ما تقوم به وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في دوائرها، وبرامجها، وتحديدا في مدارس اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس لم يكن حدثاً عابراً، ولم يكن مصادفةً ، إنما هو عملٌ ممنهجٌ ابتزازي وامتداد لسياسة الأونروا للحيلولة دون "فلسطنة" المناهج - الذي كانت محاولاته الأولى في ثمانينات القرن الماضي- تقوده الدوائر المختصة في الولايات المتحدة الأمريكية والواقعة تحت ضغط وتأثير اللوبي الصهيوني هناك، والضحية تبقى دائماً أبناء اللاجئين الفلسطينيين والقضية الفلسطينية التي تواجه هجمات شرسة متعددة الأوجه والأساليب، ومخططاتٍ تأتي من كل حدب وصوب ؛ خدمة للمشروع الصهيوني الرامي إلى تصفية قضية فلسطين تاريخاً وأرضاً وشعباً وثقافةً وعلماً.
إن ما يدور في دوائر وبرامج الأونروا من إجراءات تتعلق بحذف فلسطين الكلمة والخارطة ، وتعديل المناهج وتكييفها وفق المنظور الصهيوني، وإعادة هيكلة البناء التنظيمي لبرامج التربية والتعليم ، وتقليص كافة خدماتها بذريعة نقص أو إيقاف التمويل الدولي ، وتخفيض الرواتب ، واتخاذ إجراءات صارمة بحق الموظفين الفلسطينيين تتعلق بما تسميه " الحيادية والاستقلالية وعدم التحيز" ،والذي بدأ منذ أكثر من عقدين من الزمن، إلى أن وصل الأمر إلى حد تزوير التاريخ وتجاوز قرارات الأمم المتحدة والوقائع التاريخية التي تثبت وجود فلسطين الأرض كحقٍ تاريخي للشعب الفلسطيني و كوطنٍ تم غزوه من قبل العصابات الصهيونية المدعومة من قبل الانتداب البريطاني آنذاك تنفيذاً لوعد بلفور المشؤوم عام ١٩١٧، وتمكينهم من ارتكاب المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين وإرغامهم على ترك أراضيهم وممتلكاتهم، والتشرد إلى دول الجوار، لتبدأ مأساة العصر حينذاك بما عُرف بنكبة فلسطين عام ١٩٤٨، و بعدها اسناد الدور إلى وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ؛ لتقديم خدماتها الإنسانية للاجئين في المجال التعليمي والصحي والاجتماعي والاغاثي، بحسب تفويض القرار الذي يحمل الرقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٩.
من حق المرء أن يتساءل هنا ، لماذا هذه الإجراءات ، ولصالح من؟ وما الهدف من هذا التدخل السياسي للأونروا في مسلّمات القضية الفلسطينية الأرض والتاريخ ؟ وهل تحتاج إدارة الأونروا إلى أدلةً وبراهين تاريخية لإثبات حق الفلسطيني في أرضه ووطنه فلسطين؟ أليس من حق مناهجنا أن تتضمن اعتزازاً بوطننا فلسطين؟ أليس من حق طلابنا التعرّف على خارطة وطنهم والمسميات الوطنية والتاريخية الخاصة بوطنهم فلسطين؟ ولماذا هذا التغيير في دور الأونروا؛ من دورٍ إنساني إلى دورٍ سياسي يخدم الأجندة الإسرائيلية ومشروعها الصهيوني؟
لقد أرادوا من خلال إنشاء وكالة الأونروا أن يجعلوا من الشعب الفلسطيني "طوابيراً" تصطف أمام مكاتب الأونروا ومستودعاتها لتلقي بما عُرف "بالإعاشة" ، وأن يتحولوا من شعبٍ ينشد العودة إلى وطنه إلى مجرد مجموعاتٍ من الجياع تنتظر كيس الطحين وفتات المؤن. وأرادوا من الفلسطينيين القبول بقدرهم بالتشرد ، وما عليهم إلا الاندماج بالدول التي يقطنوها (التوطين) ، أو التهجير القسري الى المنافي البعيدة كما تفعل قوات الاحتلال في هذه الآونة. لقد راعهم هذا التحول الذي قام به الشعب الفلسطيني ، والذي جعل من الكارثة والنكبة تحدياً ، وخلق من المحنة والمأساة أملاً بالعودة إلى وطنه فلسطين، وأطلق من طوابير الذل والهوان اصطفافاً وطنياً ثورياً رسم خطوط العودة إلى الوطن، وحوّل مدارس ومعاهد الأونروا إلى أكاديميات متميزة خرّجت عقولاً وأدمغةً أناروا البشرية بعلمهم ، فكان منهم القادة والعلماء والأطباء والمهندسين والمحامين ورجال الأعمال وقادة التربية والاختصاصات المختلفة ، وقدموا إنجازات علمية و إنسانية تفخر بها البشرية جمعاء، وأصبح الشعب الفلسطيني محط أنظار الشعوب لصموده وثباته وإسهاماته الحضارية في مواجهة آلة التهميش والتزوير ومحو الهوية الوطنية.
