Menu

النفط كسلاح جيوسياسي: صراع الطاقة وإعادة تشكيل النظام الدولي

عصام اليماني

بوابة الهدف

لم يعد النفط مجرد مورد طبيعي يُستخرج لتشغيل المصانع وتحريك وسائل النقل، بل تحوّل في العقود الأخيرة إلى أحد أخطر أدوات القوة في النظام الدولي المعاصر. فالدول التي تمتلك فائض الإنتاج أو تتحكم بممرات التصدير لا تتعامل مع النفط بمنطق السوق وحده، بل بوصفه أداة نفوذ سياسي واستراتيجي تُستخدم للضغط، والعقاب، وإعادة رسم التحالفات، وفرض الوقائع.

مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وما أحدثته الحرب الروسية–الأوكرانية من زلزال في أسواق الطاقة العالمية، بات من الضروري مقاربة ملف النفط بعيدًا عن اللغة الإنشائية السائدة، والإقتراب منه بوصفه معادلة أرقام وجغرافيا ومصالح قومية، لا مجرد صراع شعارات.

تشير خريطة الإنتاج النفطي العالمي إلى أن الولايات المتحدة تتصدر الإنتاج بنحو 12.5 مليون برميل يوميًا، تليها روسيا بنحو 10.5 مليون برميل، ثم السعودية بحوالي 11 مليون برميل يوميًا. كما تبرز كندا (نحو 5.8 ملايين)، العراق (4.5 ملايين)، الصين (4.3 ملايين)، إيران (نحو 3.2 ملايين تحت وطأة العقوبات)، والبرازيل (3.4 ملايين) ضمن كبار المنتجين.

في المقابل، تكشف خريطة الاستهلاك حجم هشاشة الدول الصناعية الكبرى. فالولايات المتحدة تستهلك قرابة 20 مليون برميل يوميًا، الصين نحو 15–16 مليونًا، أوروبا حوالي 14–15 مليونًا، الهند قرابة 5.5 ملايين، واليابان أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا. هذه الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تجعل أمن الطاقة مسألة سيادية بامتياز.

اللافت أن روسيا تُعد الدولة الصناعية الكبرى الوحيدة التي لا تعتمد على استيراد النفط، بل تصدر فائض إنتاجها، وتعتمد داخليًا بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي. هذه الميزة تمنح موسكو هامش مناورة استراتيجيًا، لكنها لا تعني سيطرة مطلقة على السوق العالمي، إذ يبقى النفط سلعة محكومة بتوازنات العرض والطلب والتقاطعات السياسية.

الفارق الجوهري بين روسيا والولايات المتحدة من جهة، وبين الصين وأوروبا واليابان من جهة أخرى، يكمن في طرق نقل الطاقة. فروسيا والولايات المتحدة تعتمد كلتاهما بدرجة كبيرة على شبكات الأنابيب البرية، بينما تعتمد الصين وأوروبا واليابان على النقل البحري، ما يجعلها رهينة لأمن المضائق البحرية.

تمر النسبة الأكبر من تجارة النفط العالمية عبر مضائق استراتيجية تخضع بدرجات متفاوتة للنفوذ العسكري الأمريكي، أبرزها مضيق هرمز (أكثر من 20 مليون برميل يوميًا)، مضيق ملقا (نحو 16 مليونًا)، وباب المندب (نحو 6 ملايين). هذا الواقع يمنح واشنطن قدرة غير مباشرة على الضغط على خصومها الاقتصاديين متى اقتضت الحاجة.

إدراك الصين لهذه الثغرة الاستراتيجية دفعها إلى اتباع سياسة مزدوجة: تسريع التحول نحو الطاقة البديلة، ولا سيما النووية والشمسية، والتوسع في إنتاج السيارات الكهربائية، وفي الوقت نفسه تعزيز الاعتماد على النفط الروسي عبر الأنابيب. وفي هذا السياق، يمكن فهم التريث الصيني في الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة حول تايوان، لما قد يترتب عليها من حصار بحري خانق.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على تقليص الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع الصين، ونقل سلاسل التوريد إلى دول مثل المكسيك وفيتنام، وفرض قيود جمركية وتجارية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد ترتد سلبًا على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

أما أوروبا، فتبدو الخاسر الأكبر من الحرب الروسية–الأوكرانية. فقد استغنت عن الطاقة الروسية الأرخص، واستبدلتها بإمدادات أعلى كلفة من الولايات المتحدة عبر النقل البحري، ما فاقم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وفتح الباب أمام تبعية سياسية متزايدة لواشنطن، في وقت تتراجع فيه القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.

في المقابل، تعتمد دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، سياسة الحياد النفطي، وتسعى إلى الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية، نظرًا لاعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على صادرات النفط، وارتباطها بعقود طويلة الأجل مع الصين والدول الآسيوية. وأي اضطراب واسع في أمن الممرات البحرية سيجعل هذه الدول من بين الأكثر تضررًا.

ولا يمكن فصل الصراع على الطاقة في المنطقة عن ما يجري في فلسطين، وتحديدًا في قطاع غزة. فقبالة شواطئ غزة يقع حقل الغاز البحري المعروف بـ«غزة مارين»، الذي اكتُشف مطلع الألفية، وتُقدَّر احتياطاته بنحو تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهو كفيل – لو أُتيح للفلسطينيين استثماره – بتغطية حاجات الاقتصاد الفلسطيني لعقود، وتوفير مصدر سيادي مستقل للطاقة.

غير أن هذا المورد ظل خاضعًا لمنطق القوة والاحتلال، إذ مُنع الفلسطينيون من تطويره بفعل السيطرة الإسرائيلية البحرية والأمنية، وتحول الغاز الفلسطيني إلى أحد الأسباب غير المعلنة لاستمرار الحصار على غزة. فإسرائيل لا تنظر إلى غزة بوصفها عبئًا أمنيًا فحسب، بل بوصفها مساحة جغرافية غنية بالطاقة يجب إبقاؤها خارج أي سيادة فلسطينية مستقلة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الحروب المتكررة على غزة عن معادلات الطاقة في شرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح إسرائيل مع الشركات الغربية الكبرى، ومع سعي أوروبا إلى إيجاد بدائل عن الغاز الروسي. إن حرمان الفلسطينيين من ثروتهم الطبيعية ليس تفصيلًا اقتصاديًا، بل جزء لا يتجزأ من مشروع السيطرة، وإعادة توزيع الثروة والطاقة في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني

. خلاصة القول إن النفط لم يعد مجرد سلعة تُباع وتُشترى في الأسواق العالمية، بل تحوّل إلى سلاح جيوسياسي صامت يُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى وفرض الإرادات السياسية. ومن دون فهم هذا الدور المحوري للطاقة، يستحيل فهم طبيعة الصراعات الدولية الراهنة أو استشراف مساراتها المستقبلية.