Menu

إشكاليّات النّهوض العربي الرّاهن (1-3)

د. سامي الشيخ محمد

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

 

  • مقدّمة:

تستهدف هذهِ الدّراسة تشخيص الواقع العربيّ بجوانبهِ المختلفة ووضع الحلول الملائمة للمشكلات المزمنة الّتي يُعاني منها. فثمّة حقائق تتعلّق بتخلّف العرب عن الالتحاق والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانيّة المعاصرة ينبغي التوقّف عندها، بهدف الإفادة منها في إطار السّعي لاكتشاف السّبل المؤدّية للنّهوض العربيّ المأمول، والتّفاعل مع هذه الحضارة بما يعيد للعرب مكانتهم التّاريخيّة المفقودة منذ قرون خلت، فالحديث عن الواقع العربيّ المأزوم، وسبل النّهوض به من أهم الموضوعات الّتي شغلت أذهـان المفكّرين العرب منذ منتصف القرن التّاسع عشر حتّى يومنا هذا، نتيجة لحالة التّخلّف والانحطاط والجهــل والضّعف والتّبعيّة والتأخر، الّتي نعيشُها، وعجزِنا عن مواكبة التطوّر السّريع المتلاحق للعديد من دول العالم.

إنَّ الاعترافَ بعجزنا وبالمشكلات المُعطّلةِ لنهوضنا، _ وهي في معظمها مشكلات داخليّة لا علاقة للعالم الخارجيّ بها_ ، يُشكِّلُ خطوةً ضروريّة للخروج من أزمتنا الرّاهنة بأقلّ التّكاليف، واللّحاق بركب الحضارة الإنسانيّة المعاصرة. فالاعتراف بالعجز عن حلِّ مشكلاتنا وتجاوز أزماتنا المُعَطّلة لنهوضنا العربيّ يُعدُّ أوّل درجات الخلاص ممّا نحنُ فيهِ، فقد أصبحنا خارج مضمار صناعة التّاريخ، وفي أحسن الحالات على أطرافهِ، نرقب التقدّم الحضاريّ للأمم المتمدّنة والمتقدّمة بروح اللاّمبالاة أو الأسف والنّدم، لأنّنا كنّا ذات يوم صانعين للتّاريخ منتجين للحضارة، ولم نعد اليوم كذلك: فرفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي، فرنسيس فتح الله مراش، بطرس البستاني، سليم البستاني، أمين البستاني، أديب اسحق، أحمد فراس الشّدياق، ناصيف اليازجي، إبراهيم اليازجي، رزق الله حسني، يعقوب صرّوف، فارس نمر، علي مبارك، جرجي زيدان، عبد الله نديم، شبلي شميل، الشّيخ رشيد رضا، فرح أنطون، سليم بو حاجب، محمد بيرم الخاسي، وبشير صغار، إلى عبد الرحمن الكواكبي، محمد كرد علي، عبد الحميد الزهراوي، أمين الريحـاني، انتهاءً بالمفكّرين المعاصرين: علي عبد الرّازق، لطفي السيّد، سلامة موسى، مصطفى كامل، جبران خليل جبران، زكي الأرسوزي، طه حسين، عبّاس محمود العقّاد، محمد حسنين هيكل، محمد عابد الجابري، محمد أركون، ساطع الحصري، زكي نجيب محمود، يوسف كرم، عثمان أمين، عبد الرحمن بدوي، عبد العزيز الحبّابي، كمال يوسف الحاج، حسين مروّة، مهدي عامل، هشام شرابي، الطيّب تيزيني، حسن حنفي، حسن التّرابي، صادق جلال العظم، عبد الله عبد الدّايم، علي حرب، أحمد برقاوي، يوسف سلامة، عبد الله النّفيسي، وآخرون، انصبَّ جهدهم على تشخيص الحال العربي، ووضع تصوّراتهم الفلسفية والسّياسيّة، وعرض وصْفاتِهِم العلاجيّة لتجاوز حالة الضّعف والتمزّق والتّخلّف والتّبعيّة، والانتقال بالأمّة العربيّة إلى مصاف الأمم المتقدّمـة الرّاقية، بوصفهـا ذاتاً قوميّة لها إسهامات كبيرة في صناعة الحضارة الإنسانيّة في برهاتٍ تاريخيّة معيّنة .

