Menu

النصر والهزيمة في غزة

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

تنفيذاً لخطة الرئيس ترامب ذات العشرين بنداً والقاضية بوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة والتي خرقها ولازال جيش الاحتلال مرّات عديدة نتج عنها سقوط المزيد من الشهداء والجرحى المدنيين ، وقبل أن تنقشع غبار المعركة بالكامل وتصمت المدافع ويتوقف أزيز الرصاص وتكف المسيّرات والطائرات الحربية عن قصفها المدنيين في خيام النزوح ومراكز الإيواء الأممية وقصف المشافي ، وقبل توقّف مجازر الإبادة الجماعية ومسح العائلات الفلسطينية من قيود السجل المدني ، وتفاقم آثار حصار التجويع والترويع ، ومنع دخول المساعدات من ماء ودواء وغذاء ، وإغلاق كل منافذ الحياة عن مليونين ومئتي ألف فلسطيني ،وازدياد أعداد شهداء حرب نتنياهو البربرية إلى نحو٧٠ ألفاً ،وأكثر من ١٧١ألف جريح ،وآلاف المفقودين والمعتقلين، وتدمير نحو ٩٠% من البنية التحتية للقطاع ،وقبل أن تضع الحرب الوحشية النازية أوزارها ؛ قبل كل ذلك كثر الحديث في الآونة الأخيرة ولا زال ، خاصة بين صفوف المثقفين والمؤدلجين والأيديولوجيين والقوميين والماركسيين والحركيين والحزبيين وحتى أنصاف الأميين عن الانتصار والهزيمة ، وكان محور النقاش العقيم -والذي كان في بعض مراحله يهدف إلى النيل من المقاومة والصمود الأسطوري الذي سطّره شعبنا بدم أبنائه ، وتسفيه وتحطيم ما أُنجز - هل حقاً انتصرنا أم هُزمنا في حربٍ غير متكافئة ولا متناظرة استمرت ولا زالت منذ عامين ؟ هذه الحرب التي استُخدِمت فيها مختلف أنواع الأسلحة والقذائف والقنابل والصواريخ واختُبرت فيها أسلحة أمريكية وبريطانية وألمانية وإيطالية وغيرها من لم تُعرف جنسياتها ومصادرها. وتاه هؤلاء المحللون بين مفاهيم اللغة والوقائع، فبدا بعضهم متفلسفاً يعطي لمفهومي النصر والهزيمة ما لا تحمله قواميس اللغة ، وتنأى بحمله عقول وتنوء ألسنة بالحديث عنه وتأبى أقلام أن تتبناه وتكتب عنه. لقد أجزت لنفسي - وليعذرني فقهاء اللغة - أن أبحث لغوياً عن مفهومي الانتصار والهزيمة لعلي أكون مخطئاً وظالماً لأولئك المتفلسفين المؤدلجين "الشامتين "والمعادين لفكرة المقاومة ؛ فوجدت أن الانتصار لغةً يعني حسب ملفات "التفسير الموضوعي" : الحصول على فوزٍ أو تحقيق التفوق على العدو أو الإتيان بالظفر.

أما الانتصار اصطلاحا : فيشير إلى تحقيق النجاح أو الفوز في مواجهةٍ أو صراعٍ . وإذا لم يتحقق ذلك يصبح الانتصار مجرد وهم وفكرة بعيدة عن الواقع.

و"الهزيمة" لغةً مصدرها "هَزمَ"، بمعنى فرَّ وشقّقَّ وحطّمَ، وفي هَزْمِ العدو، يعني كَسرٌ له.

أما الهزيمة اصطلاحاً : هي ما يعتري الخصم صفات انكسار من قتلٍ أو أسرٍ أو ضررٍ نفسي وقع من الطرف الآخر.

وبوضعٍ آخر، هو فِرارُ الجيش من الغَلَبة.

