لم تكن هبّة سخنين في مواجهة الجريمة المنظّمة ردّ فعلٍ عاطفيًا على حادثة قتل أخرى، بل لحظة كاشفة سقطت فيها الأقنعة التي حاولت دولة الاحتلال الاختباء خلفها طويلًا. ما جرى لم يكن احتجاجًا على «انفلات أمني» كما ادّعت مؤسساتها، بل تمرّدًا على سردية متكاملة: أن الدم الفلسطيني في الداخل شأن داخلي، وأن الجريمة قدر اجتماعي لا سياسة مدروسة.
في سخنين، توقّف الناس عن طرح السؤال الخطأ: لماذا نقتل بعضنا؟ وانتقلوا إلى السؤال الأخطر: من يصنع هذا القتل، ومن يحميه، ومن يستفيد منه؟
الجريمة ليست خللًا… بل وظيفة
على مدى أكثر من عقدين، تصاعدت الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر بوتيرة تعرفها دولة الاحتلال جيدًا. القتلة معروفون، السلاح معروف، ومساراته معروفة. ومع ذلك، لا محاسبة. هذا ليس فشلًا، بل قرارًا سياسيًا مقصودًا.
الدولة التي تلاحق الفلسطيني على منشور، وتعتقله على رأي، وتراقب تفاصيل حياته اليومية، تدّعي العجز حين يتعلّق الأمر بعصابات السلاح. هنا تتحوّل الجريمة من فوضى إلى وظيفة: إنهاك المجتمع، تفكيك ثقته بذاته، وتحويل الصراع من مواجهة مع منظومة استعمارية إلى اقتتال داخلي يستنزف الجميع.
السؤال المشروع يصبح إذًا:
هل تنمو الجريمة رغم دولة الاحتلال، أم لأنها تريدها كذلك؟
لماذا سخنين لأن الذاكرة تقاوم؟
سخنين لم تدخل هذا المشهد صدفة. من يوم الأرض عام 1976، حيث سقط شهداؤها دفاعًا عن الأرض والكرامة في مواجهة دولة الاحتلال، إلى اليوم، ظلّت المدينة مساحة تتداخل فيها الذاكرة مع الوعي السياسي. في سخنين، لم تكن المواجهة يومًا على تحسين شروط العيش فقط، بل على معنى الوجود نفسه.
لهذا، حين بلغ القتل حدّ الوقاحة، لم يخرج الناس مطالبين بمزيد من الشرطة، بل بمساءلة دولة الاحتلال التي تركت السلاح يتكاثر، ثم تجرأت على الحديث عن «القانون». الرسالة كانت واضحة:
من يترك السلاح في الشارع شريك في الجريمة، ومن يصمت على القاتل يدير القتل لا يحاربه.
الهبّة: كسرت الصمت لا الزجاج
أخطر ما فعلته هبّة سخنين أنها كسرت الصمت الذي تعيش عليه منظومة الجريمة التي ترعاها دولة الاحتلال. لم تُسقط العصابات، لكنها نزعت عنها الغطاء السياسي غير المعلن. أعادت تعريف الجريمة بوصفها نتاج سياسة، وربطت الدم الفلسطيني مباشرة بمؤسسات الحكم.
هنا، عاد الشارع إلى السياسة لا عبر الشعارات، بل عبر الاتهام المباشر. لم تعد الجريمة «مشكلة عربية»، بل فضيحة تتحمّل دولة الاحتلال مسؤوليتها الكاملة.
من يربّي من؟
هذا هو السؤال المركزي الذي طرحته الهبّة دون أن تنطقه حرفيًا:
هل العصابات هي التي خرّبت المجتمع، أم دولة الاحتلال هي التي ربّتها بالصمت والتواطؤ؟
الدولة التي تترك القاتل حرًا، ثم تعاقب المجتمع جماعيًا، لا تحارب الجريمة، بل تستخدمها. وهنا يسقط الخطاب الأخلاقي الرسمي سقوطًا كاملًا: لا أمن بلا عدالة، ولا عدالة في دولة تختار قتلاها.
وزير الأمن الداخلي: خطاب بلا شرعية
مشاريع وزير الأمن الداخلي في دولة الاحتلال، القائمة على مزيد من القمع والاستعراض، انكشفت كخطاب فارغ. فالقانون الذي لا يُطبّق على القاتل يتحوّل إلى أداة قمع، لا أداة حماية. الهبّة قالت بوضوح: الأمن ليس عصا، والقانون ليس انتقائيًا، ومن لا يجمع السلاح لا يملك حق الوعظ.
نتنياهو: مأزق يضاف إلى الهشاشة
لم تُربك هبّة سخنين حكومة نتنياهو لأنها الأكبر، بل لأنها الأخطر سياسيًا. فلسطينيون في الداخل، موحَّدون حول خطاب اتهامي، في لحظة تعيش فيها دولة الاحتلال أصلًا انقسامًا داخليًا حادًا وأزمات بنيوية متراكمة.
قد لا تُسقط الهبّة الحكومة، لكنها تذكّر دولة الاحتلال بحقيقة تحاول نسيانها: الفلسطيني في الداخل لم يُروَّض، بل جرى تأجيل صوته.
المشتركة: الشارع يسبق السياسة
في هذا المناخ، جاء إعلان إعادة تشكيل «المشتركة» كاستجابة اضطرارية لا مبادرة طوعية. الجريمة كشفت إفلاس التشرذم، والهبّة قالت بوضوح: الانقسام لا يحمي أحدًا، بل يترك الناس فرادى أمام الرصاص الذي تتغاضى عنه دولة الاحتلال.
السؤال لم يعد عن الوحدة كشعار، بل عن القدرة على تحويل الغضب إلى برنامج سياسي لا استثمار انتخابي.
خاتمة
من يوم الأرض إلى هبّة سخنين، تتكرّر الحقيقة نفسها:
كلما حاولت دولة الاحتلال تحويل الفلسطيني في الداخل إلى رقم، أعاد نفسه كقضية. الهبّة لم تُنهِ الجريمة، لكنها أنهت وهم الحياد.
ومن يسمّي القاتل، لا يعود ضحية .

