Menu

نصف قرن على القرار الأممي : الصهيونية مساوية للعنصرية !..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

بتاريخ 10/11/1975 , أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3379 المتضمن اعتبار " الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري " . وفي أثناء التحضير لاستصدار ذلك القرار تقدم الوفد الكويت ي , وهو الوفد العربي الذي قاد المجموعة العربية والدول الصديقة في تلك المعركة , بعدد هائل من الوثائق والمستندات لإثبات أن الصهيونية تؤسس لقيام نظام أبارتهايد .. وقدم مندوب الكويت آنئذ المرحوم د .فايز الصايغ أربعة بيانات أمام الجمعية العامة يوثق فيها أطروحته عن الصهيونية مستعيناً بمراجع صهيونية عديدة , ومن اللافت أن لا أحد في الجمعية تحدى ما قدمه د. الصايغ , وفي النهاية صدر القرار الأممي بإدانة الصهيونية ووصمها بالعنصرية , لكن الجمعية العامة ألغت هذا القرار بتاريخ 16/12/1991 إثر اندلاع حرب الخليج الثانية , وانهيار الاتحاد السوفياتي , وكانت هذه المرة الثانية التي تلغي فيها الجمعية العامة قراراً لها !..

بعد مضي ثلاثة عقود تقريباً على ذلك الحدث , أقر الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 19/7/2018 قانوناً باسم " قانون أساس : إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي " , وذلك بأغلبية " 62 صوتاً ضد 55 وامتناع 2 "!.

الأسباب الموجبة لإصدار قانون القومية :

من المعلوم أن مشروع القانون ظل على أجندة الكنيست لفترة امتدت نحو سبعة أعوام , وأدخلت عليه تعديلات عديدة وحذف منه بعض النصوص , وفجأة تسارعت الأحداث وأقر القانون ليؤشر إلى وجود مستجدات سياسية أدت إلى إصداره , لقد قيل الكثير في الدوافع والأسباب , إلا أن الدافع المباشر لإقرار هذا القانون يتمثل في ثلاثة أسباب :

- أولاً : تفكك النظام الرسمي العربي .. وتراجع الحالة الفلسطينية .

- ثانياً : أدركت حكومة المستوطنين حين ذاك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى , سيمنحها فرصة نادرة لاستغلال الجهل الواسع لدى الإدارة الأمريكية في شؤون الشرق الأوسط , و لملء هذا الفراغ بأطروحات صهيونية لا تجد من يتحداها أو ينتقدها , حتى فريق العمل المحيط بالرئيس الأمريكي ليس لديه خبرة أو ممارسة أو معرفة بالصراع في الشرق الأوسط , وهو ما يشكل فراغاً سارع مستشارو مراكز القرار الصهيوني إلى ملئه , لأن الأطروحات التي يتحدث عنها مسؤولو البيت الأبيض في أساسها أطروحات إسرائيلية صرفة .. وقد بدأت ولاية ترامب الأولى بإعلان مدينة القدس عاصمة لإسرائيل .. وتم نقل السفارة الأمريكية إليها بمناسبة يوم نكبة فلسطين , وذلك إمعاناً في ملء الجرح بالملح , وجاءت الخطوة الثانية بتقليص المساعدة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى " الأونروا " كمقدمة لتصفيتها .. ثم علمنا أن مشروع قانون قدّم إلى الكونغرس في تموز 2018 لإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني انطلاقاً من تطبيق التعريف الوارد في قانون الجنسية والهجرة الأمريكي عليه .. الأمر الذي يعني أن عدد اللاجئين الفلسطينيين قد لا يتجاوز " 600,00 لاجئ " بينما تشير سجلات الأونروا إلى أن عدد اللاجئين اليوم يتجاوز ستة ملايين لاجئ على قيودها وثلاثة ملايين خارج القيود .

قبل الوصول إلى السبب الثالث فإن من الملائم إثارة التساؤل عن سبب إصدار قانون هو في أساسه تقنين لما ورد في ما يسمى " إعلان استقلال الكيان " وبعض اجتهادات المحاكم الإسرائيلية , لا سيما " محكمة العدل العليا " وبعض التشريعات الأخرى ؟!.

- ثالثاً : من الثابت في القضاء الإسرائيلي أن " إعلان استقلال الدولة " لا يشكل وثيقة قانونية , ولا يمكن الاستناد إليه في إثارة قضية " المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية " , وبالتالي ربما أصبحت الحاجة ماسة إلى وضع أهم ما ورد في " إعلان الاستقلال " في نصوص قانونية تأكيداً على " سمو الشأن القومي اليهودي " , أما الشق الآخر , فهو عدم رضا الحكومة الإسرائيلية عن أداء محكمة العدل العليا التي عندما تتعرض لمسائل تتعلق بالاحتلال والاستيطان تلجأ في محاولة للظهور بمظهر الموضوعية لمناقشة سوابق قضائية دولية ومعاهدات دولية , وتستعين بشروحات فقهاء القانون الدولي , ولا سيما تلك المتعلقة بالقانون الدولي , ومع أن محكمة العدل العليا أثبتت على مدار 78 عاما من معالجة قضايا الاحتلال الصهيوني , أنها – بحسب أستاذ القانون في الجامعة العبرية د . ديفيد كوتشمير – " أداة فاعلة لشرعنة أعمال الحكومة في " الأراضي المحتلة ", وأن الأغلبية العظمى من قراراتها كانت داعمة ومبررة ومؤيدة لممارسات سلطات الاحتلال , إلا أن الحكومة أرادت تقييد سلطة صلاحيات محكمة العدل العليا بتشريع محدد يكون هو مرجعيتها الوحيدة , ومنحته صفة " قانون أساس " أي أنه ذو صيغة دستورية , وبالتالي يكون أكثر تعقيداً للمحكمة , وعلى المحكمة الآن أن تنظر إلى عملية الاستيطان بوصفها " قيمة وطنية " ولا يمكن أن تكون " جريمة حرب " وبالتالي فإنها لن تضطر لمناقشة المادة 49/6 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بل عليها أن تنظر الآن إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها " الوطن القومي للشعب اليهودي " وليست أراضي محتلة , وبالتالي لا علاقة لها باتفاقيات لاهاي و جنيف والقانون الدولي الإنساني , لقد جاء القانون لتحصين "إسرائيل" من آثام الاحتلال كلها !.