فأين نحن من هذين المفهومين و التعريفين اللذين يضعا حداً لفلسفة "النصر والنصرة والانتصار والمنتصرين والمنصورين " والانصار، ولفلسفة الهزيمة والانهزام والمهزومين". أما بالمفهوم السياسي فإن النصر أو الانتصار هو القدرة على تحقيق الأهداف التي وضعت قبل المعركة وفق خطةٍ متكاملةٍ ، وفرض الاستسلام على الطرف الآخر، وتحويل النصر العسكري إلى إنجازٍ سياسي، فهل حققت "إسرائيل" الانتصار المنشود؟ إن الإجابة على هذا السؤال يكمن بالعودة إلى الأهداف التي وضعها قادة الكيان، وأولها القضاء على حكم وإدارة سلطة حماس لقطاع غزة في اليوم التالي ، وثانيها تحرير جميع الأسرى بالقوة العسكرية ، وثالثها القضاء على القدرات العسكرية " لحماس" وتدميرها بالكامل.

إن التحليل الموضوعي لهذه الأهداف يعيدنا إلى حقيقة هزيمة جيش الاحتلال وليس انتصاره ، لأنه لم يستطع كما وعد أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام تحرير أسراه بالقوة العسكرية ، وعندما حاول ذلك عنوةً أعيدوا له بالتوابيت، واستطاعت المقاومة فرض شروطها بإطلاق سراح عشرات المئات من الأسرى الفلسطينيين من ذوي الأحكام العالية والمؤبدات ممن كانت" اسرائيل" ترفض إطلاق سراحهم ، وما أظهرته مشاهد تسليم الأسرى في الهدنة الأولى قبل نحو عام أشارت - بما لا يدع مجالاً للشك - أن المقاومة لا زالت موجودة بحضورها القوي ، وبأسلحتها وبزيّها وبتنظيمها وانضباطها ، وإعدادها لمراسيم التسليم وكأنها مراسيم دولة. لقد ظهرت قوية صامدة، حيث أرسلت رسائل تحدٍ عديدة ، حتى بلغ الأمر لمحللين وإعلاميين وقادة كبار إسرائيليين للإشادة بهذا الظهور الاستثنائي والمذهل وأبرزهم آنذاك كان رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقا اللواء غيورا آيلاند عندما قال لصحيفة معاريف "إن إسرائيل خسرت الحرب، وانتصرت دولة غزة" إن في هذه العبارة - من عدوٍ هندس ووضع "خطة الجنرالات" لفصل شمالي غزة عن جنوبه - اعتراف صريح بالهزيمة.

إن سلطة حماس في ذاك المشهد لازالت قائمة. وقد أعادت تنظيم صفوفها، "واختارت قادة جددا وأعادت الإمساك ببلديات ومؤسسات وبلدات ومدن قطاع غزة" كما صرح بذلك أحد المسؤولين الإسرائيليين. واليوم بحكم صمود أهل غزة ومقاومتهم، وبسبب العزلة الدولية التي منيت بها دولة الكيان ،والضغط الجماهيري العالمي والرسمي أُجبرت الإدارة الأمريكية على التفاوض مع حماس ؛ الأمر الذي سجل خرقاً مهماً للمقاومة على حساب الجانب الإسرائيلي ، وتفنيداً للسردية النتنياهوية بمسؤولية المقاومة عن تعطيل التوصل لصفقة تبادل الأسرى. ومن جهة أخرى- برغم الضغط العسكري واشتداد مجازر الإبادة بكل أشكالها- بقيت المقاومة تحتفظ بقوتها على طاولة المفاوضات ، كما هو الحال في الميدان الذي شهد عمليات نوعية سيما بعد استئناف الحرب في آذار/مارس الماضي ، و في ظل الحديث عن توسيع العملية العسكرية الشاملة الإسرائيلية لقطاع غزة. فما ظهر من جانب فصائل المقاومة بغزة لم يكن "تبجحاً ، وقفزاً في الهواء وبعيداً عن الواقع" كما ذكر البعض؛ فالتبجح أن تتفاخر بشيء لم تفعله ولم تنجزه ، بل إن ما ظهر كان تجسيداً لقولٍ أصبح فعلاً من جانب المقاومة.

