Menu

حوار مع الأديب د. سليمان حسين

وفاء حميد

خاص - بوابة الهدف

أدباء فلسطين نهضوا من مخيم الشتات وتعلقت جذورهم فيه...

سار شعب على درب النضال وعانى شظف العيش وكدحه، رافضًا ما فرضته القوى الإمبريالية، بيد حليفتها "إسرائيل". فانبثق شعب أبي نبذ الذل والخنوعَ الذي أراده المحتل، لكن بالصمود والتحدي نهض الشعب بعزةٍ وشموخٍ.

فنهض من عاصمة الشتات (مخيم اليرموك) وكان لهم الأثر الكبير في المخيم والمشهد العام في سوريا.

أدباء ومفكرون وشعراء ومثقفون، متحدين ترسانة الاحتلال، مؤمنين بأن السلاح الذي قد يمزق الأجساد لن يصل إلى الفكر النير، ولن يكسر الأقلام التي مزقت روايته المزيفة، ودحضت زيف دولةٍ تتربص كشيطان تنثر شرها بالحديد والنار. فبقيت كلماتهم منارة نور للأجيال القادمة.

التقت الهدف بـ د. سليمان حسين أديباً ومثقفاً في حوار حول المخيم وارتدادات الحرب ومعنى الثقافة ودلالة الإبداع...

  1. كيف بدأت رحلة حياتك في المخيم بعد أن هجرت عام 1967؟

لم تبدأ رحلتي في المخيم، بل بدأت قبل ذلك بقليل، حين اكتشفنا أن البيوت يمكن أن تُحمَل على الذاكرة، وأن الأرض قد تُنتزع من تحت القدمين وتظلّ عالقة في القلب.

في عام 1967، خرجنا من الجولان كما يخرج المرء من جلده: قسرًا، ومرتبكًا، وعاريًا من اليقين. لم تكن الهجرة قرارًا، كانت انكسارًا مفاجئًا للزمن، لحظةً واحدةً انقسم فيها العمر إلى ما قبل وما بعد.

اتجهنا جنوبًا، نحو لبنان، لا لأن الجنوب كان وطنًا، بل لأنه كان اتجاه النجاة المؤقتة. هناك، عرفتُ لأول مرة معنى أن تكون ضيفًا على الأيام، وأن تعيش وأنت تعلم أن إقامتك مؤقتة حتى في قلبك. كانت الخيام تتقن فن الصبر، وكان الكبار يتقنون فن الكتمان: يكتمون الخوف، ويخفون الانكسار، ويعلّمون الأطفال أسماء القرى كأنها تعاويذ ضد النسيان.

ثم عدنا إلى غوطة دمشق. عودةٌ تشبه الوقوف على حافة الأمل: ليست رجوعًا إلى البيت، ولا استمرارًا في التيه. في الغوطة قضيت مرحلتي الابتدائية، وهناك بدأت أتعلم أن للطفولة وجهين: وجه اللعب، ووجه السؤال المبكر عن العدالة. كنت أذهب إلى المدرسة وفي حقيبتي دفاتر، وفي رأسي خريطة غير مكتملة لوطنٍ لم أره كاملًا. كانت الأشجار تثمر، لكن الذاكرة لا تهدأ.

بعدها جئنا إلى مخيم جرمانا. وهناك فهمت لأول مرة أن المخيم ليس مكانًا فقط، بل حالة وجودية. المخيم مدرسة في الاقتصاد القاسي، وفي التضامن الصامت، وفي العيش على الحد الأدنى من الأشياء والحد الأقصى من المعنى. في الأزقة الضيقة، تعلمنا أن القرب ليس ازدحامًا، بل مصيرًا مشتركًا، وأن الجدران المتلاصقة تخفف من وحشة الغياب الكبير.

