروته وحرب الإبادة التي يخوضها لا يقبل وقف الحرب العدوانية، رغم أنه يستطيع موضوعياً استئنافها، إذا لم يهزم المقاومة هزيمة تامة وترفع رايات الاستسلام. الشيء الذي أصبح من أوهام الماضي في ظل الحقائق التي تفرضها المقاومة على الأرض. للمفارقة والسخرية أن هنالك من كان يعتقد أنه في ظروف "التعايش السلمي" للكيان مع واقعه العربي وازدهاره ونموه أنه سيرون نعش "دولة إسرائيل" يمر من أمام منازلهم ليهتفوا: عاشت فلسطين عاشت الحتمية التاريخية والنبوءات الدينية. يجب على هؤلاء سواء المتآمرين أو المتواطئين أو المترددين أن يعترفوا أن "الحتميات التاريخية"، التي لا أفق زمنياً لحدوثها، أو لتحقيقها، يمكن أن يقدمها أو يؤخرها حدوث أحد العاملين: الفعل البشري، أو تبدل في نمط عمل الطبيعة جيولوجياً أو بيئياً.

الفعل البشري بكل أشكاله التكنولوجية التطويرية يدخل في تناقض حاد مع الفعل العنفي ـ الحربي المدمر. هذا العنف سواء كان رجعياً فاشياً أو ثورياً تحررياً يبقى هو المقرر في عالم متناقض ومتصارع اقتصادياً وفكرياً.

وكاستمرار لمحاكمة الافتراضية أعلاه، لنذهب لما هو دائر من صراع مميت مع الصهيونية وكيانها على أرض فلسطين في غزة. نعم، غزة هي أرض ومركز الصراع، الذي ارتداداته المباشرة تنخر في الواقع العربي وتباعاً الإسلامي والإقليمي والعالمي وفي مقدمته الولايات المتحدة. هذا الترابط الجدلي للفعل والتأثير في الساحات المختلفة أفرز في كل الساحات عوامل تغير الواقع. وتغير الواقع سينتج تغيراً في نمط العلاقات والتفكير وخاصة في المركز الإمبريالي بسبب التفاعل السحري لما يجري في غزة وفلسطين مع عوامل أزمته المتعفنة بنيوياً.

لذلك نرى أن جزءاً هاماً من الحاضنة الإمبريالية الدولية للكيان أخذ تحت ضغط تناقضاته الداخلية واصطفاف فئات شعبية واسعة من كل طبقات المجتمع التأكيد والدفاع ليس فقط عن الحق الفلسطيني، بمعناه السياسي، بل عن الرواية الفلسطينية بمعناها التاريخي. والدليل أنه لأول مرة في تاريخ الصراع تهتف جماهير المجتمعات الإمبريالية: "من البحر إلى النهر". أيضاً، وهذا مهم وعلينا استثماره، لأول مرة يعقد في أوروبا، موطن الحركة الصهيونية، مؤتمر لليهود المعادين للصهيونية حضره ١٢٠٠ مندوب من كل العالم أيدوا النضال الفلسطيني، وأعلنوا أنهم يرفضون أن تقوم الصهيونية باقتراف المجازر وحرب الإبادة ضد الفلسطينيين باسم اليهود.....

إذاً الحرب التي فجرتها حركة المقاومة الإسلامية حماس في السابع من أكتوبر المجيد، والتي انخرطت فيها كل فصائل المقاومة الفلسطينية وجزء من شعبنا بمبادرات فردية طلائعية، والتي دعمت عملياً وبالنار والتضحيات من قوى محور المقاومة، هي بلا شك حرب وطنية ثورية تحررية استبقت حرب الإبادة، الصهيونية التي كما تثبت الأحداث والوقائع، كان هنالك استعداد لها إمبريالياً وصهيونياً بسبب التغيرات في موازين القوى الدولية وضرورة الإبقاء على السيطرة الإمبريالية على مكامن ومصادر الطاقة والمواد الأولية عالمياً. وما يحدث في أمريكا اللاتينية وخاصة في فنزويلا دليل على ذلك. صحيح أنها حرب إبادة مكلفة لشعبنا، لأن العدو ذهب إلى أقصى المدايات في هذه الحرب ضد غزة، ويعمل أيضاً على تقويض وضم الضفة الفلسطينية بهدف تحقيق السيطرة الكاملة على فلسطين التاريخية. على ما يبدو أدرك العدو أن الاحتلال والاحتواء لا يحققان بالضرورة السيطرة الكاملة. لذا هو يريد أن ينتقل من طور الاحتلال والاحتواء إلى طور السيطرة الفعلية عن طريق الضم والإلحاق، وهذه في تقديري ستكون آخر الطلقات في جعبة العدو الإمبريالي الصهيوني لحسم مستقبل مشروعه الاستعماري في فلسطين والوطن العربي، الذي خلخل السابع من أكتوبر ورد فعل محور المقاومة العسكري أعمدة أسسه المزيفة، مما يعني ان الأمور ذاهبة إلى معركة الحسم التاريخي للوجود الصهيوني ليس فقط في فلسطين بل في كل الوطن العربي والإقليم.

في هذا السياق نلاحظ أن نار السابع من أكتوبر ونيران محور المقاومة، آخذة في تسريع إنضاج إرادة المواجهة والتصدي للقوى الشعبية العربية ولبعض الحكومات الرسمية بسبب وصول النيران إلى أطراف "بيادرها" وخاصة ذات التهديد العالي المباشر، من إجرام وحقد وفاشية العدو. إن الظروف الموضوعية الجديدة التي كشفت ليس فقط عن نوايا العدو بل عن مخططاته الفعلية ضد كل الدول العربية بغض النظر عن موقع حكامها في خارطة الصراع، ستساهم في انخراط قوى جديدة في النضال وحرب التحرير العربية ضد هذا المشروع الاستعماري.. ومن أجل تحقيق الاستقلال الحقيقي والسيادة الفعلية. إنه صراع مفتوح ولن يغلق إلا بهزيمة العدو الإمبريالي الصهيوني. الإمكانيات موجودة وما علينا ألا تفعيلها واستغلالها وأن نكون في مستوى التحدي التاريخي وأن نستجيب للضرورة الملحة للتغيرات الجارية على الصعيد العالمي.