إن محو وحذف كلمة فلسطين وخارطتها من المناهج الفلسطينية أو مناهج الدول المضيفة ، إضافة إلى تلك الإجراءات الأخرى التي سعت من خلالها فرض "قيم ومبادئ" تتعلق بالتسامح وحل النزاعات وحل المشكلات والتحيّز وحقوق الإنسان ، بما تتوافق مع الأجندة الصهيونية والأمريكية ، وبسعيهم الحثيث لغسل أدمغة أطفالنا للقبول بواقع الاحتلال والتسامح والتصالح معه، ونسيان الحق التاريخي في الوطن والأرض ؛ إنما يحمل دلالات عديدة أبرزها تخلي الأونروا عن دورها الإغاثي والإنمائي، وتحويله إلى دور إنعاشي للحلم الصهيوني بتزوير التاريخ وتشويه الحقائق التاريخية الخاصة بالشعب الفلسطيني وتجهيل أجيالنا ؛ بمحو ذاكرته الوطنية وتصفية قضيته ،
وبث افتراءات وتزييفات لا تمت للواقع ولا للتاريخ بصلة. إنه أيضا سعي إدارة الوكالة والمتنفذين فيها للحصول على شهادة حسن سلوك من أجل استمرار تدفق الأموال عليهم وعدم فقدان وظائفهم ومكانتهم. كذلك هو محاولة اللوبي الصهيوني في إدارة الأونروا دفعها نحو التملص من دورها الإنساني القانوني كونها الشاهد الوحيد على نكبة فلسطين وتشريد اللاجئين، وبالتالي الانقضاض على حق العودة للاجئين الفلسطينيين ؛ هذا الحق الذي لا يمكن أن يسقط بالتقادم أو بالمساومة. ومن الدلالات أيضا، محاولة تفريغ التعليم من أبعاده الوطنية والتأثير على الوعي الوطني للأجيال وتكريس "قيم ومبادئ" لا تمت بصلة إلى الانتماء الوطني ، وإلى الثقافة الوطنية والتراث الفلسطيني بما تسميه الأونروا، تحت عناوين "الحيادية والاستقلالية وعدم التحيز". ولابد من التذكير هنا بما جاءت به وفرضته وصرفت عليه مئات ملايين الدولارات المديرة العامة لدائرة التربية والتعليم في الأونروا آنذاك د. كارولاين بونتيفراكت من برامج مشبوهة وهيكلية تنظيمية تحمل هذا التوجه. إن ما تقوم به الأونروا يمثل خرقا لكافة المواثيق الدولية، ولمواد القانون الإنساني الدولي ، والتي أكدت على حماية ثقافة وتراث وهوية البلد الذي يقع تحت الاحتلال دون تزييف أو تحريف ، أو اتباع الهيئات والمنظمات الدولية لسياسة الإذعان والرضوخ للمحتل وإملاءاته.
إنما تقوم به وكالة الأونروا من الإجراءات السابقة الذكر، شجعت الاحتلال الصهيوني على تنفيذ مخططاته بشكل آخر أيضا ؛ من خلال هدم المباني التي تشغلها وكالة الأونروا في القدس وإخلاء مقراتها، ؛ محاولةً منه لاجتثاث الأونروا من جذورها هيكليةً وبناءً وخدمات ، والقضاء على رمزية، وجودها ، وتوجيه طعنة جديدة إلى دور الأمم المتحدة ومنظماتها ،هذا الدور الذي كفلتة كافة المواثيق الدولية غير آبهةٍ بالمجتمع الدولي.