وسنشهد قريباً أول امتحان لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية , إذ أن أمامها " ثلاثة التماسات " للطعن في القانون موضوع البحث , فقد قدم التماساً من حركة ميرتس وهي حركة يسارية إسرائيلية , و مركز عدالة وهو مركز يعنى بالدفاع عن حقوق " الأقلية العربية في إسرائيل " إضافة لحركة السلام الآن , والأطراف الثلاثة يقودون حالياً تظاهرات يشترك فيها بعض اليهود , وتجد هذه الالتماسات تأييداً من العديد من الشخصيات اليهودية من قضاة وأساتذة جامعات وأكاديميين وطلاب وعمال .. و الالتماسات الثلاثة تقوم على مبدأ الطعن في القانون الأساس بوصفه قانون عنصري .. والطريف هو تعليق وزيرة العدل الإسرائيلية التي حذرت محكمة العدل العليا من إلغاء هذا القانون لأن ذلك سيشكل " زلزالاً في إسرائيل "!.

ما العمل :

يثير قانون القومية العنصري عدة مسائل قانونية جديرة بالبحث والمناقشة , إلا أن المجال لا يتسع لبحثها جميعاً , وإن اتسع لطرح التساؤلات على سبيل المثال : ما هو مصير القرار الأممي رقم " 181 " الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى "دولة عربية وأخرى إسرائيلية " , ووضع مدينة القدس تحت إدارة دولية ؟! هل لا يزال ذلك القرار مصدر الشرعية الدولية لإقامة دولة عربية فلسطينية .. أم أن قانون القومية يجبُّ ما قبله ؟! ما هو مصير مشروع " م.ت.ف" بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 ؟! وقد جاء هذا القانون العنصري ليعلن " الضم الكامل " لكل فلسطين التاريخية ؟! , هل تبادر مصر والأردن إلى إعادة فتح ملفات اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة بعد إعلان قانون القومية العنصري حدود " أرض إسرائيل الكبرى " ؟! ألا يرى الأردن ومصر أن " قانون القومية " يعلن مشاريع توسعية على حساب سيادتهم ؟! ما هو تأثير هذا " القانون على أهمية عدم تجديد ملحقي استغلال منطقتي " الغمر والباقورة " المرفقتين بمعاهدة وادي عربة ؟ هل يمكن أن يؤدي هذا القانون لإعادة نظر المطبعين العرب في سياسة التقارب والتنسيق مع " دولة الشعب اليهودي الحصرية "؟! هل تراجع قيادة " م.ت.ف " سياستها وأحلامها بإقامة "سلام دائم " مع مثل هذا الكيان الذي يعلن عنصريته وفاشيته في الوقت الذي توارت جميع أشكال الأبارتهايد في العالم أو تكاد ؟! وفوق هذا كله , ما تأثير "قانون القومية " على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأرضهم التي يزعم هذا القانون أنها أرض " الشعب اليهودي "؟!.

إنها سلسلة من التساؤلات تطول وتحتاج إلى نقاش مطوّل لا يتسع المجال له .. ولكن قد يكون من الملائم اقتراح خطوتين على قيادة " م .ت. ف" لوضعهما في اعتبارها .. وقبل ذلك يجب التذكير بالقرار الأممي الذي صدر قبل نحو خمسة عقود والذي أعلن " أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية " ..

إن قيادة " م . ت . ف" مدعوة اليوم إلى اتخاذ العديد من الإجراءات لوقف مفاعيل هذا القانون العنصري والسام , وذلك بالمبادرة فوراً إلى :

1/القيام بحملة دبلوماسية عالمية تحض الدول على إعلان عدم الاعتراف بهذا القانون وإدانته وعدم احترام آثاره !.

2/ اتخاذ مبادرة أكثر سهولة من مهمة الوفد الكويتي في عام 1975 , مبادرة تطرح مشروع قرار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة , تطالب فيه المجتمع الدولي بإعلان " إسرائيل دولة تمييز عنصري وأبارتهايد " ولا يحتاج المندوب الفلسطيني إلا إلى إبراز ورقة واحدة تدعم مطلبه , وهي " قانون القومية الصهيوني " ليس غير , لأن القانون يشرح نفسه بنفسه , ولا يحتاج إلى تأويل أو تفسير !.

ستكون المبادرة الفلسطينية مدعومة بما ورد في الاتفاقيات الدولية الخاصة بإنهاء التمييز العنصري والالتزام الدولي بمحاربة جميع أشكاله .. فعلى الرغم من أن تلك المبادئ القانونية تطالب الدول بأن " تنتهج من دون تأخير , سياسة القضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله " وتنص على التزام " كل دولة طرف " بأن تتخذ تدابير فاعلة " لإعادة النظر في كل الممارسات الإسرائيلية " و أن تتعهد بـ " منع وحظر واستئصال " جميع الإجراءات العنصرية , واعتبار " كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية أو الإبادة الجماعية أموراً يجب مواجهتها والقضاء عليها ". إن قانون القومية الصهيوني أشد أذىً وأخطر أثراً مما رأينا زمن الأبارتهايد !.