في مقالي الأول الأسبوع الماضي، أكدتُ أن جيفري إبستين لم يكن انحراف فردي خارج السياق. في هذا الجزء، سأتناول السؤال الأكبر خطرا: كيف تمكن رجل بلا سيرة مهنية موثوقة، ولا مصدر ثروة واضح، ولا مسار تقليدي في عالم المال، أن يشق طريقه إلى قلب النخبة السياسية والمالية في الولايات المتحدة؟
صعود إبستين لم يكن نتاج نبوغ مالي استثنائي. ترك دراسته ولم يحصل على شهادة جامعية، وبعد ذلك عُيّن مدرسًا في مدرسة ثانوية خاصة في مانهاتن، بمؤهلات مشكوك فيها، وطرد منها بانتهاء السنة الدراسية. أحد طلابه السابقين تساءل لاحقًا بمرارة: «كيف حصل هذا الرجل على وظيفته؟». بعد تلك التجربة القصيرة، بدأ إبستين في اختلاق صورة “المتفوق في علم الرياضيات” — غطاء مصطنع لا كفائة علمية، صُمم بعناية لتفسير دخوله المفاجئ إلى عالم المال والنفوذ.
القفزة الحقيقية لإبستين إلى عالم المال لم تأتِ من خبرة غنية، بل من علاقة واحدة و محورية: ارتباطه بالملياردير اليهودي الموالي للحركة والفكر الصهيوني، ليزلي وكسنر. من دون وكسنر ما كان لإبستين أن يصبح الاسم الذي نعرفه اليوم. وكسنر، بنى إمبراطورية تجارية تضم علامات مثل فيكتوريا سيكريت وباث آند بودي ووركس وأبركرومبي آند فيتش. لكن الأهم من ثروته هو كيفية توظيفها: عبر منظومات خيرية معفاة من الضرائب لتنشئة نخبة يهودية موالية لدولة الاحتلال، وتعزيز النفوذ السياسي والثقافي والمؤسسي الصهيوني داخل الولايات المتحدة على المدى الطويل.
في ثمانينيات القرن الماضي، دخل إبستين دائرة وكسنر، وسرعان ما أصبح مستشاره المالي الأكثر ثقة. ما تلا ذلك يرقى إلى خرق صارخ لكل معايير العلاقة الائتمانية. فقد مُنح إبستين صلاحيات شاملة بموجب توكيل عام لإدارة ثروة وكسنر، وعقاراته، وشؤونه التجارية. عاش إبستين في قصور مملوكة لوكسنر، وأدار المكتب العائلي، رغم افتقاره شبه التام لأي سجل مهني يبرر هذا المستوى من الثقة والمسؤولية.
وخلال الفترة بين 1992 و2007، تولّى إبستين إدارة مؤسسة وكسنر، التي ضخت مئات الملايين من الدولارات في مشاريع تتمحور حول دعم دولة الكيان، من بينها «حق الولادة إسرائيل»، و«هيلل الدولية»، وزمالات قيادية صهيونية، وبرامج تدريب نخبوي في مؤسسات أمريكية مرموقة مثل كلية كينيدي في جامعة هارفارد. لم تكن هذه مبادرات خيرية بريئة، بل مشاريع مصممة لإعداد جيل من القادة السياسيين والأكاديميين والإعلاميين بعقلية "إسرائيل-أولًا". وكان إبستين جزءًا فاعلًا في بلورة هذه الأجندة وتعزيزها.
وتُعد «زمالة وكسنر الإسرائيلية» حجر الزاوية في هذا المشروع، إذ ترعى مسؤولين صهاينة في منتصف مسيرتهم المهنية للدراسة في جامعات أمريكية نخبوية. وقد استفاد منها ضباط عسكريون كبار، وعناصر استخبارات، ومستشارو سياسات، ومسؤولون حكوميون، بما في ذلك أفراد من بالمستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، اختيروا بناءً على كونهم «يهودًا صهاينة» ذوي قابلية لخدمة المصالح الصهيونية. تلقّى هؤلاء تدريبًا في الحوكمة والإدارة الاستراتيجية والسياسات العامة، بينما استغلوا وجودهم الطويل في الولايات المتحدة لبناء شبكات نفوذ دائمة مع صناع القرار والممولين والأكاديميين الأمريكيين.
