Menu

الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين: الفاشية لم تندحر بعد

وسام رفيدي

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

هذه المداخلة قُدمت في المنتدى العالمي لأكاديميي الجنوب الذي نظّمه مركز العلوم الاجتماعية في جامعة شانغهاي في الصين يومي 13+14/11 الفائت لمناسبة الذكرى الثمانين على هزيمة الفاشية في الحرب العالمية الثانية.

 

 

من حق الشعوب الحرة وقوى التقدم والحرية والاشتراكية ان تفخر بانتصارها على الفاشية قبل 80 عاماً، ومن حقها أن تستذكر الملايين ضحايا الفاشية. ومع ذلك لا ينبغي أن يتسلل الوهم لأي منا بأن الفاشية "قصة انتهت".

الفاشية نتاج بنيوي، للرأسمالية والإمبريالية وقوى الاستعمار منذ تشكلت تلك النظم. وقائع التاريخ عنيدة تؤكد ما أذهب إليه، ولذلك فهي نتاج طبيعي وجوهري . فالرجل الأبيض مندوب الرأسمالية الوليدة، أباد واستعبد عشرات ملايين الشعوب في الأمريكيتين وأفريقيا وشرق آسيا، والرأسماليات الألمانية واليابانية والإيطالية، لوّثت وجه التاريخ ببشاعة دمويتها وإباداتها ضد الشعوب الأصلانية، أما اليوم فالإمبرياليات الأوروبية والأمريكية، دعمت وما زالت حتى اللحظة، نظام الإبادة والتهجير، الكيان الصهيوني، بل وتدعمه بالسلاح والموقف السياسي والعلاقات على مختلف المستويات. واليوم تغد الممارسة الفاشية للكيان الصهيوني هي المثل الأبرز للفاشية. ويُمكن الإشارة إلى مئات ملايين الدولارات التي تم صرفها من الشمال العالمي لدعم فاشية الصهيونية والجسر الجوي الأمريكي والأوروبي الذي ضخ عشرات الأطنان من الأسلحة للكيان الصهيوني، ويمكن الإشارة إلى العديد من الفيتوهات التي استخدمها الغرب الإمبريالي لمنع وقف الإبادة، في تأكيد إضافي على بؤس اتخاذ القرارات في المحافل الدولية. هذه ممارسة ممتدة منذ العام 1948 وتتمثل بتهجير الشعب الفلسطيني وتنظيم المجازر ضده، وبناء كيان استيطاني إحلالي عنصري، وصولاً للإبادة التي مارسها ويمارسها اليوم في قطاع غزة، ومحاولاته المعلنة للتطهير العرقي للفلسطينيين في الضفة وغزة.

لم يخفِ الكيان الصهيوني هدفه المعلن عبر العديد من تصريحات السياسيين وكتابات الصحفيين وموقف (رأيه العام) عبر الاستطلاعات، بمحو قطاع غزة وتهجير شعبنا. إن الفاشية في الكيان الصهيوني هي مظهر شعبي لا موقف حكومي فحسب، وهذا ما يبدو "طبيعياً" لمجتمع استيطاني أصلاً.

الفاشية لا زالت موجودة وقوية رغم التغييرات الحاصلة على النظام الدولي لفرض نظام دولي تعددي بديلاً لنظام الهيمنة الإمبريالية الأمريكية. من الصحيح أن هذا النظام قد تغيّر بعد الانتصار على الفاشية والنازية، وصعود معسكر الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي والصين وأوروبا الشرقية، وكذا مع انتصارات حركة التحرر والتقدم والاشتراكية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وأشهرها في فيتنام وكوبا والجزائر، ولكن من الصحيح أيضاً رؤية التراجع الذي حصل بانهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، حتى اعتقد الإمبرياليون وكتّابهم أن الرأسمالية هي "نهاية التاريخ" كما ذهب فوكوياما. لقد بدؤوا يتصرفون وفق عقيدة أن لا وجود في التاريخ سوى للرأسمالية والإمبريالية.

