Menu

وثيقة الاستراتيجية الأمريكية المصالح لا المبادئ ‘‘لازمة ترمب’’

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

 

‘‘موجز القوة’’!

بين الأولويات الأمريكية المتجددة بالإضافة ما كانت تعمل عليها طيلة فترة استغلال نهاية الحرب الباردة، وظهورها كقوة مهيمنة، وقادرة على فرض العقوبات لكل من يخالفها أو يقف في طريقها، تتجه السياسة الأمريكية اليوم لتعزيز مفهوم الأمن القومي الأمريكي NSS 2025، وتدعيم فكرة «أمريكا أولاً» (America First) ومفاده، التركيز على المصالح الأمريكية بشكل مباشر، ودعم الاستقرار في الشرق الأوسط والعمل على تهدئة الخلافات والاختلافات، وربطه بالمصالح الأمريكية التي ترى – عملية السلام أو مشاريع التنمية - فيه ليس مرتبطا بالقيم بقدر ما هو ملحق بالمصالح الأمريكية المباشرة، وضرورة توفير الأمن لطرق الإمدادات، واستقرار السوق العالمية، وحماية الاستثمارات الأمريكية.

 

الوثيقة صدرت الخميس 4 كانون الأول/ديسمبر 2025، ممتدة على 29 صفحة؛ والهدف، إعادة إنتاج مرتكزات صغرى، ولكنها مفصلية أكدت عليها استراتيجيات سابقة؛ متبوعة بمخاوف وهواجس خطيرة، راهن الحال يقول أن الولايات المتحدة قسّمت العالم على الأقل إلى خمسة أقسام، وبالتالي فإن العمل، أو الواجب القيام به وعلى وجه السرعة، لطبيعة كل قسم على حدة، بالرغم من التشابك والتعقيد، وزيادة الحركة الرافضة للهيمنة الأمريكية .

 

وبالنظر إلى الأقسام أو المناطق، وإلى المبادئ والأوليات، واستقرارها أي الاستراتيجية على خمس مناطق، تعتبر نقلة نوعية تضرب المفهوم التقليدي – أوروبا والولايات المتحدة – كواجهة الغرب، وهذه المناطق جاءت حسب المصالح لا المبادئ أي أن نصف الكرة الغربي، الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، آسيا وأوروبا، والشرق الأوسط وأفريقيا؛ ولأن الولايات المتحدة نموذج حديث غير موغل بالتاريخ؛ وجب عليها إحياء لما يسمى‘‘ عقيدة مونرو’’ الشهيرة، وتعود إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو سنة 1823، وتحظر على أوروبا، صراحة وليس تلميحا، التدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية، لأن هذه المنطقة مجال حيوي أمريكي .

 

المكتوب يعرف من عنوانه، لأن المنطق البسيط يفترض الانطلاق من التفصيل، وبالتالي فإن قرابة 400 كلمة كتبها دونالد ترامب على سبيل تقديم الوثيقة كضامن لأن تبقى الولايات المتحدة الأمة الأعظم والأرفع، والقوة التي لا تقهر، وبيت الحرية على الأرض، وأشد جبروتا من أي وقت مضى. في هذه الجزئية الأخيرة تكمن الوثيقة التي على عاتقها تنفيذ ما سبق، وإلا فأن المخطط له لن يجدي نفعا إذا ما سار والقوة العسكرية وزيادة القواعد في العالم .

 

تكمن الوثيقة في قاعدتين أساسيتين، الإدراج بمعنى التطويع والتجنيد، ثم التوسع حتى إذا لزم الأمر التدخل العسكري المباشر ( السينتكوم )، بالتوازي طبعا مع آليات الترغيب والترهيب، مع التأكيد للأمم الأخرى ضرورة رؤية الولايات المتحدة الشريك الوحيد، والعمل أيضا على عدم التعاون مع الدول المنافسة كالصين وروسيا وبعض الدول في أمريكا اللاتينية .