ثمّة أسئلةٍ تطـرح نفسها بقوّة: ما المعوّقات الّتي تحول دون تحقيق نهوضٍ عربيٍّ تّقدّميٍّ فاعلٍ وملموس؟ وهل بوسعنا تحقيق نهضة عربيّة معاصرة تباري نهضة الأمم المتقدّمة؟ ومن أين نبدأ؟ .

من شأن نظرةٍ فاحصةٍ لواقعنا العربيّ إظهار نوع وطبيعة المعوّقات المعطّلة لنهوضه وتقدّمه، تلك المعوّقات تنقسم إلى قسمين: معوّقاتٍ داخليـّة، ومعوّقاتٍ خارجية، أمّا الداخلية فتتمثّل في: عجز الـوعي بالواقع، الفساد السّياسي والاجتماعي، الفساد الاقتصادي، عجز النّظام القضائي، الفساد الإداري، الفساد الدّيني والأخلاقي، عجز النّظام التّعليمي، وعجز النّظام الثّقافي والإعلامي. وأمّا المعوّقات الخارجيّة فتتمثّل في: التّبعيّة السّياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة لمعظم الدّول العربيّة للبلدان صاحبة القوّة والنّفوذ وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة، والعجز عن مقاومة المشّروع الصّهيوني وقاعدته المتقدّمة في المنطقة العربيّة (إسرائيل).

  • المعوّقات الدّاخليّة:

أوّلاً: عجز الوعي بالواقع:

من مظاهر هذا العجز: قصور الوعي عن إدراك حقيقة الواقع، والتّحدّيات الّتي تواجـهنا حاضراً ومستقبلاً. فالعجـز عن النّفاذ إلى صميم المشكلات المصيريّة في حياتنا يسمُ وعيَنا بالسّطحيّة، ويجعلَنا نرقدُ في أسرّتنا نرقب رحمة السّماء بقدوم مخلّص منتظر يتولّى حلّ مشكلاتنا الّتي عجزنا عن إيجاد حلولٍ عمليّةٍ ملائمةٍ لها.

على ضوء ذلك: هل بوسعِنا التّأسيس لواقعٍ حداثيٍّ جديدٍ باستخدام أدواتٍ متطوّرةٍ ومعايير حضاريّة متقدّمة في وقتٍ تجاوزت فيه العديد من دول العالم الحداثةِ إلى ما بعدها ؟!.

لكي يصبحَ وعينا قادراً على تجاوز أزماته، وتحديد الأهداف الّتي نروم تحقيقها، والسّير بنا نحو التّغيير المنشود، ينبغي أن يكون وعياً نقديّاً، له القدرة على التّحليل والتّركيب والخلق، والتّشخيص الدّقيق للمشكلات المعطّلةِ لنهوضنا وتقدّمنا.

وواقع الحال أنَّنا بحاجة لصدمةٍ قويّةٍ توقظـنا من سباتنا، وتدفع بنا نحو التّفكير الجادّ والعمل الدّؤوب للنّهوض من كبوتنا الرّاهنة، والتأسيس لفكرة حضارية جديدة ملموسة الأثر، مستفيدين من تراثنا الحضاري، وتراث الإنسانيّة المعاصرة.

ينقسمُ حديثنا عن إشكاليّة النّهوض العربيّ إلى قسمين متداخلين، الأوّل معوّقات النّهوض والثّاني مقوّمات النّهوض، من خلال تشخيصٍ دقيقٍ للمشكلاتِ المعطّلةِ لتقدّمنا، واكتشاف الحلول الصّحيحة لتلك المشكلات، وهذا ليس بالشّيء الهيّنِ واليسير.

ثانياً: الفساد السّياسي والاجتماعي:

ثمّة أسباب منتجة للفساد السّياسيّ والاجتماعيّ العربيّ، أبرزها: غياب الحريّة بأوجهها المتعدّدة، والدّيمقراطيّة القائمة على التعدّديّة السياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، والمشاركة الفعليّة في النّظام السّياسي، والفرقة والانقسام، وعلاقة الدّولة بالمجتمع، والنّيل من العدالة الاجتماعيّة والكرامة الإنسانيّة.

