موسوعتا الشعر والرواية ليستا مجرّد مشروع توثيقي بل فعل انتماء ووعي بالهوية الثقافية الفلسطينية
الثقافة الفلسطينية ليست هامشاً في تاريخ الأدب العرب
الرواية توثّق.. والشعر يضيء.. وكلاهما يسهم في حفظ الهوية
الشعر شكّل وجدان المقاومة .. والرواية أسهمت في تأريخ التجربة الفلسطينية
الكتابة تحت القصف تمثل أصدق أشكال الأدب الإنساني
من يكتب في لحظة الخطر يكتب بدمه لا بحبره
غالباً ما يُشار إليه بابن المخيم، والمخيم بالنسبة له ليس مكاناً جغرافيا بل حالة رمزية ووجدانية، يقول د. يوسف حطيني:"هو الذاكرة التي لم تغادرني والهوية التي صاغت وعيي، على أنّ المخيم ليس هو الوطن، لكنه الطريق إلى الوطن.. فيه تعلمت معنى الانتماء والكرامة، ومنه انطلقت نحو الحلم الأكبر:" فلسطين التي تسكنني حيثما كنت.. وأن أكون ابن المخيم يعني أن أحمل الوطن في قلبي أينما كنت، المخيم سقف مؤقت ننام تحته ونحلم بالعودة".. في رصيد حطيني وهو الأستاذ الجامعي والشاعر والباحث والقاص خمسون كتاباً في الإبداع والنقد والتأليف الجامعي من بينهم مشروعين مهمين هما: موسوعة الشعر الفلسطيني 2021، وموسوعة الرواية الفلسطينية 2023.
* الرسالة التي أردت إيصالها من خلال هذين المشروعين؟
**إنّ العمل على هاتين الموسوعتين لم يكن مجرّد مشروع توثيقي، بل كان فعل انتماء ووعي بالهوية الثقافية الفلسطينية. فالموسوعتان ثمرة سنوات من البحث والتنقيب في ذاكرة الإبداع الفلسطيني، في الشعر والرواية، بما يتجاوز الجهد الفردي إلى مشروع وطني وثقافي جماعي. لقد أردت من خلالهما أن أقول إنّ الثقافة الفلسطينية ليست هامشاً في تاريخ الأدب العربي، بل هي ركيزة أصيلة فيه. فالشعب الفلسطيني، رغم ما واجهه من نكبات وتشريد، ظلّ قادراً على إنتاج ثقافة حية، متجددة، تعبّر عن عمق انتمائه الإنساني وحصانته الحضارية.
لقد سعيت في كل موسوعة إلى أن أجعل من التوثيق أداة للفهم والتحليل، لا مجرد رصد للأسماء والعناوين. فالغاية لم تكن فقط حفظ الإبداع من النسيان، بل أيضاً الكشف عن البنية الجمالية والفكرية التي شكّلت وجدان الفلسطيني. من هنا، جاءت الرسالة الأساسية للمشروعين: أن الفلسطيني كائن ثقافي بامتياز، وأنّ حضوره في المشهد الإبداعي العربي دليل على أن الذاكرة لا تُمحى، وأنّ الأرض التي أنجبت هذا الإبداع عصيّة على الاقتلاع.
* ما أهمية وجودهما في المكتبة العربية؟
**تشكل الموسوعتان إضافة نوعية للمكتبة العربية التي ما زالت بحاجة إلى أعمال موسوعية متخصصة تتجاوز الطابع التجميعي إلى فضاء التحليل والنقد. فالكثير من الموسوعات العربية تكتفي بتجميع المعلومات دون الغوص في الأبعاد الفنية والجمالية للنصوص. أمّا هاتان الموسوعتان، فقد حاولتا ملء هذه الفجوة من خلال الجمع بين الدقة التوثيقية والرؤية النقدية، لتكونا مرجعاً للباحثين والنقاد وطلبة الجامعات، ولكل من يسعى لفهم تطور الوعي الأدبي الفلسطيني عبر الزمن.
