Menu

السينما الفلسطينية في عصر طوفان الأقصى... سينما فلسطينية ... تنهض من تحت الركام في ظل الحرب والحصار

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

عاش قطاع غزة على مدى سنتين حرب إبادة ضروس طالت البشر والحجر، فبعد العملية الجريئة والمباغتة التي قامت بها المقاومة الفلسطينية صبيحة السابع من تشرين الأول من العام 2023 حيث تم اختراق كل الحواجز الأمنية والدشم والتجهيزات العسكرية والمراقبة الإلكترونية واستطاع رجال المقاومة مباغتة الجنود الصهاينة في مخادعهم، بعد أن تم قتل وجرح وأسر العديد منهم. وحققت المقاومة في ذلك الصباح انتصاراً مدوياً ...وامتدت المقاومة وعلى مدى سنتين كاملتين أبدى فيها الشعب الفلسطيني صموداً ومقاومة عز مثيلهما رغم الحصار والجوع والقتل والتدمير ومئات الشهداء وآلاف الجرحى.

ومع هذه الظروف الصعبة التي عاشها الغزاويون طوال العامين الماضيين، انبرت ثلة من الشباب المقاوم، حيث كان سلاحهم الكاميرا والصورة لنقل الواقع المعاش وفضح الجرائم الصهيونية حيث تتلاقى دراما الحرب مع الأمل في البقاء والصمود. ومن خلال الأفلام السينمائية التي صنعت تحت الحصار وفي ظل القصف العنيف وحرب الإبادة، وفي ظل الجوع والمرض ونقص الغذاء والدواء. كانت السينما الفلسطينية حاضرة كمرآة تعكس واقع النضال والوجع، وتحكي قصة شعب يعاني القهر والظلم تحت وطأة الاحتلال الصهيوني وجرائمه التي أودت بالآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين.

وقد واكبت السينما الفلسطينية مختلف التحولات التي عاشها المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، فكانت شاهدة على ويلات الحرب ومعاناة الإنسان الفلسطيني في مواجهة القتل والقهر والتهجير، ومأساة اللاجئين. وصورت أيضاً لحظات العودة بعد وقف إطلاق النار الذي تم في بداية شهر أكتوبر تشرين الأول من هذا العام، مسلطة الضوء على الألم والأمل في آن واحد.

وفي استعراض لأهم الأفلام السينمائية التي صنعت تحت الحصار وفي ظل ظروف صعبة قاسية نشير إلى المشروع السينمائي الذي أطلقه وأشرف عليه المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي والذي له باع كبير في الإخراج من خلال عدة أفلام روائية صنعها في مسيرته السينمائية..

وقد سعى مشهراوي إلى ترسيخ ثقافة الفن والسينما كوسيلة للمقاومة الانسانية. وتوثيق الواقع الفلسطيني بعدسة أبناءه، مؤمنا بأن الصورة قادرة على أن تروي ما تعجز عنه الكلمات، وأن السينما يمكن أن تكون نافذة للحياة حتى في أحلك الظروف.

وقد أطلق المخرج مشهراوي على مشروعه (من المسافة صفر) حيث تم إنتاج إثنين وعشرين فيلماً قصيراً ما بين الروائي والوثائقي والرسوم المتحركة. وقدم إثنان وعشرون فناناً وفنانة من قطاع غزة أفلامهم التي صنعوها في ظل الحصار والقصف والجوع والعطش، يحيط بهم الموت من كل جانب خلال حرب الإبادة التي شنها العدو الصهيوني على مدى العامين..

جميع الأفلام تمت كتابتها وإخراجها وتصويرها في أجواء وتحديات لوجستية نجح الكثيرون في التغلب عليها. وعاش صناع تلك الأفلام ويلات الحرب وكانوا قاب قوسين من الموت.

وبعضهم فقد أقاربه أثناء التصوير وأثناء الكتابة والتحضير مما أبعد بعضهم لفترات عن إكمال مشروعه الفني...

وفي نظرة سريعة إلى بعض تلك الأفلام، نتوقف عند فيلم (لا) الوثائقي القصير للمخرجة (هناء عليوة). حيث تبدأ عليوة في الفيلم بحكاية قصتها خلال رحلة البحث عن موضوع الفيلم الذي تريد إنتاجه، على أن يكون الفرح والأمل محورين أساسيين له، وحيث تسير المخرجة والمصور عبر أنقاض غزة في محاولة للعثور على لحظة مبهجة لالتقاطها. وفي نهاية المطاف، وجدت مجموعة من الأطفال يغنون وسط الدمار في إشارة على استمرار الحياة رغم هذا الخراب.

وفي فيلمه (عذراً سينما) لأحمد حسونة، يتحدث صاحب الفيلم عن تأثير الحرب المتواصلة عليه وعلى أحلامه التي تهشمت تحت الركام وواقعه المعاش الذي حوله من مخرج سينمائي إلى باحث عن مكان آمن غير متوفر، وبحثه الدائم عما يقتات به وأسرته ويروي عطشهم، كما هو فريق فيلمه، وكل الغزيين في خضم حرب الإبادة التي عاشتها غزة.

ويروي الفنان التشكيلي (باسل المقدسي) في فيلم (شظايا) الذي أخرجه بنفسه، يومياته في الحرب وتوثيقها بالرسم.