  • مظاهر الفساد السّياسي:
  • غياب الحريّة:

الحريّة حقٌّ مقدّسٌ لجميع أفراد المجتمع حكّاماً ومحكومين ينبغي ألّا يطأ ساحتها أحد، في ظلّ المواطنةِ وسيادة القانون، وبالتّالي فقَصر هذه الحرّيّة على فئة دون أخرى من شأنه أن يفضي إلى العبوديّة للفئة المحرومة منها، بحيث لا يكون في وسعها الإسهام في عملية البناء والنّهوض والتّنمية، فلكي يسهم جميع أبناء الوطن في تقدّمه ورفعته يتعيّن عليهم أن يكونوا متساوين في حرّيّاتهم المدنيّة والسّياسيّة، ناهيك عن أنَّ سلب حرّيّة الإنسان يتعارض مع الفطـرة الإنسانيّة الّتي يولد البشر بموجبها أحراراً، بل إنَّ من شأن سلـب حريته الإفضاء إلى الكراهية والحقـد والانتقام إزاء مَن ضيّق عليه حرّيته أو استلبها منه، الأمر الّذي يهدّد وحـدة المجتمع وقوّته وثباته وتقدّمه بأفدح الأخطار والعواقب .

والسّؤال: هل بوسعنا النّهوض من كبوتنا الحضاريـة واللّحاق بركـب الحضارات المتقدّمة في الوقت الّذي نكابد فيه التّضييق علـى حريّتنا ؟ الحقيقة الّتي لا شكَّ فيها أنَّ الحريّةَ ضرورةٌ ملحّةٌ ينبغي العملُ على تجسيدهـا إلى واقعٍ حيٍ ملمـوس بوصفها لازمةً من لوازم النّهوض والتّقدّم ومن دونها يتعذّر علينا النّهوض واللّحاق بركب الأمم المتقدّمة. ولكن ما أوجه الحرّية الّتي نحتاجُها؟ .

  • أوجه الحريّة:

ثمة أوجه للحريّة، أبرزها: الوجه السياسي، الوجه الاقتصادي، الوجه الاجتماعي، الوجه الثقافي. أمّا الوجه السياسي، فينصب على علاقة الحاكم بالمحكوم، والمحكوم بالحاكم، بوصفها علاقة دستوريّة قائمة على مبدأي التعاقد الحرّ والاحتكام للدستور، واعتماد الوسيلة الديمقراطية ـ القائمة على مبدأ الانتخاب الديمقراطي الحرّ والنّزيه ـ في اختيار الحاكم وعزله، وأن يعطى الأفراد الحق في تشكيل واختيار الأُطر السّياسيّة والنّقابيّة والمجتمعيّة الّتي تعبِّر عن مصالحهم وأهدافهم الخاصّة في إطـار المصلحتين الخاصّة والعامّة، (الوطنيّة والقوميّة). والحريّة بالمعنى السّياسي هي الوصفة السّحريّة للتخلّص من التسلّط والاستبداد في المجتمعات الّتي يكون فيها نظامُ الحكم أوتوقراطيّاً يتصرّف في حقوق المواطنين والمجتمع دون خوف تَبِعَةٍ أو احترام شريعةٍ إلهية أو قانون بشريّ " (1) .

وأمّا الوجه الاقتصادي فقوامهُ: جعل النّشاط الاقتصادي نشاطـاً حرّاً يفسح المجال أمام مشاركة جميع أبناء الوطن الواحد، بمعزلٍ عن احتكار أيّ فئة اجتماعيّةٍ لهـذا النشاط بمفردها، وعلى أساسٍ من العلاقة المتوازنة بين أفـراد النشاط الاقتصادي والدّولة بما يكفل تحقيق مصالح كـلٍ منهُما، من خلال المشاركـة المجتمعيّة الواسعـة في وضع القوانين والتشريعات الاقتصادية وتنفيذها، وهو ما تفتقد إليه في معظم بلداننا العربيّة. آخذيـن بالاعتبار أنّه كلّما كانت القوانين والتشريعات عصريةً تعبّر عن مصالح المجتمع وتستجيبُ لمتطلبات التنمية، كلّمـا شهـدت الحياة الاقتصاديّة نهوضـاً وتقدمّاً ملحوظين.