ثم كان مخيم اليرموك، الذي لم يكن مخيمًا كما يتخيله الآخرون، بل مدينة من ذاكرة فلسطينية وسورية متداخلة، مدينة تحيا بالثقافة كما تحيا بالخبز. في اليرموك اكتمل وعيي: هناك أدركت أن اللجوء لا يُنهي الهوية بل يصقلها، وأن الإنسان قد يُجرَّد من الأرض، لكنه إن تمسّك بالحكاية لا يُجرَّد من المعنى. كانت الشوارع تحمل أسماء بعيدة، لكن الأصوات قريبة، وكانت المقاهي مدارس، والبيوت أرشيفًا شفهيًا لتاريخ لم يُكتب بعد.

هكذا لم تكن رحلتي انتقالًا من مكان إلى آخر، بل عبورًا دائمًا بين الفقد والتشكّل. كل محطة تركت فيَّ طبقة: من الجولان أخذت الجرح الأول، ومن جنوب لبنان تعلّمت هشاشة الأمان، ومن الغوطة تعلّمت التعايش مع المؤقت، ومن جرمانا تعلّمت معنى الجماعة، ومن اليرموك تعلّمت أن المنفى قد يتحول إلى وعي، وأن المخيم، رغم قسوته، يمكن أن يكون معملًا للكرامة.

لهذا، حين أسأل اليوم عن حياتي في المخيم، لا أجيب بسردٍ جغرافي، بل بسيرة إنسان تشكّل على حواف الخسارة، ووجد في الذاكرة بيتًا، وفي الحكاية وطنًا مؤجلًا لا يسقط بالتقادم.

 

2- ما هو شعورك عندما هجرت منه مرغماً؟

ما أكثر شيء تفيض روحك إليه، وتشعر بجمالية ذكرياته قبل دمار المخيم، وتتمنى أن يعود؟

أنا خرجت من المخيم قبل بداية الثورة السورية بثلاث سنوات كنت أعمل في التعليم في وكالة الغوث الدولية لم أحس بالخروج المرغم سافرت إلى مدينة يفترض أن تكون موضع فرج للذاهب إليها مدينة دبي التي عشت فيها ١٥ سنة عدت منها إلى إسطنبول أيضاً مدينة أحلام المهاجرين عدت اليها خالي الوفاض ثم عدت إلى دمشق. كل ذلك يشبه رحلة قسرية بالذهاب اليها وبالخروج منها.

أما ما تفيض الروح إليه، فهو ليس بيتاً بعينه، ولا شارعًا، ولا حتى وجوهاً محددة. ما أحنّ إليه هو الإيقاع الذي كان للحياة قبل دمار المخيم: بساطتها المكتظة بالمعنى. جمال العاديّ: صباحات المخيم، الأصوات المتداخلة، المدارس، الطريق القصير الذي كان يحمل عمرًا كاملاً، الإحساس بأن الفقر كان قاسيًا نعم، لكنه كان مفهومًا، قابلًا للتفسير، وكان لنا فيه مكان.

 

ما أتمنى أن يعود؟

ليس المخيم كما كان في الجغرافيا— فالجغرافيا تُهدم— بل المخيم كما كان في المعنى: المكان الذي علّمنا أن الإنسان يمكن أن يكون فقيرًا دون أن يكون مكسورًا، وأن الذاكرة قد تكون بيتًا حين لا بيت.

ذلك الشعور الخفي بأنك، مهما ابتعدت، تعرف من أنت، ومن أين جئت، ولماذا لا تزال، رغم كل شيء، قادرًا على الحنين لا بوصفه ضعفًا، بل بوصفه آخر أشكال الوفاء.

3- كنت الأديب والشاعر القلق أن تكون نسخة مكررة عن غيرك، وأن يضيع العمر بلا أثر. كيف وجدت نفسك؟ وكيف صنعت إنساناً مغايراً؟

كنتُ الأديبَ والشاعرَ القَلِق، لا لأن القلق صفة عابرة، بل لأنه كان طريقة وجود. أخاف أن أكون نسخةً مكرّرة، لا عن شاعرٍ بعينه، بل عن السائد، عن اللغة الكسولة، عن الأفكار التي تُقال لأن الجميع قالها. كان هاجسي الأكبر أن يمرّ العمر وأنا أُتقن الصدى، لا الصوت، وأن أترك نصوصًا تشبه غيرها أكثر مما تشبهني.

