من المؤكد أنه يتعذر فهم الحروب بعامة فهما دقيقاً إلا باسترجاع سياقاتها وتأملها وتحليلها وإعادة تركيب تصور معقول أو رؤية عميقة لما يجري، وما الصراع والتوتر ، بل العدوانية الإمبريالية الأمريكية المتصاعدة ضد فنزويلا ، إلا حالة من هذه الحالات التي لا بد لفهمها من فهم سياقاتها التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك . ستقرأ هذا الصراع بين الرأسمالية المعولمة والمتوحشة، وبين نظام اشتراكي - ديمقراطي ضمن منظور سياقي متكامل يسعى لأن يضع النقاط على الحروف ويضيء أبعاد هذا الصراع .
وقبل أن نمضي بعيداً، دعونا نتأمل ما قاله الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو معلقاً على تهديدات رئيس أمريكي لا يعرف من أين يبدأ، وإلى أين يسير، وإلى أين ينتهي ، قال مادورو مخاطباً شعبه: إنهم يعملون على تغيير النظام من خلال التهديد بالتدخل العسكري، وتواجه فنزويلا أكبر تهديد تتعرض له قارتنا منذ مئة سنة ، وإذا ما هوجمت فنزويلا سنتحول فوراً إلى الكفاح المسلح دفاعاً عن أرضنا، وستصبح البلاد (جمهورية تحت السلاح .)
تشير هذه الفقرة من خطاب مادورو أن الدولة ترى في التهديد الأمريكي خطراً حقيقياً قابلاً لأن يداهم البلاد براً وبحراً وجواً ، وهذه هي الطريقة السليمة في التعامل مع القوى الاستعمارية المتوحشة وما يقتضيه ذلك من إعداد واستعداد رغم فارق القوة الحاد بين الطرفين. فلنتأمل حقائق الصراع وسياقاته ؛
فنزويلا: نبذة سريعة
خضعت البلاد لاستعمار إسباني امتد نحو ثلاثة قرون من القرن السادس عشر إلى مطالع القرن التاسع عشر، ثم ورثه الاستثمار الأمريكي لبضعة عقود (۱۸۱۱ - ۱۸۳۰) تقريباً.
وتناوبت عليها ديكتاتوريات متلاحقة ونهبت مقدرات الوطن وحقوق الشعب. ويمكن القول إن أول حكم وطني قاد البلاد لمصلحة الشعب والإقليم والإنسانية بعامة كان نظام شافيز.
فما الملامح الأساسية لفكر ودور وقيادة شافيز؟
وضع شافيز نظاماً اشتراكياً - ديمقراطياً منذ تولى القيادة منتخباً من الشعب في عام ١٩٩٨، وناضل في سبيل بناء صيغة تكامل سياسي واقتصادي بين دول أمريكا اللاتينية. كان معادياً للإمبريالية والعولمة وتحدى سياسات الولايات المتحدة، ما وسع من دور ونشاط القوى اليسارية في القارة. اعتبره الشعب ناطقاً باسم الفقراء حين أعلن برنامجه الرئاسي متمثلاً في مكافحة الأمراض والأمية وسوء التغذية والفقر والأمراض الاجتماعية، جاء شافيز إلى الحكم عندما كان ٥٠٪ من الشعب يرزحون تحت خط الفقر، في وقت كانت فنزويلا من أغنى بلاد العالم في ثرواتها الطبيعية وبخاصة النفط. وتضمنت إنجازاته القضاء على بيوت الصفيح ببناء مئات الآلاف من المنازل التي وزعت مجاناً على المحتاجين.
وماذا عن الموارد الطبيعية للبلاد؟
تحتفظ فنزويلا بأعلى احتياطي نفطي في العالم، بما يفوق الاحتياطيات الفردية لدول عربية وشرق أوسطية، كما تتمتع بكميات وافرة من الغاز والذهب والماس والفحم والبوكسايت، وهو ما تم تأميمه في زمن تشافيز، وإذا كانت الموارد مهمة، فإن الأهم يتمثل في إدارة هذه الموارد ، ومن هنا جاء التأميم ، وإقامة نظام سياسي واقتصادي مستقل بعيداً عن الشركات الأمريكية والعالمية ما خلف استياء وغضباً وحقداً أمريكياً وغربياً ضد النظام السياسي الذي يقوده شافيز لصالح الشعب والبلاد.. وهنا تكمن جذور الموقف الأمريكي المعادي لفنزويلا وحكوماتها الوطنية وشعبها الداعم للقيادة، سواء أكان ذلك في زمن شافيز أم خلفه مادورو حيث تشدد إدارة ترامب اتهاماتها لنظام الحكم الحالي في فنزويلا بقيادة مادورو .
الإمبريالية الأمريكية : سجل دموي مكشوف
حين خطب مادورو بالشعب منبهاً ومحذراً ومحفزاً للاستعداد ، كان يدرك حقيقة الرأسمالية المعولمة في توحشها وعجرفتها وعنفها ولم يتجاهل حقائق التاريخ الإمبريالي الذي اختصره موقع (davidson.org/warlist) في قائمة قصيرة تشير إلى عدوانية واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية إذ نجم عن حروبها وتدخلاتها العسكرية ومؤامراتها موت ما يقرب من (٢٠) مليون إنسان في قارات وأماكن مختلفة ، وأسقطت ما لا يقل عن (٣٦) حكومة ، وتدخلت انتخابياً في (٨٦) انتخاباً في أقل تقدير، وحاولت اغتيال أكثر من (٥٠) قائداً أجنبياً ، كما ألقت قنابلها على ما يربو على (30) دولة.