صعود الصين وروسيا ونجاحهما عبر علاقاتهما ودورهما وقوتهما السياسية والعسكرية والبشرية والاقتصادية، أرسى دعائم أولية لنظام جديد، بالتفاف دول صاعدة عديدة مثل الهند وإيران والبرازيل وجنوب أفريقيا. نظام جديد بدأ يتشكل، ومظهره الأبرز نظام البريكس ومنظمة شانغهاي. صحيح أن السعي الحثيث لبناء نظام دولي جديد منصف وعادل للشعوب بديلاً لهيمنة النظام الإمبريالي الواحد، ما زال في بداياته، ولكنه مبشر ويسير بشكل حثيث، وهذا ما يؤكد عليه المسؤولون الروس والصينيون باستمرار. نستذكر هنا مقولة لينين قائد ثورة أكتوبر في تشخيصه لوضع روسيا قبيل الثورة: النظام القديم لم ينتهِ والنظام الجديد لم يولد بعد. كأننا بهذه المقولة نشخّص حال النظام الجديد، مع تحوير يقتضيه الواقع: ولد النظام الجديد وبانتظار انتصاره على القديم.

إن إرساء دعائم النظام الجديد الموعود لا يمكن أن يتم دون إجراءات جذرية، فهذا النظام لن يتحق دون الانتصار في الصراع مع النظام الدولي القديم الذي يصارع لإبقاء هيمنته. فالرأسمالية لن تتنازل عن فردوسها دون قتال، ما زالت هذه المقولة الماركسية اللينينية صحيحة وتدعمها الوقائع اليومية، السياسية والاقتصادية والثقافية.

وعندما نطالب بإجراءات جذرية فنعني أنها يجب أن تتجاوز إجراءات الرد على عنجهية نتنياهو وفريقه، الموقف السياسي الداعم في المؤسسات الدولية، فالكيان الصهيوني اليوم، وينبغي ملاحظة ذلك، هو الممثل الأبرز للفاشية العالمية.

إن حرب الإبادة التي يواجهها شعبنا اليوم تبدو المظهر الأبرز للفاشية الأوروبية والأمريكية والصهيونية، دون إغفال الاستفزازات العسكرية لفنزويلا، وللعديد من الدول المتمردة على الهيمنة الإمبريالية. إن التاريخ يعيد نفسه بصورة دموية بشعة في فلسطين: إبادة وتهجير لمئات الآلاف من الفلسطينيين، يعيد التذكير بالإبادة في ممارسات الرجل الأبيض وألمانيا وإيطاليا واليابان، لذلك يغدو الموقف الصريح والجريء ضد تلك الإبادة مطلوباً، موقفاً يتجاوز حدود الدعم السياسي لحقوق شعبنا في المحافل الدولية، ليصل لحدود فرض العقوبات، وحتى قطع العلاقات مع النظام الفاشي في الكيان الصهيوني. هذا ما يتطلع له شعبنا بالتأكيد من القائمين على مشروع بناء نظام جديد، لتزداد عزلة هذا النظام وصولاً لهزيمته التي ستكون بالتأكيد هزيمة للإمبرياليات والرأسمالية العالمية.

إن نضال شعبنا اليوم ضد الإبادة يقدم مثالاً صارخاً على الصراع القائم بين الجنوب والشمال، رغم تحفظي النظري، إلى حد ما، على تلك المقولة "الجنوب والشمال" التي اعتمدها إدوارد سعيد في الإستشراق، ففي الشمال أيضاً، وهذا ما أكده شعبنا في نضاله ضد الإبادة، هناك قوى شعبية حية وبالملايين، تهتف وتناضل ضد الكيان الصهيوني وضد حرب الإبادة، في فعاليات شعبية الشوارع وفي الإضرابات التي تنظمها اتحادات الطلبة والعمال. ومع ذلك ما زال بالإمكان استخدام تلك المقولة في فهم حقيقة الصراع بين شعوب ودول الجنوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، الصراع من أجل وضع حد للبلطجة والعنجهية الإمبريالية ضد شعوب ودول هذه القارات، وما مؤتمركم هذا سوى صدى لذلك الصراع وتأكيد عليه.

وفي فلسطين التي تناضل ضد "الإمبريالية الصغرى" حسب مقولة القائد الراحل د. جورج حبش ، يتناغم هذا النضال مع نضال فنزويلا وكوبا وجنوب أفريقيا، مع نضال إيران واليمن، نضال الصين وروسيا، من أجل وضع حد نهائي للهيمنة الإمبريالية ونظامها العالمي القديم، لذلك يغدو التضامن الأممي هو المدخل الأبرز لتوحيد نضال شعوب الجنوب في مواجهة الدول الإمبريالية في الشمال، وهو نضال يجب أن لا يقتصر على حقول الاقتصاد والثقافة فقط، بل وعلى حقل السياسة، بمزيد من إجراءات التصدي لعزل وهزيمة هذا النظام وتابعه الأبرز اليوم، الكيان الصهيوني.