أحيت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الجزائر أول أمس السبت الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاقتها بحفلٍ وطني سياسي شهد حضوراً لافتاً من أحزابٍ وقوى فلسطينية وعربية وجزائرية وشخصيات وطنية هامة.
قَدمّ الحفل الرفيق سعيد عيسى، الذي دعا الحضور إلى الوقوف دقيقة صمت إجلالاً وإكباراً للشهداء. بعد ذلك، عُزف السلام الوطني الفلسطيني والجزائري، ومن ثم أُدِّيَ قسم الجبهة. وتلا ذلك إلقاء الرفيق نادر القيسي، الممثل السياسي للجبهة الشعبية بالجزائر، كلمة الجبهة المركزية، التي أكدت على ثوابت المقاومة، وضرورة الوحدة الوطنية في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من عدوان متصاعد.
تناول القيسي في كلمته الإرث الطويل للجبهة منذ إعلان انطلاقتها كقوة ثورية يسارية تنادي بالتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، مؤكداً أن الجبهة ظلت متمسكة بثوابتها الأربعة رغم ما شهدته الساحة الفلسطينية من تحولات قاسية، وهي: مقاومة الاحتلال، ورفض مشاريع التصفية، وتعزيز الوحدة، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني دون تنازل أو مساومة.
وأشار الممثل السياسي إلى أن الذكرى الـ 58 تحل وشعبنا يخوض "واحدة من أقسى مراحل المواجهة في غزة والضفة"، مجدداً التأكيد على أن المواجهة مع الاحتلال "لا يمكن أن تُحسم إلا عبر استراتيجية موحدة ومقاومة شاملة، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية ومشاركة حقيقية".
وعرض القيسي في كلمته ثوابت محورية للجبهة تحدد مسار العمل الوطني للمرحلة الراهنة، ومن أهمها التأكيد على أن مقاومة الاحتلال بجميع أشكالها المشروعة هي حق أصيل وخيار وطني لا بديل عنه، وأن استمرار الاشتباك الميداني هو الطريق لتثبيت حق اللاجئين في العودة، والدعوة للإسراع في تشكيل إدارة وطنية مهنية مؤقتة في قطاع غزة من شخصيات مستقلة وكفؤة من أبناء القطاع، مع الرفض القاطع لأي ترتيبات أو وصايا تعيد إنتاج الاحتلال أو تمس حق شعبنا في تقرير مصيره، والتشديد على أن سلاح المقاومة شأن وطني مرتبط بالتوافق على الاستراتيجية الوطنية، ولا يخضع لأي اشتراطات من الاحتلال. كما أكدت أن أي وجود دولي، إن وجد، يجب أن يقتصر على خطوط التماس دون التدخل في الشأن الداخلي.
كما أكد القيسي على أولوية إعادة ترتيب البيت الفلسطيني عبر حوار وطني شامل لإعادة بناء النظام السياسي ومؤسساته، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، على أسسٍ ديمقراطية وشراكة حقيقية.
وحَملّ القيسي الاحتلال والإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن جرائم الإبادة، والمطالبة بالضغط الجاد لوقف العدوان وإنهاء الحصار، وفتح المعابر كافة، وخصوصاً معبر رفح من كلا الاتجاهين، مشدداً على أن حق العودة هو جوهر القضية الفلسطينية، وأن قضية الأسرى في صميم الصراع، وأن معركة تحريرهم التزام وطني ثابت.
وأشاد القيسي بالموقف الجزائري الرسمي والشعبي المساند للقضية الفلسطينية، مؤكداً أن هذا الدعم يعكس التزاماً تاريخياً وثابتاً نابعًا من مبادئ راسخة في وجدان الدولة والمجتمع الجزائري، موضحاً أن هذا الموقف تجلّى بوضوح في الجهود الدبلوماسية والسياسية المكثفة التي تبذلها الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي من أجل وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
واختتمت الجبهة كلمتها بتجديد العهد للشهداء والأسرى والجرحى والمبعدين ولكل جماهير الشعب، بأن تبقى الجبهة وفية لدماء الشهداء، منحازة للكادحين، ثابتة على خيار المقاومة، وماضية في معركة التحرير والعودة وبناء فلسطين الحرة المستقلة، مهما بلغت التضحيات وتعاظمت التحديات.
وأُلقيت خلال الاحتفال كلماتٌ عديدة، حيث ألقى ممثل الجبهة الديمقراطية في الجزائر، الرفيق محمد الحمامي، كلمةَ القوى الفلسطينية.
كما ألقى السيد خطري أدوه، سفير الجمهورية الصحراوية لدى الجزائر، كلمةً استعرض فيها عمقَ وعراقةَ العلاقات التي تجمع بين جبهة البوليساريو والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مذكّراً باللقاء التاريخي الذي جمع في بيروت بين مؤسس الجبهة الشعبية، الشهيد الولي مصطفى السيد، والزعيم الفلسطيني الرفيق جورج حبش .
وأكد السفير أن الجزائر، حكومةً وشعباً، تواصل دعمها الثابت لحركات التحرر، وستناضل جنبًاً إلى جنب معها حتى تحقيق الشعب الفلسطيني حريته وإقامة دولته المستقلة. كما أبرز عمق التضامن بين الشعبين الصحراوي والفلسطيني، مشدداً على أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين شكّلت، ولا تزال، روحاً متجددة وإضافةً نوعية أساسية لاستمرار المقاومة الفلسطينية.
وأضاف أن الشعب الصحراوي يجدد تضامنه المطلق مع الشعب الفلسطيني، معتبراً أن هذه المعركة مصيرية في مواجهة عدوٍّ مشترك، ومؤكداً أن الشعب الصحراوي يسير على النهج نفسه الذي سلكه الشعب الجزائري في ثورته المجيدة بقيادة جبهة التحرير الوطني.
وفي ختام كلمته، شدد السيد خطري أدوه على أن الشعب الصحراوي لن يتوانى عن مواصلة نضاله المشروع، ولن يتخلى عن حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.
كما أُلقيت كلمات أخرى لكلٍّ من أمقران لخضر، رئيس حزب جيل جديد، وسعيد عياسي، رئيس اللجنة الوطنية الجزائرية للتضامن مع الشعب الصحراوي، حيث هنّأت جميع الكلمات بانطلاقة الجبهة، وأجمعت على الإشادة بالدور المقاوم والتاريخي الذي تلعبه باعتبارها حركة تحرر وطني، مؤكدةً متانة العلاقات وروابط التضامن القائمة بين قوى التحرر.




