أحيت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والحزب الوطني الديمقراطي الإشتراكي، الذكرى 18 لرحيل الحكيم جورج حبش ، يوم السبت 24 يناير 2026، بفضاء أيكار تونس. تحت شعار (جورج حبش: مبدئية الموقف وتجدد الفكر ـــ من اجل بناء حركة التحرر العربية وتطوير التضامن الأممي) وقد قدم الندوة الرفيق عزالدين جمال عضو المكتب السياسي لحزب الوطد الديمقراطي. وتضمنت
اربعة مداخلات سياسية وفكرية، ومداخلة فنية، وعرضا مسرحيا فرديا، اضافة الى معرض صور لجوانب من حياة الحكيم جورج حبش.
1 ـــ كانت المداخلة الحضورية الاولى بعنوان (جورج حبش مناضلا ومفكرا) قدمها الرفيق النوري التومي الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي ــ تونس. أكد خلالها على السمات القيادية الاستثنائية للحكيم جورج حبش، وتميزه بالوعي الاستراتيجي العميق، وقدرته على اتخاذ الموقف السياسي المناسب في القت المناسب، واتسامه بالمبدئية في مواقفه وقراراته، خاصة موقفه الرافض للتسويات والاستسلام. وتميزه بالربط المحكم بين الوطني والقومي والأممي، والتزامه الحزبي والتنظيمي انطلاقا من قناعاته الراسخة بان التنظيم يشكل الرافعة الأساسية الحقيقية، التي بدونها يستحيل فتح الآفاق امام إمكانيات التقدم للمشروع الوطني. كما توقف عند الجانب الانساني في شخصية الحكيم وقدرته على التواصل المرن مع من حوله بسلاسة ومن غير تعقيد.
2 ـــ المداخلة الثانية كانت بعنوان: مرتكزات الموقف السياسي ومناهج التحليل الفكري. قدمها عابد الزريعي ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتونس، المحور الأول: مرتكزات الموقف السياسي: وتتمثل في الوعي العميق بالتناقض معه المشروع الصهيوني الامبريالي. ووضوح الأهداف المترتبة على الوعي بالتناقض. وضبط العلاقة بين التكتيك والاستراتيجية بما يضمن تحقيق تلك الأهداف التي ناضل من اجلها. ثانيا: ــ مناهج التحليل: كتيب ازمة اليسار العربي الى اين؟ المنهج التاريخي التحليلي الجدلي الذي يتفحّص الصيرورة التاريخية للحركة اليسارية، وفي تطبيقه للمنهج، قام بعرض تاريخي تحليلي أولا للواقع الموضوعي ممثلا بالواقع العربي منذ اجهاض تجربة محمد على في القرن 19 على يد القوى الامبريالية حتى اللحظة الراهنة. وثانيا للواقع الواقع الذاتي، ممثلا في تجربة اليسار العربي التقليدي والقومي، المشتبك مع الواقع الموضوعي بهدف تغييره. ومن خلال خصيلة التفاعل بين الذاتي مع الموضوعي، تمكن الحكيم من بلورة الخطوط الأساسية في ازمة اليسار العربي، كونه قد عجز عن تغيير الواقع الموضوعي: لم يغير في الواقع. فقد عجز عن إنجاز المهام التي طرحها رواد عصر النهضة، وأخفق في وعي حركة الواقع. بسبب اعتماده على استعارة مقولات نظرية جاهزة. وانهماكه في البرامج ال قطر ية. وبالنسبة للأحزاب اليسارية (القومية) فقد بذلت جهدا نظريا، لكنها عاشت أزمة عدم القدرة على الفعل في الواقع. وعلى ضوء هذه الازمة قدم الحكيم تصورات واقتراحات للخروج، تلخصت في فتح باب الحوار بين اجنحة اليسار، لمراجعة التجربة لإعادة تحليل القضايا التي تواجهنا. والحوار بين مختلف التيارات الفكرية والأيديولوجية الفاعلة، الماركسية، والقومية، والإسلامية المتنورة على قاعدة مناهضة الامبريالية والصهيونية. وبناء جبهة عريضة توفر أوسع مشاركة شعبية، بوصفها الصيغة الأكثر فعالية لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية.