كيف وجدتُ نفسي؟

لم أجدها دفعةً واحدة، بل فقدتُها مراراً. كل مرة كنت أظن أنني وصلت، كنت أكتشف أنني استعرتُ نبرة غيري، أو احتميتُ بأسلوب ناجح، أو تواطأتُ مع إعجابٍ سهل. عندها كنت أعود خطوة إلى الوراء، وأجرّد لغتي من الزينة، وأضع نفسي أمام السؤال الأقسى:

لو لم يقرأني أحد، هل كنت سأكتب هذا النص؟

بدأت أجد نفسي حين توقّفت عن محاولة الإبهار، وبدأت أكتب لأفهم لا لأُصفّق. حين سمحتُ للشك أن يدخل النص، وللضعف أن يظهر، وللأسئلة أن تبقى بلا إجابات جاهزة. اكتشفت أن الأصالة لا تعني التفرد الشكلي، بل الصدق العميق: أن تقول ما تخشاه، لا ما يُنتظر منك.

وكيف صنعتُ إنسانًا مغايراً؟

لم أصنعه بالتمرّد وحده، بل بالمساءلة. راجعت أفكاري كما يراجع الشاعر قصيدته: حذفتُ ما هو موروث بلا وعي، وشكّكتُ فيما ظننته بديهيًّا، وتعلّمت أن أغيّر رأيي من غير خجل. قرأت كثيرًا، نعم، لكنني قرأت بخصومةٍ لا بتبعية، وبحوارٍ لا بتقديس. لم أبحث عن آباءٍ أدبيين أختبئ خلفهم، بل عن أسئلةٍ أضعها إلى جوارهم.

تعلّمت أن أبطّئ الزمن في داخلي. أن أعيش التجربة قبل أن أكتبها، وأن أترك للجرح وقتًا كي يتشكّل معنى لا شكوى. صنعتُ إنساني المغاير حين رفضتُ أن أكون كاملًا؛ قبلتُ التناقض، وسمحتُ للهامشي أن يتكلم، وللصمت أن يكون جزءًا من النص.

ثم فهمت متأخراً:

أن الأثر لا يُصنع بالضجيج، بل بالاستمرارية النزيهة. أن تكتب نصًا واحدًا صادقًا خيرٌ من عشرات النصوص المصقولة الفارغة. وأن العمر لا يضيع حين لا نُشبه غيرنا، بل يضيع حين نخون صوتنا خوفًا من العزلة.

هكذا لم أجد نفسي خارج الآخرين، بل تميّزتُ في الطريقة التي واجهتُ بها نفسي.

4- قلت إن الثقافة هي الأداة التي تبقي الإنسان حياً حين تغلق كل الأبواب، وإنك مع مرور السنوات أصبحت أكثر حكمة وهدوءاً، هل ينطبق هذا على كل قارئ في رأيك؟

سؤالُك عميق لأنه لا يبحث عن فضيلةٍ جاهزة، بل عن حدودها.

لا، لا ينطبق ذلك على كل قارئ.

الثقافة ليست دواءً يعمل بالجرعة نفسها عند الجميع، ولا القراءة طريقاً مضموناً إلى الحكمة أو الهدوء. كثيرون يقرؤون كثيراً، ويزدادون حدّة، أو تعالياً، أو تشوّشاً. والفرق لا تصنعه الكتب بقدر ما تصنعه طريقة اللقاء بها.

الثقافة تُبقي الإنسان حيّاً حين تُغلَق الأبواب، نعم، لكنها تفعل ذلك فقط لمن دخلها بحثاً عن معنى، لا عن تفوّق. القارئ الذي يقرأ ليبرّر ذاته، أو ليهزم الآخرين في الجدل، غالبًاً ما تزوّده الثقافة بأدوات أشدّ قسوة، لا بحكمة. أما من يقرأ ليُراجع نفسه، فالثقافة تصبح له ملجأً لا سلاحًا.