أمّا الوجه الاجتماعي، فمعناه أن تكون العلاقة الاجتماعيّة بين الفرد ومحيطه الاجتماعيّ ابتداءً بالأسرة وانتهاءً بالمجتمع، علاقـةً حرّةً مسؤولـةً تنطوي على نبذ جميع أشكال القسر والإقصاء والاضطهاد، عبرَ امتلاك حريّة الرّأي إزاء مجمل القضايا الاجتماعيّة، وفي هذا السّياق تعدّ المشّاركة في الأنشطة الاجتماعيّة المختلفة لجميع أفراد المجتمع رجالاً ونساءً من مظاهـر الحريـّة الاجتماعيّة المنشودة، كما أنَّ إعـادة النّظر في كثيرٍ من الطّقوسِ والعـاداتِ والتّقاليد، بما ينسجم ومنطق التطوّر وروح العصر دون خوفٍ أو مهابة، مظهرٌ آخر من مظاهر الحرّيّة الاجتماعيّة، فثمّة مظهر من مظاهر التّخلّف والانحطـاط لا يزال قائمـاً في حياتنا الاجتماعيّة ينبغي التّخلّص منه بقوة وثبات، لأنّه في واقـع الأمر ليس مظهراً أصيلاً يدعونا للتمسّك به والعمل بمقتضاه .

إنَّ من شأن الحريّة الاجتماعيّة تقوية الرّوابط الاجتماعيّة، وتفعيل الحوار الاجتماعي بين جميع أفراد المجتمع، دون النّظر للاختلافـات الاجتماعيـّة والاقتصاديّة والسّياسية والمذهبية والعرقيّة الثّقافيّة فيما بينهم، والاعتراف بالآخر من حيث هو كائن لا من حيث ما ينبغي أن يكون عليه، وهو ما تفتقد إليه معظم مجتمعاتنا العربية.

أخيراً وليس آخـراً الوجه الثّقافي، الّذي يعد التنوّع فيه مصـدر إثراء لثقافـة الأمّة وازدهـارها، فمن حقّ كـلّ فرد أن يختار الثّقافة الّتي يريد، سواءٌ أكانت ثقافـة قوميّة أم دينيّة أم ليبراليّة أم غير ذلك، بمعنى ينبغي امتلاك حريّة الكلمة والتّعبير، والسّماح للأفكـار المتعارضـة بالظّهور، بعيداً عن الخـوف والاضطهاد والمنع، على أساس الحرّيّة الثّقافيّة المسؤولـة الملتزمة بآداب النّقـد والنّقض والحذف والإضافة، والنّظر إلى اختلاف الأفكار والثّقافات على أنّهُ مصدر تنوّعٍ وإثراء في إطار الهويّة الثّقافيّة المتنوّعة والواحدة، فيصبح تقبّل الآخر تقبلاً جدليّاً لا إلغائيّاً، قائماً على الاحترام المتبادل بما يمكّن المثقّف العربي الحرِّ لعـب دورٍ نهضويٍّ هامٍّ في نقده للواقع بهدف الارتقاء به نحـو الأفضل، في حين لا تزال كثير من الثقافات النخبوية في مجتمعاتنا العربية قائمة على مبدأي الإقصاء والإلغاء، ممّا يعقّد فرص الحـوار والتّفاعل فيما بينهـا وبين المجتمع من ناحية، والآخر من ناحية أخرى، ويهدّد الوحدة الثّقافيّة الوطنيّة والقوميّة . ناهيك عن أنَّ غياب الحريّة الثّقافيّة من شأنهِ تضييق مساحة الحوار بين الأفكار المختلفة والمتعارضة، وتهيئة المناخ لولادة الأفكار والحركات المتطرّفة الهادمة بغضّ النّظر عن مرجعيّتها الفكريّة، فتسود ثقافة رفض الآخر والتّعايش معهُ، والحضّ على ممارسة العنف والاستيلاء على ممتلكاته.

فكلّما تجذّرت الحريّة الثّقافيّة في المجتمع واتّسعت مساحاتها، انحسرت الأفكار المتطرّفة واضمحلّت فاعليّتها، وفاعليّة المؤمنين بها، أفراداً وجماعات. من هنا تُعدُّ الحريّة الثّقافيّة بما تنطوي عليه من سماحٍ للأفكار المتعارضة بالظّهور والحوار، وإجازة النّظر العقليّ بموروثنا الثّقافي الاجتماعيّ والسّياسيّ والدّيني والأخلاقيّ وفاقاً لروح العصر، وصفة العلاج المبتكرة للتخلّص من التطرّف وأهلهِ، وتعزيز ثقافة الاعتدال والتّسامح، والتّعايش مع ثقافة المجتمعات الإنسانيّة المتنوّعة على قاعدتي التّقاطع والاختلاف، والاحترام المتبادل.(يتبع)