 

ما يهمنا نحن سكان الشرق الأوسط، والذي جاء باسم المنطقة الرابعة، حسب الوثيقة، حيث لا توفّر الاستراتيجية الجديدة انتقاد، وأحيانا تبخيس وتسخيف ركائز استراتيجيات الولايات المتحدة على امتداد خمسة عقود ما قبل ترامب، بمعنى أنها تستذكر معطيات الطاقة، والمنطقة بوصفها ميدان تصارع القوى العظمى، والأزمات الإقليمية التي هددت بالانتقال إلى الجوار والعالم، اثنتان على الأقل من أولويات الشرق الأوسط تبدلت في الحسابات الأمريكية، فلا الطاقة باتت حكرا هناك، خاصة وأن أمريكا اليوم منتجة ومصدرة، ولا أنساق نفوذ القوى العظمى بقي على حاله، وقد انقلب إلى مناورات للولايات المتحدة اليد العليا فيها، يعود ذلك لترامب، وأما إيران، قوة زعزعة الاستقرار الرئيسية، فقد أضعفتها الضربات الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، وكذلك عملية ‘‘مطرقة منتصف الليل’’ التي أمر بها ترامب في حزيران الماضي .

 

الوثيقة وما فيها من جهد كتابي، تبعث على الاشمئزاز، إذ تؤكد الوثيقة بإلحاق العالم والرؤية الأمريكية، بغض النظر عن التحولات الاستراتيجية الدولية وبروز دول تتحدى الولايات المتحدة في وضح النهار فنزويلا وكولومبيا الذي هدد رئيسها غوستافو بيترو بقوله: لا توقظوا النمر؛ بلغة حادة وجادة، واستعداد كركاس للمواجهة وإلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة إذا تجرأت وأقدمت على العدوان أو ما شابه ذلك .. وفي الوثيقة أيضا هناك إخفاقات أمريكية لم يتم ذكرها كالأزمة الروسية الأوكرانية، بل اكتفت باللوم على الإدارة السابقة وتحميلها المسؤولية الكاملة، وثيقة كهذه لا تستحق أن تلحق بالاستراتيجية لعدة أسباب وأهمها عدم قراءة المزاج الدولي، وغياب الإبادة الجماعية التي ترتكبها ما يسمى دولة الكيان الصهيوني بحق سكان قطاع غزة والضفة الغربية والاعتداءات اليومية على لبنان وسوريا، والتهديد المتواصل لإيران.

 

تغليب المصالح على المبادئ، خطأ كارثي وعدم فهم ودراية بطبيعة المبادئ التي من وجهة نظر أصحابها ومعذبيها بأنها لا تتجزأ، ولا يمكن استبدالها بالمصالح الاقتصادية مقابل السيادة والاستقرار، فكان على الولايات المتحدة أن تقرأ جيدا طبيعة وحساسية المنطقة، وهنا أشير بالطبع للقضية الفلسطينية التي قد تكون غائبة أو مغيبة نوعا ما، والاكتفاء فقط بما تراه إسرائيل مناسبا، بالرغم من فشل السلام الإبراهيمي المزمع قيامه وخطة التطبيع العربية – الإسرائيلية.

 

إصرار الولايات المتحدة الأمريكية وثباتها الدغمائي، حول كيفية تأمين الهيمنة والغطرسة، وتشدق رئيسها الحالي بالقوة العسكرية التي ربما تتسع مع قدوم العام الجديد، على خلفية التهديدات والمخاوف في القواعد العسكرية المنتشرة في العالم مع العلم أن واشنطن قامت بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى الحرب، لأن ما وراء الأكمة ما وراءها .

 

تسعى واشنطن من خلال التقارب مع روسيا، والضغط على القارة الأوروبية لتقوم بدورها، الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتقديم التنازلات لروسيا ووقف إطلاق النار ( الحرب )، لتجد قدم بين روسيا والصين، وفي حالة كسب الروس لصالحهم تستطيع واشنطن تنفيذ سياساتها الخفية والإضرار بالاقتصاد الصيني الذي يسير بسرعة البرق.