إنّ وجود هاتين الموسوعتين في المكتبة العربية يعني الاعتراف بأن الأدب الفلسطيني بل مكوّن رئيسي في الأدب العربي، له لغته الخاصة، ورموزه، وتجربته الإنسانية الفريدة التي تجمع بين الجرح والأمل.
*حرصت على إطلاق هذين المشروعين من دمشق. لماذا؟ وهل ما زالت دمشق اليوم الياسمين الذي يحمي حدود الحلم الفلسطيني؟
**دمشق بالنسبة لي ليست مدينة فحسب، بل ذاكرة وانتماء.. فيها تنفست أول هواء عربي مشبع برائحة التاريخ، ومن شوارعها تعلّمت أن فلسطين ليست بعيدة ما دام في الأمة من يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية. دمشق هي الماء الذي شربت منه، وهي الشجرة التي احتميت بظلها، وهي الياسمين الذي ظلّ رغم الجراح يحرس الحلم الفلسطيني.
حين أطلقت المشروعين من دمشق كنت أؤكد أن الوعي الثقافي الفلسطيني لا يعيش في عزلة، بل يتنفس عبر فضاء الأمة العربية التي تبقى دمشق أحد أهم رموزها الحضارية. كلما رأيت تمثال صلاح الدين في قلبها، شعرت أن القدس أقرب، وأن الحلم ما زال حيّاً في العيون التي لا تنام على الذلّ.
*وثقت من خلال موسوعة الشعر الفلسطيني مسيرة قرن كامل من رحلة الشعر... بم تختلف هذه الموسوعة عن الموسوعات الأخرى؟
**ليس في نيّتي أن أقيّم تجارب الآخرين، بل أن أضيف إليها. ما يميز "موسوعة الشعر الفلسطيني" هو شمولها وتفصيلها وقراءتها المتعمقة للظواهر الشعرية، وليس الاقتصار على العرض أو التصنيف. فقد تناولتُ في واحدٍ وعشرين فصلاً القضايا التي شكّلت الوعي الشعري الفلسطيني: من مفهوم الشهادة وصورة الشهيد، إلى رمزية الوطن والمنفى، وموضوع العودة، ثم البعد القومي والديني والاجتماعي والإنساني في الشعر الفلسطيني. كما توقفت عند التحولات الفنية: في الإيقاع، والرمز، واللغة، وبنية الصورة الشعرية، وتناصّات الشعر الفلسطيني مع تراثه العربي والعالمي. إضافة إلى الملحق الذي ضمّ أكثر من ثلاثة آلاف مجموعة شعرية فلسطينية، لتكون الوثيقة الأدقّ لمسار هذا الشعر منذ بداياته حتى اليوم. وهكذا لم تكن الموسوعة مجرد سجلّ، بل تحليل لمسار الروح الفلسطينية في الشعر.
* ما هي النتيجة التي خرجت بها حول دور الشعر الفلسطيني في المعركة؟
**الشعر الفلسطيني كان دوماً جزءاً من المعركة، بل شكَّلَ في كثير من المراحل مقدّمتها. كان الشاعر يخرج إلى الشارع يقود المظاهرات، مثلما فعل شعراء كبار في تجارب أممية أخرى، من لوركا إلى نيرودا. فالشعر في الوعي الفلسطيني ليس زينة لغوية، إنما فعل مقاومة وثقافة وجود.. لقد أدركت من خلال قراءتي لمسيرة الشعر أن الكلمة كانت دائماً سلاحاً موازياً للبندقية، وأنّ الشعر لم يكتفِ بتسجيل المأساة بل صاغ رؤية إنسانية عميقة تعطي الأمة وجهها الحضاري؛ فالشعر يربّي الوجدان كما يوقظ الضمير.
*تبعت هذه الموسوعة بموسوعتك عن الرواية. في مقارنة بين الشعر والرواية، أيهما أقدر على التوثيق والتأثير برأيك؟
**الشعر والرواية جناحان في فضاء الإبداع الفلسطيني، ولا يمكن المفاضلة بينهما لأنهما يؤديان أدواراً متكاملة. الشعر هو التعبير المكثّف عن اللحظة، هو صرخة الوجدان، بينما الرواية هي ذاكرة الزمن الطويل، تروي حكاية الوجود الفلسطيني في تفاصيله اليومية والإنسانية.