إن الأونروا ذاتها مُطالبةٌ اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتمسك بقيم الحيادية والاستقلالية وعدم التحيّز إلى الجانب الإسرائيلي، هذه القيم الحقيقية التي لا تجعل من الأونروا القناة المسمومة التي ينفث الاحتلال سمومه من خلالها وينفذ أيدولوجيته. وإن كنا نقدر عالياً خدمات الأونروا الجليلة التي قدمتها خلال العقود السبعة الأخيرة، وصمودها أمام محركات الضغط والابتزاز الأمريكية والإسرائيلية والغربية لتقويض وانهاء خدماتها؛ إلا أن ما تقوم به الأونروا في هذه الآونة يمثل انتهاكاً صارخاً وصريحاً للقرار ٣٠٢ الذي فُوّضت الأونروا بموجبه القيام بمهامها في تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين ، ولقرار التقسيم رقم ١٨١ الصادر عام ١٩٤٧عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يعترف بوجود دولة وحكومة فلسطين وأصبح تاريخ إصداره في ٢٩ نوفمبر من كل عام ذكرى سنوية للتضامن مع الشعب الفلسطيني ، و كذلك للقرار١٩٤ الذي أصدرته الأمم المتحدة والذي يُعتبر اساساً لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين.
ألا تُذكّر هذه القرارات، أن هناك شعب فلسطيني كان يعيش فوق أرضه فلسطين؟ أم أن هذا الشعب كان يعيش في كوكبِ آخر، لا تعيش فيه الأونروا؟
إن محو كلمة فلسطين أو خارطتها من المناهج التعليمية ، وإجراءات الأونروا الأخرى التي تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين ومحورها حق العودة ، لن تستطيع أن تمحو التاريخ من ذاكرة الشعوب والأمم الحيّة ومن ذاكرة و وجدان أطفالنا وأجيالنا القادمة، كما لم تُمحى من قبل من أذهان ووجدان آبائنا وأجدادنا. ولن تنجح بكم الأفواه لمعلمينا ولن تستطيع تجفيف منابع الانتماء والوطنية لطلابنا.
ان فلسطين باقيةٌ ما بقي الزيتون والليمون ، إنها لقمتنا وعيشنا، والهواء الذي نتنفسه ، إنه الدم الذي يجري في عروقنا. إن فلسطين في القلب النابض أملاً بالعودة. إنها نور العيون التي نرى من خلالها حياتنا القادمة ومستقبل. أجيالنا، إنها برتقال يافا ، وسور عكا و صفد الجرمق واللطرون ، وعنب الخليل وموز أريحا، وبحر غزة الهائج ، إنها قبة الصخرة وكنيسة القيامة والمسجد الأقصى. إنها في كل مخيمات الشتات وجنين وبلاطة والشاطىء والمغازي. إنها في حليب الأمهات لأطفالهن. إنها في أنات وتنهدات جرحانا البواسل. إنها في وصايا شهدائنا الأبرار.إنها في الخيام المتهالكة في غزة، وأنقاض البيوت المدمرة في الضفة. إنها في صرخة الأسرى في وجه جلاديهم الجبناء، إنها حياة شعبنا.
أمام هذا التخلي للأونروا عن دورها الأساسي المناط بها، وأمام هذا الانحياز الخطير للاحتلال، والذي تصادف مع التحريض الممنهج للإعلام الصهيوني على المناهج الفلسطينية في القدس من خلال اعتراض قنواتهم العبرية عندما تناولوا- على سبيل المثال وليس الحصر- ما تضمنه كتاب اللغة العربية للصف السابع من صورة للقدس وصورة أخرى تتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، وعلم فلسطين على غلاف الكتاب ؛ فإن السلطة الفلسطينية وكافة القوى والفصائل والاتحادات والنقابات والمنظمات الأهلية مطالبون اليوم باتخاذ الإجراءات اللازمة كل في موقعه لمواجهة هذا الانحياز وهذا التحول الخطير نحو إبادة التعليم ، والإسراع في إطلاق حملة بعنوان "دعم التعليم الفلسطيني" في مواجهة مخططات التحريف والتزييف والتزوير والحذف للمسميات الوطنية وعلى رأسها فلسطين.

