Menu

بعد عامين من العدوان الإسرائيلي على غزة ماذا عن فشل إسرائيل وعزلتها؟!

إبراهيم أبوليل

نشر في مجلة الهدف العدد(76) (1550)

تؤكد أدبيات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب، أن الصورة على الساحة السياسية تبدو معاكسة تماماً لما تم تحقيقه من "إنجازات عسكرية" إسرائيلية في مختلف الجبهات. فبعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حظيت الحكومة الإسرائيلية بدعم غير مسبوق من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وبإدانة حازمة للعملية من حلفاء الكيان الصهيوني، تأييداً لحرب الإبادة في قطاع غزة. ولكن بعد عامين من العدوان عديم الجدوى، والفشل في تحقيق الأهداف التي أعلنها نتنياهو بالقوة العسكرية، أصبح موقع "إسرائيل" في أدنى مستوياته على الإطلاق، وهي تعيش عزلة دولية تتعمق يوماً بعد يوم، إضافة إلى إدانة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من أعضاء حكومته من قبل محكمة الجنايات الدولية بوصفهم مجرمي حرب.

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في الثامن من أكتوبر 2023، كان واضحاً أن إسرائيل متورطة في جرائم حرب منهجية وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية، ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في القطاع، حيث راح ضحيتها ما يزيد عن ثمانين ألف شهيد ومفقود، وأكثر من مئة وسبعين ألف جريح بحسب تقرير وزارة الصحة في غزة، بعد عامين متواصلين من العدوان الذي أدى إلى دمار تسعين في المئة من المباني والمنشآت التي تمت تسويتها بالأرض، ما جعل قطاع غزة منطقة غير صالحة للعيش، إذ أظهرت نتائج العدوان تجاهلاً تاماً لأي معايير إنسانية. كما أن التصريحات التي أطلقها قادة الاحتلال تمت ترجمتها إلى واقع ملموس، بشكل مطابق لما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية للعام 1948. وقد أثارت جرائم الاحتلال ردود فعل وانتقادات شديدة، شعبية ورسمية، في معظم عواصم العالم، حيث شهد الكيان الصهيوني تحولاً لافتاً في مكانته الدولية، وتفاقمت عزلته السياسية التي أخذت تنعكس على المستوى الاقتصادي، وبدأت دول ومؤسسات دولية باتخاذ خطوات عملية تتجاوز حدود الانتقادات الدبلوماسية، لتطال أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في الكيان الصهيوني؛ وهو قطاع الصناعات العسكرية.

وفي تقرير إسرائيلي نشره الموقع الإلكتروني للقناة الثانية عشرة يوم 14/5/2024، أعده الدكتور عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس ومؤسس معهد MIND ISRAEL للأبحاث الاستشارية في شؤون الأمن القومي، والدكتور أودي أفينتال الخبير في الشؤون الاستراتيجية والتخطيط السياسي، و أشار التقرير إلى أنه "لم يعد بإمكان إسرائيل تجاهل تحولات أساسية متحدية في المستقبل المنظور. وهذه الاتجاهات تنذر بعهد جديد وخطير لم تعهده إسرائيل من قبل، ولم نستوعبه أيضا، ويستوجب إعادة تنظيم وتغييرات أساسية في مفهوم الأمن القومي والقيادة الإسرائيلية وسلم الأولويات القومي". وأضاف أن "التهديدات على إسرائيل ترتفع بشكل خطير، بينما تفوقها العسكري النوعي وقدرات مواردها التقليدية في مواجهة التحديات المتفاقمة تتراجع وتضعف، ويستهدف مناعتها وصلابتها ومكانتها الإقليمية والعالمية وقدرتها على الردع". وأشار التقرير إلى أن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يتسع ويتعمق ويتصاعد، فيما الاستراتيجية الإسرائيلية، بقدر ما هي موجودة، تتذبذب بين توجهين: توجه الحسم والضم من جهة أولى، مقابل الفصل الأمني – المدني الذي يشدد على الحفاظ على طابع "إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية"، من جهة ثانية. ولفت إلى أن "تصاعد الصراع ينعكس سلباً على أمن إسرائيل في جميع الحلبات الأخرى، ويجعل من الصعب عليها إنشاء عمق استراتيجي في الشرق الأوسط والحلبة العالمية، ويستهدف مكانتها في العالم بشكل يضر بصورة قوتها واقتصادها وعلومها، وبقدرة تسلحها وحرية عمل الجيش الإسرائيلي". وحذر التقرير من أن إسرائيل تتجه نحو عزلة دولية وإقليمية وتتعرض لعقوبات ومقاطعة وحظر بيعها أسلحة وتهديدات قانونية متفاقمة. وتظهر بوادر هذا التطور بخفض التدريج الائتماني، وتضرر علاقاتها التجارية، وتراجع الاستثمارات وتوقف رحلات شركات الطيران. "وفي هذه الظروف، فإن قيمة إسرائيل، باستثناء مجال التكنولوجيا الأمنية، تتضرر وتضع أمامها مصاعب في دفع تحولات اندماج في الحلبة الإقليمية وتحقيق الفرص في الحلبة الدولية".