الرواية توثّق، والشعر يضيء، وكلاهما يسهم في حفظ الهوية. فإذا كان الشعر قد شكّل وجدان المقاومة، فإنّ الرواية أسهمت في تأريخ التجربة الفلسطينية من الداخل، في فضاءٍ يمزج الواقعي بالرمزي، والوطني بالإنساني.
*تناولت تجارب لأجيال مختلفة. عند أي جيل بلغ الشعر والرواية ذروتهما؟ وماذا عن حضور المرأة؟
**يمكن القول إنّ الجيل الجديد أكثر قدرة على التعامل مع فن الرواية تحديداً، بحكم انفتاحه على التجارب العالمية، وتطوّر أدوات السرد عربياً. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن كل جيل أضاف لبنة في صرح الأدب الفلسطيني. فالجيل المؤسس هو الذي حمل الهم الوطني والرمز الجمعي، بينما عمّق الجيل اللاحق البنية الجمالية والفكرية للنص. أما حضور المرأة في الموسوعتين، فهو حضور فاعل ومؤثر. فهي ليست فقط موضوعاً للحب أو رمزا للوطن، بل هي ذاتٌ مبدعة، تكتب وتحتجّ وتؤرخ، وتتماهى في كثير من النصوص مع فلسطين ذاتها، لتصبح تجسيداً للجمال المقاوم والخصب الدائم.
*ما العلاقة بين الأدب والتاريخ في الرواية الفلسطينية؟ ومتى يصبح تحول الروائي إلى مؤرخ مقبولاً؟
**الرواية التاريخية ليست التاريخ نفسه، بل هي رؤيا فنية للحدث التاريخي. فالمؤرخ يروي الوقائع كما هي، أما الروائي فيعيد بناءها وفق رؤيته الجمالية والفكرية. وحين ينجح الروائي في أن يجعل من التاريخ خلفية لإنارة الحاضر واستشراف المستقبل، يصبح هذا التحول مقبولاً ومثمراً.
والروائي الفلسطيني، إذ يكتب عن النكبة أو الانتفاضة أو الشتات فإنه لا يسرد الحدث فحسب، بل يعيد تشكيله في ضوء الوعي الجمعي، ليكشف ما هو إنساني في التجربة، ويمنح التاريخ بعده الوجداني العميق.
*أفردت فصلاً في موسوعة الرواية لموضوع الشخصية الفلسطينية. ما أبرز ما لفت انتباهك؟
**الشخصية الفلسطينية في الرواية مرت بتحولات كبيرة. في البدايات كانت شخصية نمطية، بسيطة التكوين، تمثل الضحية أو المناضل أو الخائن أو الطاغية أو المناضلة أو المتمردة إلخ.... لكن مع تطور السرد، بدأت الشخصية تتعمق سيكولوجياً، لتصبح أكثر تركيباً وواقعية.
لقد درست هذه الشخصيات من حيث بعدها النفسي والجسدي والاجتماعي، فلاحظت أن الرواية الفلسطينية الحديثة أصبحت أكثر جرأة في تفكيك الذات الفلسطينية، والغوص في صراعاتها الداخلية، ولم تعد مجرد رمز وطني، بل إنساناً كاملاً يعيش التناقض بين الحلم والخذلان، بين الحنين والمنفى.
*كيف تجد الإيقاع الروائي للصراع العربي الصهيوني؟ وما أسوأ مرحلة مر بها؟ وعلى أي وتر يجب أن يعزف الروائي الفلسطيني اليوم؟
**الرواية الفلسطينية والعربية تناولت الصراع العربي الصهيوني من زوايا متعددة، وانتصر معظم الروائيين لعدالة القضية، غير أن الغالبية عجزت عن تصوير سيكولوجية المحتل تعقيداً وعمقاً، إذ ركزت على تصوير المظلومية الفلسطينية أكثر مما اشتغلت على تفكيك العقل الصهيوني.