فليعد هؤلاء المؤدلجين، والمحللين المتفلسفين إلى مفهومي النصر والهزيمة لغوياً وسياسياُ وفلسفياً. وبالعودة إلى تاريخ الشعوب فإن الهزيمة لا تكمن بأن يدمّر العدو المدن ويعدم كل جوانب الحياة فيها ويشرّد ويهجّر أهلها ، ويمارس كل أشكال الإبادة الجماعية، فالهزيمة أن يرفع المقاتلون الراية البيضاء ويسلّموا أسلحتهم ويُساقوا مُكبّلين، وأن يحقّق العدو أهدافه.

إن طوفان الآلاف من العائدين إلى بيوتهم في الشمال هو الانتصار بعينه، وما نصب خيمة متداعية ممزقة على انقاض البيت الذي يضم تحت الركام رفات الأبناء الشهداء إلا تعبير عن التحدي الأكبر، ورفض الهزيمة والاستعداد للعودة الكبرى. إن الانتصار تقرؤه بعيون الأطفال والنساء الصامدين الصابرين، وتجده أيضا، في كلمات كاتب اسرائيلي قائلاً :" لو قتلنا مليوني فلسطيني في غزة، وبقي طفلْ واحدٌ يرفع إشارة النصر فهو الهزيمة لنا"

لا بد من تذكيرالمهزومين دوماً والمأزومين مما أنجزته المقاومة من أن اليابان قد تعرضت لقنبلتين ذريتين، وقصفٍ عشوائي غير محدود وقتل الملايين بفعل العمليات الحربية ؛ كان استسلامها بانتحار قادة عسكريين كبار، ورفع رايات بيضاء ، وتوقيع إمبراطور اليابان على صك الاستسلام ، فكانت الهزيمة لهم والانتصار لأمريكا وحلفائها.

وكذلك كما حدث في ألمانيا التي سوّيت بعض مدنها بالأرض، واستسلمت بعد مقتل قادتها ، وعلى رأسهم هتلر، ووقعت على صك الاستسلام والهزيمة في معاهدة فرساي. والتي ما لبثت أن استضافت بعد نحو 30 عاماً مهرجان الأولمبياد العالمي في ميونيخ عام 1972.

أما في غزة لازال نتنياهو سيد الإجرام يبحث عن "النصر المطلق" ، ولا زال يريد إلحاق الهزيمة بالمقاومة ؛ فقتل نحو ٧٠ ألف فلسطيني وجرح ما يزيد على ١٧١ ألفاً ، واعتقال الآلاف وتدمير القطاع كله إلا قليلاً ، لا يعتبره بعض قادة الاحتلال من سياسيين وعسكريين سابقين نصراً ، بل هزيمةً لنتنياهو وأهداف حربه. وما تصريحات نتنياهو المتكررة باستئاف الحرب ، واعتداءاته المتواصلة على شعبنا وعلى دول المنطقة، إلا دليل قاطع على أنه لم يحقق أهداف حربه المجنونة العبثية ، وأنه يريد الإفلات، من خطة ترامب لوقف الحرب.

إن إرادة شعبنا بالصمود والمقاومة والحياة كانت أكبر من أهداف نتنياهو وطموحاته. وما قاله الكاتب الأمريكي أرنست همنغوي في روايته الشهيرة " الشيخ والبحر" "يمكن للإنسان أن يُدمّر، ولكن لا يُهزم" ينطبق تماما على شعبنا ومقاومته ؛ الذي حقق النصر منذ اليوم الأول في السابع من أكتوبر حينما وقعت الهزيمة المنكرة "بإسرائيل ".

وها هو شعبنا الآن يرفع رايات الوطن خفاقة عالية ولم يرفع رايات بيضاء ولم يوقع صك الاستسلام الذي سيوقعه الكيان طال الزمن أم قصر. إن النصر هو نصر عسكري وسياسي واقتصادي وأمني ، والهزيمة هي خسارة كل ذلك ، وما يحاول نتنياهو تسويقه لا يزال بحيز النصر الوهمي والشخصي الذي يحاول من خلاله التمسك بالسلطة وإرضاء مجتمعه عاطفياً ومعنوياً، بزعم أنه جلب لهم السلام والرفاهية والأمن فهل حقق لهم ذلك؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في المظاهرات والاحتجاجات والانقسامات والخلافات في الجبهة الداخلية الإسرائيلية. أما النصر بالنسبة لحركات المقاومة، فهو محكوم باستمرار الاشتباك مع العدو ومناعة الحاضنة الشعبية، وليس محكوماً بنتائج كارثية بأعداد الضحايا والتدمير الهائل.