 

أعتقد أن واشنطن فقدت البوصلة في تعزيز تفردها بقيادة العالم، وبالتالي فإن الأزمة الروسية – الأوكرانية أزمة قد تطيح بالعمق الأوروبي الأصلي للولايات المتحدة وبالتالي فأن واشنطن مضطرة على المدى القريب أن تسعى لتهدئة الأوضاع وربما تعمل على قيام انقلاب في أوكرانيا حتى يهدأ الدب الروسي ويوقف تمدده، على الأقل فترة الثلاث سنوات المتبقية للرئيس الأمريكي ترمب .

 

لا تتوقف الانتقادات الأمريكية اللاذعة لدول أوروبا، وكيفية الاتكال على الولايات المتحدة ( عسكريا ) والتغافل عن الأطماع الروسية، والتركيز على الليبرالية الأوروبية، وكيفية ضياع الهيمنة على أغلبية الدول الأفريقية، ورفضها أي الأخيرة سياسة الوصاية والحماية، ما يؤشر إلى الضعف في البنية السياسية والعسكرية الأوروبية، وبالتالي فأن الولايات المتحدة رفعت يدها لجهة دفع القسم الأكبر لحلف الناتو مقابل ضعف المدفوعات الأوروبية ، وعلى دول أوروبا أن ترفع ميزانياتها العسكرية وتتحمل مسؤولياتها المستقبلية ولاسيما الحرب الروسية الأوكرانية التي تهدد الشرق الأوروبي .

 

الوثيقة الأمريكية واضحة المعالم ولا تحتاج للتدقيق والتمحيص، فهي مباشرة وفيها تظهر ‘‘لازمة ترمب’’ وضرورة إخضاع العالم لرغباته، وترتيب الأعداء كل حسب قوته ونفوذه وتحالفاته، إذ لا تبعد كثيرا عن الفهم، ولا تحتاج إلى صيغ ومسوغات، تتحدث عن نفسها، وأزماتها المتراكمة مع العالم الذي لا تحترم فيه إلا من تجد معه المصالح والصفقات.

 

واشنطن بالأونة الأخيرة بدت وكأنها دولة الكذب الفاضح، ناهيك عن الأزمات والتحولات العامودية والأفقية، في الوقت الذي تتجه دول العالم إلى الصدق ومصالحة شعوبها وإخباره بالأطماع الأمريكية وشحذ الهمم للمواجهة المصيرية، تبدو واشنطن مضطرة لإصدار هذه الوثيقة كمناورة بالمقام الأول بأنها لا تزال الدولة الأقوى والأعظم وبالتالي الإعلان على هذه الوثيقة بمثابة تذكير وتحذير وتثبيت، الصورة الذهنية للعالم أن واشنطن لا تزال تتربع على القمة.

 

  • الملحوظ من التحول المفاجئ عن المبادئ إلى المصالح، قد يعكس السياسات فما كان عدوا بالأمس يصبح صديق، وماكان صديقا يتحول إلى عدو إذا لم يتوفر لديه ما يربطه بالمصالح، تغيير بنيوي في السياسات الدولية، قد يترتب على ذلك محاذير ومخاطر، وبالتالي فإن رسم السياسات المستقبلية أصابها هزة «تكتونية» كبيرة لأن سياسة المصالح الاقتصادية لا تنظر إلى الإيديولوجيات كحال الإعجاب الأمريكي بالقيادة السورية الحالية كمثال واضح وبالتالي فإن نجاح العلاقات الاقتصادية يجب أن ترتكز على فهم واحترام رغبة الشعوب بالازدهار والاستقلال وعدم الاستغناء عن الهوية الوطنية.

 

أعتقد أن الوثيقة الأمريكية ‘‘موجز القوة’’ وإعلانها كاستراتيجية خطأ فادح، لأنها تجيب عن حالة التخبط والذعر من القوى الصاعدة، الدول الرشيدة تفكر بعيداً عن الكاميرات والبيانات والوثائق، وقريباً من الغد. الولايات المتحدة، التي وصفها وزير خارجية ألمانيا، يوشكا فيشر، ذات مرة بأنها "تعيد أخطاء الماضي بشكل مأساوي". ومكر التاريخ لا يبعد كثيرا عنها .