أسوأ مراحل هذا الصراع أدبياً هي تلك التي طغى فيها الخطاب المباشر على الحس الفني، حين تحولت الرواية إلى بيان سياسي. أما اليوم، فعلى الروائي الفلسطيني أن يعزف على وتر الوعي الإنساني، وأن يجعل من قضيته مرآة للعدالة في العالم، دون أن يفقد خصوصيته الوطنية. الوتر الأكثر نشازاً هو خطاب الهزيمة والاستسلام الذي يحاول أن يُجمّل الواقع بدل أن يغيّره.
*في حرب الإبادة التي تعرضت لها غزة... كيف نظرت إلى الكتابات التي ظهرت تحت القصف؟ وما قيمتها المستقبلية؟
**الكتابة تحت القصف ليست مجرّد فعل توثيق، بل هي مقاومة بالكلمة. من يكتب في لحظة الخطر يكتب بدمه لا بحبره، ولهذا فإن تلك النصوص تمثل أصدق أشكال الأدب الإنساني، ولا يحقّ لنا أن نحاكمها بأدوات النقد الصارمة، لأنها تُكتب من قلب الجرح. وهذه النصوص ستكون وثائق أدبية وتاريخية للأجيال القادمة، لأنها تسجّل نبض الواقع بلغة الحياة والموت معاً. إنها ليست مجرد أدب حرب، بل أدب بقاء وإصرار على الوجود.
* تُعدّ من أهم منظّري فن القصة القصيرة، وقد اخترت لهذا الفن مجموعة "جمل المحامل".. كيف وجدت قدرته على إيصال الهم الفلسطيني؟
**القصة القصيرة جداً فنّ دقيق يحتاج إلى مهارة استثنائية في التكثيف والإيحاء. في مجموعة "جمل المحامل" حاولت أن أُقدّم فلسطين من خلال مئة قصة تمثّل مئة زاوية في الوجدان الفلسطيني.
هذا الفنّ قادر على احتضان القضايا الكبرى، لأن المسألة ليست في حجم النص بل في طاقته الدلالية. القصة القصيرة جداً مرآة حادّة تُظهر ما وراء السطح، ولهذا استطاعت أن تلامس الجوهر الإنساني للقضية الفلسطينية، بعبارة واحدة أحياناً تختصر تاريخاً كاملاً.
* كانت روايتك "رجل المرآة" من الأعمال التي تناولت عوالم المحتلين. كيف نجحت في اختراق هذه العوالم؟
"**رجل المرآة" كانت مغامرة فكرية وإنسانية في آن واحد. حاولت فيها أن أنظر إلى المحتل من الداخل، لا من الخارج. قرأت كثيراً عن المحرقة النازية وكيف استثمرتها الحركة الصهيونية لبناء سرديتها السياسية. أردت أن أقدّم رؤية مغايرة تفضح هذا التوظيف الممنهج للألم الإنساني في تبرير الظلم.
لقد كان الهدف أن أُظهر أن الجلاد يمكن أن يكون ضحية سابقة، لكن ذلك لا يمنحه شرعية ليصبح جلاداً جديداً، وقد كانت تلك الرواية محاولة لفهم التناقض الإنساني في عمقه لا في ظاهره.
د. يوسف حطّيني
فلسطيني، ولد في دمشق عام 1963، تلقى علومه في دمشق، وتخرّج في جامعتها حاملاً شهادة الدكتوراه في النقد العربي الحديث، محاضر في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الإمارات العربية المتحدة، من كتبه الكثيرة نذكر: السرد في الرواية الفلسطينية، القصة القصيرة جداً بين النظرية والتطبيق، في سردية القصيدة الحكائية (محمود درويش نموذجاً)، دراسات في القصة القصيرة جداً، مصطلحات السرد في النقد الأدبي، بنفسجة في سحابة - قصائد قصيرة - الرواية العربية في الغرب (سبعة ألوان سردية في قوس قزح مهاجر)، الصوت والصدى (ست نوافذ على السرد العالمي)، القصيدة القصيرة جداً (جذورها تداخلاتها ـ ملامحها) يوم عادي في حياة عرفان-قصص-.