3 ـــ وكانت المداخلة الاولى عن بعد بعنوان (مركزية القضية الفلسطينية في مناهضة الإمبريالية) قدمها الرفيق محمد رقي: عضو المكتب السياسي لفدرالية اليسار الديمقراطي ــ المغرب. اشار فيها الى ان القضية الفلسطينية تعد إحدى أكثر القضايا قدرةً على كشف الطبيعة البنيوية للنظام الإمبريالي باعتبارها تناقضاً تاريخياً مركباً تتداخل فيه أبعاد الاستعمار الاستيطاني، والرأسمالية الاحتكارية، والهيمنة الجيوسياسية. لا يمكن فهم مركزية فلسطين إلا داخل حركة الصراع بين قوى التحرر وقوى السيطرة الإمبريالية. وفي هذا السياق أكد على ان الحكيم جورج حبش قد شكّل أحد أبرز التعبيرات النظرية والسياسية عن الربط الجدلي بين التحرر الوطني ومناهضة الإمبريالية والكفاح الطبقي العالمي. لأنه الحكيم لم يتعامل مع فلسطين كقضية قومية معزولة، بل حلقة في سلسلة الصراع الأممي. رفض اختزال التحرر في الدولة، وربطه بالتحول الاجتماعي. كما انه قرأ القائد الإمبريالية كنظام عالمي، لا كدول منفردة، وهو ما يمنح تجربته راهنية متجددة.
4 ـــ وقدم الاستاذ مسعود احمد الكاتب السياسي من سلطنة عمان المداخلة الثانية عن بعد بعنوان (لمحة غير مألوفة في ذكرى رحيل جورج حبش). أشار فيها مداخلته الى المكانة البارزة التي تمتع بها الحكيم في صفوف وقواعد الثورة العمانية عندما انطلقت عام 1965 وكان اسم جورج حبش متداولًا على نطاق واسع في أوساط المقاتلين والجماهير الشعبية، بل إن بعض المناضلين كان يكنى بـ«أبو جورج»، على الرغم من أن هذا الاسم لم يكن مألوفًا في البيئة الاجتماعية المحلية. ان الحكيم لم يكن مجرد قائد لتنظيم سياسي، بل كان مدرسة ثورية متكاملة أنارت محطات مفصلية من تاريخنا المعاصر. وفي ظل التحولات العاصفة التي يشهدها الواقع العربي، تتجلى أهمية الحكيم، وتتأكد الحاجة إلى التمسك برؤيته الفكرية والسياسية والتنظيمية. وفي ختام مداخلته أكد على أن الوفاء للحكيم يبدأ، أولًا، بتجميع إرثه الفكري والسياسي، وتصنيفه وفق الموضوعات التي تناولها خلال مسيرته النضالية الطويلة، وهي موضوعات تغطي حقولًا متعددة في الفكر والتنظيم والتكتيك الثوري، بما يتيح الإفادة منها على نحو أعمق وأشمل.
5 ـــ وقدمت السيدة خميسة العبيدي الفنانة التشكيلية التونسية، قراءة للوحة (أرواح خالدة) التي رسمتها ارتباطا بالمناسبة. حيث اشارت الى ان اللوحة تجسد يوما من يوميات حرب الابادة باستهدافه لمساكن مدينة بصاروخ حربي وهدم ما صمد منها بجرافته، أما الجزء الثاني من المشهد حاولت تحويل الصورة الى لغة وموقف، حيث تظهر فيه شجرة شامخة بجذور مترامية كأنها تحضن ما تبقى من مساكن ومحافظة على لونها الترابي والأخضر الزيتوني الذي يرمز الى الثراء والخصوبة وهي هوية وتاريخ، أما اعلاها تكلله ملامح لشهدائنا بجباه مرفوعة في إشارة إلى أن الظلمة ليست قبرا، بل هي رحم لولادة جديدة ونأتي الى الكوفية التى تكسو ملامح الشهداء بلونها الأصلي الابيض والأسود. يحيلنا الى الموقف الذى اتخذه الفلسطينيون في ثورة 1936 لما لبسوا كلهم للكوفية كرد على الاحتلال البريطاني ولا زال هذا الموقف رائدا الى الان بل تعدى جغرافية فلسطين واصبح موقفا لكل احرار العالم.
6 ـــ كما قدم الفنان المسرحي نزار الكشو، عرضا مسرحيا ضمن سلسلة العروض التي يقدمها تحت عنوان (أشلاء المسافة صفر) وقد خصص هذا العرض لذكرى الحكيم جورج حبش، حيث جال في معرض الصور مخاطبا الحكيم ذهنيا ووجدانيا بصورة عميقة ومؤثرة.