وركز التقرير أيضاً على تزايد الأصوات التي تتعالى في الولايات المتحدة وتنظر إلى "إسرائيل" على أنها عبء استراتيجي أكثر من كونها مورد استراتيجي. والقاسم المشترك الأخلاقي بين الدولتين يتقوض تدريجيا على خلفية تحولات داخلية في البلدين كليهما. وفي غضون ذلك، ظهور اتجاهات النفور من "إسرائيل" على نطاق واسع في أوساط الشباب الأميركي، ولا سيما اليهود، يدل على مشكلة استراتيجية في المستقبل، مثلما تجسد ذلك في المظاهرات الاحتجاجية في الجامعات الأميركية المرموقة مثل جامعة هارفارد. وتتضافر هذه الأحداث مع التحديات التي تشتد أكثر في ظل الانقسام الداخلي في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، على خلفية أزمة إضعاف القضاء والمؤسسات والفجوات في المساواة والأعباء التي يتحملها الأشخاص، والفجوات الاقتصادية – الاجتماعية وغيرها. فالدمج بين جميع التحديات الداخلية والخارجية يُنشئ واقعاً جديداً وتحدياً لاستقرار الكيان الصهيوني ووضعه الاستراتيجي في الشرق الأوسط والعالم.

بالمقابل حصلت القضية الفلسطينية على اعتراف دولي لم يسبق أن حظيت به من ذي قبل، وعلى إنجازات سياسية يلاحظها العالم أجمع. فالتغييرات التي جرت خلال العامين الماضيَين لا تسير في الاتجاه الذي يطمح إليه نتنياهو، وبدلاً من تحالف إقليمي بقيادة الكيان الصهيوني، شُكّلت جبهة عربية دولية ترى في السياسة الإسرائيلية العدوانية تهديداً لاستقرار المنطقة، وبدلاً من التطبيع المنشود مع السعودية، جاءت الاعترافات الدولية المتتالية بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم على أرضهم، بمبادرة من السعودية وفرنسا، وخيّمت بعض الظلال على الاتفاقيات السلمية مع مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة، فيما تحول الكيان الصهيوني إلى "دولة منبوذة"، وبات قادته وضباطه ورموزه أشخاصاً غير مرغوب بهم في غالبية دول العالم. فالحكومة الإسرائيلية فشلت في إيجاد أي وسيلة عسكرية لتحقيق ما كان يصفه نتنياهو وأبواقه بأنه "نصر مطلق"، وكان هذا المفهوم عبارة عن رغبة سياسية أكثر مما هي واقعية. ذلك أن عملية عسكرية قُدمت كإنجاز لمُجرّد أنها دفعت بسكان قطاع غزة جنوباً، أو دمرت عدداً كبيراً من الأبراج السكنية والمنشآت المدنية والمرافق الحيوية، ليست سوى إعلان إفلاسٍ عسكري.

وكلما كان الجيش الإسرائيلي يوغل في ارتكاب الجرائم بحق الأبرياء من الأطفال والنساء، ويمنع دخول الغذاء والدواء للقطاع، مخالفاً بذلك القوانين الدولية والإنسانية، دون أن يحقق أي من أهدافه العسكرية، كان يخسر على الصعيد الإعلامي والدبلوماسي، ذلك أن نتنياهو أعلن بشكل واضح أمام العالم أجمع بأنه مالم يحقق أهدافه بالقوة فسوف يحققها بمزيد من القوة، ومع ذلك أخفق في تحقيق شعاراته، ولم يقدم لجمهوره أي إنجاز سوى أنه تفاخر بجرائم الإبادة، ما أدى إلى هزيمته سياسياً، وانعكس ذلك على الكيان الصهيوني داخلياً وخارجياً. وتؤكد ورقة تتضمن تقدير موقف قدمها معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في 8/10/2025، أن المسؤولية المباشرة عن الهزيمة السياسية تقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية، حيث جاء في ملخص للورقة أعدته الباحثة بنينا شرفيط باروخ تقول "إن المعركة الأهم في هذه اللحظة ليست المعركة العسكرية بل السياسية، ونحن نخسر في هذه المعركة الأخيرة، حتى أن رئيس الحكومة نتنياهو أقرّ بذلك في خطاب إسبارطة الذي ألقاه مؤخراً. وفي هذه المعركة بالذات، تساهم الحكومة الإسرائيلية فعلياً في مساعدة الخصم، أمّا ثمن الهزيمة السياسية فسوف ندفعه جميعاً".

وأخيراً، على الرغم من أن وقف الإبادة في قطاع غزة يفتح باباً للغزيين لكي يواصلوا حلمهم بالحرية والبقاء في أرضهم، إلا أن وقف إطلاق النار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاء لينقذ إسرائيل من عزلتها الدولية بسبب فشل السياسة الإسرائيلية، حيث إن ترامب أدرك تماماً أن إسرائيل تجاوزت ذروة قوتها في الحرب، وأن نتنياهو غير قادر على اتخاذ قرار بشأن إنهائها، فاتخذ القرار بدلاً منه.