بيد إن مادورو وشبان وشابات شافيز يدركون أن أمريكا ليست قدراً ماحقاً لا يهزم ، ويتذكرون فيتنام وكوريا وأفغانستان و العراق وعدوانها الفاشل على إيران، وشراكتها الإجرامية للكيان الصهيوني
في حرب على غزة والضفة ولبنان، و اليمن العظيم الذي سجل أروع أمثلة التصدي والدعم لقوى المقاومة العربية ، بل إنه أذل كلاً من العبيط واللقيط علناً وبالفعل لا بالقول .
ترامب .. ليس خارج الإطار
للإمبريالية سمات واضحة رصدها الناس والباحثون من ممارساتها ولم يسقطوها على قادتها عنوة ، وأول هذه السمات الكذب والافتراء والتزوير والتزييف ، وكسر القانون الإنساني لصالح قانون الغاب ، واختلاق أسباب واهية تافهة وأحياناً مضخمة لإشعال حرب هنا أو هناك ، أو شن عدوان على دولة مناوئة أو قوة ثورية.
والإمبريالية تدفعها دائماً مصالحها ثم مصالح حلفائها وقد لا تبالي بمصالح هؤلاء إن رأت تناقضاً (لاحظ ترامب مع أوروبا وكندا والمكسيك).
ولا تخجل الامبريالية من التدخل في شؤون الدول الأخرى والتحريض على قتل زعماء مناوئين . وهنا لا بد أن نتذكر أن ترامب خصص مكافأة قدرها (20) مليون دولار لمن يعتقل مادورو ثم عاد ورفع المكافأة إلى (٥٠) مليون دولار ، ولا يهم الإمبريالية الأمريكية أن تقدم اتهامات لدول أو زعماء مناوئين من دون أدلة وهنا نأتي إلى عقلية البلطجة الأمريكية التي يمثلها ترامب والتي يهدد بشن حرب على فنزويلا وإسقاط النظام الشرعي بحجة وجود عصابات لتهريب المخدرات ، بل إنه وبوقاحة إمبريالية تليق بالرئيس الأمريكي تماماً، اتهم مادورو بأنه مشارك في تهريب المخدرات. فقال الخبراء القانونيون: حتى لو كان ما تقوله صحيحاً فلا صلاحيات لديك لشن حرباً تحت هذه الذريعة.
وقال له أعضاء في الكونجرس : حتى لو صدقت ادعاءاتك فإن هذه التهمة لا تقتضي حرباً لأن وسائل كثيرة غيرها متوافرة .
الحروب وبطش القوة والافتراء واحتقار القانون المدني والدولي والإنساني هي الأدوات التي يدير بوساطتها الإمبرياليون دولهم ودول العالم أيضاً وعن طريقها يحققون الأهداف : مرحلية كانت أم إستراتيجية.
التصعيد الإمبريالي على فنزويلا: الأبعاد والأهداف
يحدث هذا التصعيد الأمريكي على فنزويلا في زمن نيكولاس ما دورد خليفة تشافيز والأمين على رسالته ومبادئه وأهدافه وسلوكه فيرفض الاستجابة والاستسلام والإذعان للإمبريالية - الفاشية رغم الحصار والعقوبات السياسية والاقتصادية، الساذجون وحدهم من يقتنعون بأن غاية محاربة تجارة وتهريب المخدرات، بل أقول إن هذا السبب أهون من أن يرد في خاطر زعيم فاسد يفتقر إلى المبادىء والقيم. ولكن أهداف وأبعاد هذا التصعيد تكمن في المجالات الدولية والاقتصادية والسياسية والاستعمارية ، ليس على صعيد فنزويلا وحدها بل على مستوى القارة بأكملها، ونجملها في ما يأتي:
- الرسالة الأولى لدول أمريكا اللاتينية أن أمريكا مائدة لقارة وإنها وإن انشغلت فترة من الزمن في قضايا أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، فإنها الأن قد أرست معالم إستراتيجيتها لأمريكا الجنوبية، ولن تكتفي بالأرجنتين والسلفادور حليفين أساسيين لها، بل تريد المنظومة كاملة.
- في السياسة الدولية، الهدف الأول لأمريكا ترامب هو محاصرة الصين واحتواء تمددها واتساع تحالفاتها، وفنزويلا حليف قوي للصين (ولروسيا و تركيا وإيران) التي تحظى بتأييد متزايد في أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي، ما يضر بالمصالح الأمريكية في القارة التي تقف فنزويلا (جغرافياً) على رأسها. في هذه القارة تتوسع الصين اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً جراء مبادراتها وغياب الأمريكي وسحب برامجه الداعمة السابقة.
- عرقلة التجارة الخارجية لفنزويلا ومن يدعمها.
- ضرب القطاعات الاقتصادية المختلفة وبالذات قطاع الطاقة.
- تغيير السياسات الاقتصادية والسياسية، إذا أمكن في ظل صوغ مؤامرات وتحريض على الحصار من الدول المجاورة، ضد فنزويلا ودول أخرى داعمة لها في الإقليم، وإسقاط النظم المناوئة.
- وقف فلسفة التنمية الذاتية المستقلة لدول القارة وفي طليعتها فنزويلا، وفتح الأبواب للشركات والخدمات والاستثمارات الأمريكية.
خلاصة:
الولايات المتحدة تعيد النظر بإستراتيجيتها تجاه أمريكا اللاتينية مستهدفة الدول المنتجة للطاقة والمعادن والمؤثرة جغرافياً وسياسياً، وهذا يقتضي من دول القارة الحريصة على استقلالها تعزيز الوحدة وإنعاش الأطر المجمدة، وتحدي القوى الإمبريالية وحلفائها، وتعزيز علاقاتها بالصين وروسيا بشكل خاص، ومد جسور الدعم والتأييد للقضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها قضية فلسطين والتصدي للصهيونية والإمبريالية في أربع أرجاء الأرض.