وثائق ورسائل إلكترونية كُشف عنها لاحقًا أظهرت أن علاقة إبستين بوكسنر استمرت حتى بعد إدانته في عام 2008 بجرائم جنسية. هذه العلاقة - رغم إنكارها من قبل وكسنر- تواصلت رغم توجيه الاتهامات العلنية باغتصاب الأطفال. ويبدو أن وكسنر، بوصفه أحد أبرز ممولي مشروع «إسرائيل أولًا»، قدّر أن الحفاظ على إبستين أهم من أي كلفة أخلاقية أو قانونية.
لفهم أعمق لهذه العلاقة، لا بد من التوقف عند خلفية وكسنر العائلية. فوالد زوجته، يهودا كوبل، كان قائدًا في منظمة «الهاغاناه» الصهيونية المسلحة قبل عام 1948، وخدم في جهازها الاستخباري. لاحقًا، أُرسل إلى نيويورك لافتتاح مكتب لشركة طيران «العال»، التي شكّلت تاريخيًا غطاءً لأنشطة استخبارية صهيونية.
ولم يقتصر دور إبستين على إدارة المال في مؤسسة وكسنر، بل تجاوز ذلك ليؤدي وظيفة وسيط جيوسياسي غير رسمي يخدم المصالح الاستراتيجية لدولة الاحتلال. ويتجلى هذا بوضوح في علاقته الوثيقة برئيس الوزراء ووزير الدفاع الصهيوني السابق إيهود باراك. ويُرجّح أن جذور ارتباط إبستين بالاستخبارات الصهيونية تعود إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان باراك رئيسًا للاستخبارات العسكرية، ثم قائدًا للجيش. وليس من قبيل الصدفة أن يتقاطع ذلك مع صعود إبستين المالي في تلك المرحلة من حياته.
لاحقًا، خرجت علاقة إبستين وباراك إلى العلن: حيث وفّر له سكنًا في نيويورك، و دعمه ماليًا، وساعد في إبرام صفقات تتعلق بالتكنولوجيا العسكرية وأنظمة المراقبة لدولة الكيان. واستمر هذا الارتباط حتى بعد إدانة إبستين. بل إن ضابط استخبارات صهيوني و مقرّبًا من باراك أقام مرارًا في منزل إبستين بمانهاتن بين عامي 2013 و2016.
وعليه، لم يكن إبستين مجرد ممول أو مضيف لحفلات شذوذ جنسي مشبوهة، بل أداة نفوذ - دبلوماسيًا غير رسمي، وعلى الأرجح أصلًا استخباريًا- تقاطعت شبكاته مع مصالح دولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية. ومن هذا الموقع، لعب أدوارًا تتجاوز مجال رجال الأعمال: مثل توسطه في اتفاق أمني بين دولة الكيان ومنغوليا، إدارة قناة خلفية لصالح دولة الاحتلال مع وروسيا خلال الحرب السورية، وسهل تصدير تكنولوجيا للمراقبة صنعت في دولة الكيان إلى ساحل العاج.
كم من “الخبراء الماليين” المدانين بجرائم جنسية يمتلكون حرية الحركة، والتنقل عبر للقارات، وجوازات سفر أجنبية مزورة، للعمل فعليًا في خدمة دولة واحدة؟ إذا لم يكن هذا كافيًا للاشتباه في كون إبستين خدم استخبارات دولة الكيان، فما الذي يكون كافيًا إذًا؟
وكما استخدمت «العال» تاريخيًا كواجهة استخبارية، فإن تحكم إبستين في التدفقات المالية لمؤسسة ثرية ربما أدّى وظيفة مشابهة: قناة خفية لنقل الأموال تحت غطاء العمل الخيري، بعيدًا عن التدقيق والمساءلة من قبل سلطات القوانين المالية.
كانت علاقة إبستين وكسنر أعمق وأخطر من مجرد شراكة وظيفيه او خيرية. وهذا ما قد يفسر ثروة إبستين الغامضة، والحماية التي تمتّع بها لعقود رغم العلم بتجاوزات أخلاقية في الجزيرة التي امتلكها.
لكن ما لم يُفكَّك هو صعوده المفاجئ في عالم المال، وتُفحص علاقته بشبكات السايانيم الموالين لإسرائيل ( السيانم هم اليهود غير الإسرائيليين الذين يتطوعون في بلدانهم- سريا-لخدمة مصالح ومخابرات دوله الاحتلال)، حتى ذلك ستبقى قصة إبستين - وصلته بالاستخبارات الصهيونية - ناقصة أو مخفية.
في الجزء الأخير: عندما يصبح العميل عبئًا… و يضحى به