والهزيمة هنا هي إلقاء السلاح وإعلان الاستسلام، أما للدول فإن الهزيمة تعني انهيار الدولة وإعادة هيكلتها وفق أيدولوجية المنتصر اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وعسكرياً. في بحثٍ له صدر عام 1970 يقول هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق " إن الحركة المسلحة ما لم تعلن استسلامها، فإنها تكون قد انتصرت حتى عندما تفقد جزءا كبيراً من قدراتها العسكرية" .

وفي سياق متصل، وبالعودة إلى الحرب العالمية الثانية ، قدمت دول الحلفاء نحوه 83 % من ضحايا الحرب، بينما قدمت دول المحور فقط 17 % من الضحايا ، وبرغم ذلك انتصرت دول الحلفاء وهُزمت دول المحور ، وتم توقيعها على صك الاستسلام في فرساي.

إن ما يجري من نقاش هو بين أصحاب التفكير الرغائبي الذين يرون الأشياء كما يرغبون وكما هي معنوياتهم ، وبين أيدولوجيين واهمين و آخرين من مُثبّطي المعنويات والعزائم والمهزومين داخليا وفاقدي الثقة بالآخرين، وكلاهما لا يتقبل الرأي الآخر ؛ فهذا يعتمد على فهم وإدراك كل طرف لمفهومي النصر والهزيمة .

وتبقى التحليلات الأخلاقية والعاطفية التي تفسر نتائج الحرب بأعداد الضحايا، والدمار المروّع، وانعدام جوانب الحياة سمة هؤلاء الذين يرون النصف الفارغ من الكأس ، أما المنحازون لمشروع المقاومة يرون ذلك تحصيلاً عادياً لحرب همجية تجاوزت كل القيم والأخلاق والأعراف الانسانية ،وتتعلق بهوية ومستقبل الشعب والوطن، وإن كان الثمن باهظاً.

إن ما نسمعه من جيش المهزومين والمنبطحين أصبح فلسفةً قيمية لا أخلاقية لهؤلاء ، وكأن دورهم فقط هو هزيمة الشعب ونصرة العدو. إن منطلقاتهم الأيديولوجية هي سبب هذه المواقف المترنحة الساقطة إزاء أيدولوجيا يعتبرونها معادية، وهي أيديولوجية المقاومة والنصر.

من المؤكد أن النصر فلسفياً لا يكون نصراً إذا كان بلا قيمة أخلاقية ولا يمنح السعادة للمنتصر، وكما قالت أستاذة الفلسفة والحضارات الباحثة والكاتبة مارلين كنعان:

" أحيانا قد تكون الهزيمة أفضل من النصر لأنها تتيح ممارسة الفضائل كالصبر والثبات ، ويقود الانتصار المنتشي بفوزه إلى الشقاء والسمعة السيئة والفشل".

وعليه ، حري بنا أن نجعل من الشدائد والآلام وسيلة اختبارٍ لعزائمنا وأخلاقنا وانتمائنا ، وأن نصغي لما ذكره تاريخ الشعوب ، وأن نرفع سقف توقعاتنا بمن حملوا روحهم على أكفهم وفقدوا فلذة أكبادهم قرباناً للحرية والحياة الكريمة.

بالمحصلة ، إن ما حققه سيد الإبادة نتنياهو وقادة الاحتلال في حربهم الإجرامية الفاشية على غزة وعلى شعبٍ أعزل طيلة عامين لا يعدو كونه انتصاراً جزئياً تكتيكياً ، بينما ما حققته المقاومة والشعب يعتبر بكل المفاهيم انتصاراً إستراتيجياً ، وفي الوقت ذاته إنه حتى الآن هو الهزيمة بعينها للمشروع الصهيوني التوسعي الإجلائي الإحلالي و الإمبريالي الاستعماري برمته في المنطقة ، ومثّلَ حالة استنهاضٍ لكل الشعوب المقهورة ، وقراءة جديدة لصنع التاريخ المشرّف. إنها معركة الحياة "إما أن تكون أو لا تكون".