أما المخرجة (آلاء أيوب) قدمت في فيلمها (مثقلة) شخصية (رقية) في رواية (الطنطورية) للكاتبة المصرية الراحلة (رضوى عاشور)، وعلاقتها بمكتبتها التي اضطرت لتركها لقنابل طائرات الاحتلال، في مقاربة ذكية لما يحدث من نكبة جديدة في غزة الآن، وما كان من نكبة فلسطين 1948.

بينما تمحور فيلم (خارج الإطار) لنداء أبو حسنة حول ما تبقى من شظايا أعمال الفنانة البصرية رنين زريعي، فيما كان مرسماً قبل الحرب.

ويجب الإشارة إلى ثمة أفلام في إطار مشروع رشيد مشهراوي مع فنانين وفنانات غزة سواء لجهة الفكرة والمضمون أو الإخراج والرؤية السينمائية أو كليهما. ومن أبرزها فيلم (التعويذة) لبشار البلبيسي، مقدماً مشهديه آسرة وقادرة على انتزاع الاعجاب والدهشة بمفهومها الإيجابي وذلك بالاتكاء على ذاكرة طفلة، وذلك المزج ما بين واقع تهرب فيه إلى البحر إلى حيث ذاكرتها والمركز الثقافي حيث كانت تتدرب على الدبكة، وباتت تجيدها، مسترجعة وجوه ورقصات المبدعين والمبدعات من مدربيها ورفاقها في أمكنة باتت أثراً بعد عين، وشخوص لا تعرف عنهم شيئاً.

أما الفيلم الوثائقي (السبع موجات) للمخرجة أسماء بسيسو، فإنه يسلط الضوء على جوانب من واقع غزة قبيل الحرب عبر شخصيتي بيسان ومحمد وهما ورثة أسرة عاشقة للبحر، تتوارث الشغف بكل ما يحمله من ألم وأمل وصراع مع الحياة والمجهول، وقبل كل شيء مع الاحتلال الذي يحرمهم حتى المغامرة في أمواج بحرهم بحر غزة.

ويحيلنا فيلم (السبع موجات) لفيلم (نادي غزة لركوب الأمواج) والذي عالج حكايات قريبة من تلك التي يطرحها فيلم بسيسو مع فارق كبير لجهة الإخراج والصورة والنص والسيناريو المكتوب.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى الفيلم الروائي (الناجي الوحيد) ومدته 45 دقيقة سيناريو وإخراج سعود مهنا. حيث ينطلق الفيلم لتصوير الواقع بدقة من خلال قصص حقيقية وتقديم شهادات حية عما يتعرض له الفلسطينيون وبالأخص في قطاع غزة من قتل وتدمير وإبادة ، ويروي الفيلم الوجع الفلسطيني مسلطاً الضوء على واقع الحرب والعدوان ومشاهد النزوح، كما يلفت الفيلم إلى حياة الخيام وانتشار الأمراض جراء نقص الدواء والعناية الطبية، إلى جانب نقص الأغذية وانعدام الكهرباء والغاز والماء.

وفي هذا المقام نختم بالفيلم الذي أحدث ضجة عالمية بعد عرضه بالشهر الماضي في مهرجان فينيسيا السينمائي وغيره من المهرجانات العالمية، وحظي باستقبال جماهيري واسع غير مسبوق. إنه فيلم (صوت هند رجب) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. ويحكي الفيلم الوثائقي قصة الطفلة هند رجب ذات الأعوام الخمسة، والتي استشهدت في كانون الثاني 2024 بعد أن علقت داخل سيارة اسعاف مع عائلتها التي تعرضت لإطلاق نار كثيف من جنود العدو، الذين حاصروا سيارة الإسعاف. وظلت الطفلة هند على تواصل عبر الهاتف مع فرق الإسعاف والدفاع المدني الفلسطيني لأكثر من 3 ساعات تستغيث وتصف ما حولها، قبل أن ينقطع الاتصال معها، ليعثر عليها فيما بعد جثة هامدة إلى جانب أفراد أسرتها وقد مزقت رصاصات جنود الاحتلال جسدها الصغير.

وقد شكل الفيلم وثيقة بصرية هامة، خاصة في دول أوروبا والغرب عامة ليكون شاهداً على همجية العدو الصهيوني وجرائمه بحق الإنسانية وضد الشعب الفلسطيني خاصة.

وبعد... من كل ما تقدم يتضح لنا أهمية السينما في تصوير الواقع وكشف جرائم العدو التي ارتكبها منذ نشأة هذا الكيان الغاصب وحتى يومنا هذا، والتي ما زال يمارسها ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذي يعاني الظلم والقهر والتجويع والتشرد جراء سياسات البطش والإرهاب الصهيوني.

ولكن صناع أفلام السينما تحت الحصار في غزة لسان حالهم يقول: نحن صانعو أفلام نقدم أفلامنا هذه من غزة التي تعيش الموت في اليوم ألف مرة، نريد أن يصل صوتنا، وصوت من صنعنا أفلامنا عنهم أو لأجلهم، وأن نجد من يسمعنا. ببساطة لأننا بشر ولأننا موجودون، ولأننا نستحق الحياة، ولأننا جديرون بها.......