الحكمة والهدوء لا يأتيان من تراكم المعرفة، بل من تمثلها.

هناك من يقرأ عشرات الكتب ولا يغيّر فكرة واحدة في حياته، وهناك من يقرأ كتاباً واحدا في اللحظة المناسبة، فيُعاد ترتيب داخله كله. القراءة التي تُثمر هي تلك التي تترك أثراً في السلوك، لا في الذاكرة فقط.

لهذا أقول:

الثقافة قادرة أن تُبقي الإنسان حيًّا حين تُغلَق الأبواب، لكنها قد تُبقيه أيضًا أسيرًا في غرفة أفكاره إن لم يفتح نافذة على ذاته.

5- أنت ابن مخيم اليرموك بعد هجرتك والعودة ماذا شكل لك المخيم؟

المخيم، بعد الهجرة والعودة، لم يعد مكانا يمكن أن أعرّفه بالجغرافيا.

لقد خرج من كونه حيّاً، أو مدينة، أو ذاكرة مكتملة، وصار حالة وجودية أكثر منها موقعاً على الخريطة.

ماذا شكّل لي المخيم؟

في البدء، شكّلني بوصفه مكانًا للتماسك القاسي: هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن يعيش بلا امتيازات، لكن لا ينبغي أن يعيش بلا معنى. اليرموك لم يكن مجرد مخيم؛ كان مختبراً للكرامة اليومية، حيث الفقر لم يكن عيباً، والعوز لم يكن مهانة، والانتماء لم يكن شعاراً بل ممارسة صامتة.

بعد الهجرة، صار المخيم مرآة متأخرة. لم أكتشف أثره الحقيقي إلا حين ابتعدت. المدن التي عشت فيها لاحقاً علّمتني أشياء كثيرة، لكنها لم تعلّمني كيف أكون متجذّراً في العطب. المخيم فعل ذلك. علّمني أن الهوية ليست اكتمالاً، بل مقاومة دائمة للتلاشي.

ثم عدت

ووجدت أن المخيم صار دماراً كاملاً.

وهنا حدث التحوّل الأصعب:

لم يعد المخيم ذاكرة يمكن استعادتها، بل فقداً مضاعفاً. فقد المكان، وفقد إمكانية الحنين البريء. حين يُدمَّر المخيم، لا يُدمَّر الحجر فقط، بل تُمحى فكرة «الملاذ المؤقت». يُنتزع منك حتى الحق في أن تقول: هنا كنّا.

اليوم، المخيم شكّلني بوصفه جرحاً نهائيّاً.

لم يعد نقطة بداية، ولا محطة عبور، بل شاهداً على أن المؤقت يمكن أن يُباد بالكامل. اليرموك المدمَّر علّمني أن العالم لا يكتفي بتهجير الإنسان مرة واحدة؛ قد يعود ليُهجّره من ذاكرته أيضاً.

ومع ذلك— وهذا ما يؤلم أكثر مما يواسي— المخيم لم يمت داخلي.

صار لغة، وصار معياراً أخلاقيّاً، وصار حساسية خاصة تجاه الظلم، وتجاه الادّعاء، وتجاه الخطابات الكبيرة التي لا ترى الإنسان الفرد. لم يعد مكاناً أعود إليه، بل مكاناً أعود به في كل فكرة، وفي كل موقف، وفي كل رفضٍ للتزييف.

حين أقول اليوم: أنا ابن اليرموك،

لا أعني أن لي بيتاً هناك،

بل أن لي جذوراً في الخراب،

وذاكرة تعرف أن الدمار الكامل لا يُنهي الحكاية،

لكنه يجعلها أكثر صدقاً، وأشدّ قسوة، وأقلّ قابلية للكذب.

المخيم دُمِّر، نعم.

لكن ما شكّله فيَّ— ذلك الإحساس العميق بأن الإنسان أكبر من المكان حين يفقده— لم يُدمَّر.

وهذه، ربما، آخر أشكال الانتصار الممكنة.